بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَرْبِيَةِ الشَّعْرِ عَلَى الرُّءُوسِ مِنَ الْجُمَمِ، وَمَنْ فَرَقَهُ، وَمَنْ سَدَلَهُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطحاوي
- الكتاب
- شرح مشكل الآثار
- المؤلف
- أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
- الناشر
- مؤسسة الرسالة
- الطبعة
- الأولى - 1415 هـ، 1494 م
- عدد الأجزاء
- 16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
3357 - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْدِلُ شَعْرَهُ , وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ، وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ رُءُوسَهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ، ثُمَّ فَرَقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ "
3358 - وَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: " أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْدِلُ شَعْرَهُ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ، وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ شُعُورَهُمْ، فَفَرَقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ "
3359 - وَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ
الْوُحَاظِيُّ، وَيُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ الْكُوفِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: " كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ الْجُمَّةِ وَفَوْقَ الْوَفْرَةِ ". هَكَذَا فِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ , وَفِي حَدِيثِ يُوسُفَ قَالَتْ: " كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَعْرٌ دُونَ الشَّحْمَةِ "
3360 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ الرَّقَّامُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إذَا كَانَ لِأَحَدِكُمْ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ "
3361 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ قَتَادَةَ يَقُولُ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: كَيْفَ كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: " كَانَ شَعْرًا رَجْلًا، لَيْسَ بِالْجَعْدِ، وَلَا بِالسَّبِطِ بَيْنَ أُذُنِهِ وَعَاتِقِهِ "
3362 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ دَاوُدَ الْمَرْوَزِيُّ الشَّعْرَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ خَالِدٍ الْخَيَّاطِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ: " أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَدَلَ نَاصِيَتَهُ ثُمَّ فَرَقَ "
3363 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ هِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْرِبُ شَعْرُهُ مَنْكِبَيْهِ "
3364 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ , عَنْ شُعْبَةَ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعَ الْبَرَاءَ يَقُولُ: " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ شَعْرٌ إلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ "
3365 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَرْدِ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ
عَمْرٍو الضَّبِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ "
3366 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ إيَادِ بْنِ لَقِيطٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: " انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي نَحْوَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا نَحْنُ بِهِ لَهُ وَفْرَةٌ بِهَا رَدْعٌ مِنْ حِنَّاءٍ ".
فَقَالَ قَائِلٌ: فَفِيمَا قَدْ رُوِّيتُمُوهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتِّخَاذُهُ الشَّعْرَ كَمَا رَوَيْتُمُوهُ فِيهِ عَنْهُ , وَفِيهِ أَمْرُهُ النَّاسَ بِإِكْرَامِ الشَّعْرِ، فَمِنْ أَيْنَ جَازَ لَكُمْ تَرْكُ اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ , وَالْعُدُولُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ إحْفَاءِ الشَّعْرِ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّا تَرَكْنَا ذَلِكَ إلَى مَا يُخَالِفُهُ مِمَّا أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَحْسَنُ مِنْهُ.
3367 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ الْجَرْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ: وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِي شَعْرٌ طَوِيلٌ، فَقَالَ: " ذُبَابٌ ". فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَعْنِينِي، فَذَهَبْتُ فَجَزَزْتُهُ ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: " مَا عَنَيْتُكَ، وَلَكِنَّ هَذَا أَحْسَنُ ".
3368 - وَكَمَا حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُقْبَةَ أَخُو قَبِيصَةَ، عَنْ
سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ.
فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ جَزَّ الشَّعْرِ أَحْسَنُ مِنْ تَرْبِيَتِهِ، وَمَا جَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَحْسَنَ كَانَ لَا شَيْءَ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَوَجَبَ لُزُومُ ذَلِكَ الْأَحْسَنِ، وَتَرْكُ مَا يُخَالِفُهُ، وَمَقْبُولٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ كَانَ هَذَا عَنْهُ، وَإِذْ كَانَ أَوْلَى بِالْمَحَاسِنِ كُلِّهَا مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ سِوَاهُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ صَارَ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ إلَى هَذَا الْأَحْسَنِ , وَتَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِمَّا يُخَالِفُهُ , وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَيَّامِ الْمُرَادَةِ فِي قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾
[البقرة: 203]
3369 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّيلِيِّ قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفًا بِعَرَفَاتٍ، فَأَقْبَلَ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ فَسَأَلُوهُ عَنِ الْحَجِّ، فَقَالَ: " الْحَجُّ يَوْمُ عَرَفَةَ، مَنْ أَدْرَكَ جَمْعًا قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ " ثُمَّ أَرْدَفَ خَلْفَهُ رَجُلًا يُنَادِي بِذَلِكَ "
3369 م- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ , وَلَمْ يَذْكُرْ سُؤَالَ أَهْلِ نَجْدٍ إيَّاهُ , وَلَا إرْدَافَهُ الرَّجُلَ خَلْفَهُ.
فَسَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203] وَالْمُتَأَخِّرُ فَقَدِ اسْتَوْفَى الْأَيَّامَ الَّتِي أَمَرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْمُقَامِ فِيهَا بِمِنًى , وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ سَبِيلُهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ فِيمَا فَعَلَ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَا إثْمَ عَلَى مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الظُّهْرِ , وَلَا عَلَى مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ كُلَّهَا , وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَا إثْمَ عَلَى مَنْ قَصَّرَ عَنْ شَيْءٍ أُمِرَ بِهِ، وَرُخِّصَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ تَرْكُ بَعْضِهِ، أَوْ تَرْكُ كُلِّهِ.
فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ: أَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ، فَكَانَ الْمُقِيمُ إلَى النَّفْرِ الْآخَرِ تَارِكًا لِرُخْصَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَرْفَعُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ الْإِثْمَ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203] وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: " اللهُمَّ إنَّ فُلَانًا هَجَانِي وَهُوَ يَعْلَمُ أَنِّي لَسْتُ بِشَاعِرٍ فَأَهْجُوَهُ، فَالْعَنْهُ عَدَدَ مَا هَجَانِي، أَوْ مَكَانَ مَا هَجَانِي " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا.
فَقَالَ قَائِلٌ: فِي هَذَا
الْحَدِيثِ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ شَاعِرًا لَهَجَا ذَلِكَ الشَّاعِرَ كَمَا هَجَاهُ، فَكَيْفَ جَازَ لَكُمْ أَنْ تَقْبَلُوا هَذَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْلَاقُهُ الَّتِي تَرْوُونَهَا عَنْهُ تَدُلَّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ؟ . فَمِمَّا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ.
3370 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْأَزْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَقِيلُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي جُرَيٍّ الْهُجَيْمِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَا أَبَا جُرَيٍّ، لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَصُبَّ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ الْمُسْتَسْقِي، وَأَنْ تَلْقَى أَخَاكَ وَوَجْهُكَ إلَيْهِ مُنْبَسِطٌ، وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ؛ فَإِنَّهُ مِنَ
الْمَخِيلَةِ، وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْخُيَلَاءَ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرَّجُلُ يَسُبُّنِي بِمَا فِيَّ، أَسُبُّهُ بِمَا فِيهِ؟ قَالَ: " لَا، فَإِنَّ أَجْرَ ذَلِكَ لَكَ، وَإِثْمَهُ وَوَبَالَهُ عَلَيْهِ ". فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَمْرُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّفْحِ وَتَرْكِ السِّبَابِ لِمَنْ سَبَّ , وَالشِّعْرُ مِنْ أَكْبَرِ السَّبِّ، فَمِنْ أَيْنَ جَازَ لَكُمْ أَنْ تَرْوُوا عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُخَالِفُ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّ الَّذِي تَوَهَّمَهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لَيْسَ هُوَ كَمَا تَوَهَّمَهُ فِيهِ ; لِأَنَّ الَّذِي فِيهِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنَّ فُلَانًا هَجَانِي وَهُوَ يَعْلَمُ أَنِّي لَسْتُ بِشَاعِرٍ فَأَهْجُوَهُ " إنَّمَا وَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَنَا، وَاللهُ أَعْلَمُ، عَلَى نَفْيِ الشِّعْرِ عَنْهُ ; لِأَنَّ رُتْبَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَلُّ مِنْ رُتَبِ الشُّعَرَاءِ , وَهِيَ أَعْلَى رُتَبَ النُّبُوَّةِ، وَتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ مَنْزِلَتَهُ فِي الرِّفْعَةِ , وَكَانَ مَنْ هَجَاهُ مَنْزِلَتُهُ الْمَنْزِلَةُ الْوَضِيعَةُ إذْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السِّبَابِ , وَكَانُوا مَعَ ذَلِكَ إنَّمَا يُهَاجُونَ إذَا هَجَوْا أَكْفَاءَهُمْ، فَأَمَّا مَنْ سِوَى أَكْفَائِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُهَاجُونَهُمْ، فَكَانُوا يَرْفَعُونَ أَنْفُسَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَمِنْ ذَلِكَ هِجَاءُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ لِأَبِي
سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ لَمَّا هَجَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
كَمَا حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي عَبَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ بَرَكَةَ، عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ عَائِشَةَ فِي نِسْوَةٍ، فَذُكِرَ عِنْدَهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، فَوَقَعْنَ فَسَبَبْنَهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: " لَا تَسُبُّوهُ؛ فَقَدْ أَصَابَهُ مَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، قَدْ عَمِيَ , وَاللهِ إنِّي لِأَرْجُوَ أَنْ يُدْخِلَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الْجَنَّةَ بِكَلِمَاتٍ قَالَهُنَّ فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يَقُولُ لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ: [البحر الوافر] هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ ".
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَالْمُهَاجَاةَ مِنْ أَهْلِ الشَّرَفِ إنَّمَا تَكُونُ مِنْهُمْ لِأَكْفَائِهِمْ، لَا لِمَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، كَانَ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ لِهَذَا الْمَعْنَى , وَإِعْلَامًا مِنْهُ النَّاسَ أَنَّ الَّذِي هَجَاهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ لَهُ، فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَهْجُوَهُ لَوْ كَانَ شَاعِرًا، ثُمَّ أَتْبَعَ مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ هِجَائِهِ إيَّاهُ بِسُؤَالِهِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَلْعَنَهُ: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: 52] . وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِمَّا نُحِيطُ بِهِ عِلْمًا أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهُ إلَّا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُرَادِ بِقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾
[الأحزاب: 4]
3371 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ، وَرَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْقَطَّانُ، جَمِيعًا قَالَا: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا قَابُوسُ بْنُ أَبِي ظَبْيَانَ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ: قُلْنَا لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4] ، مَا عَنَى بِذَلِكَ؟ فَقَالَ: " كَانَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا يُصَلِّي، فَخَطَرَ خَطْرَةً، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ مَعَهُ: أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ، قَلْبًا مَعَكُمْ , وَقَلْبًا مَعَهُمْ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4] ".
فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ إنْزَالَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدًّا عَلَى الْمُنَافِقِينَ مَا كَانُوا قَالُوهُ مِمَّا ذُكِرَ فِي قَوْلِهِمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ , وَنَفَى الله عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ عَنْهُ , وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ وَعَنِ الْحَسَنِ فِي تَأْوِيلِهَا خِلَافُ هَذَا التَّأْوِيلِ.
3372 - كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4] قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فِهْرٍ: إنَّ فِي جَوْفِي قَلْبَيْنِ، أَعْقِلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَفْضَلُ مِنْ عَقْلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَذَبَ "
3373 - وَكَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: " كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو قَلْبَيْنِ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4]
3374 - وَكَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُبَارَكٌ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: " كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ: أَمَرَتْنِي نَفْسِي بِكَذَا، وَأَمَرَتْنِي نَفْسِي بِكَذَا، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4] ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِهَا، لَا سِيَّمَا وَقَدْ دَخَلَ فِي الْمُسْنَدِ بِرَدِّ رُوَاتِهِ إيَّاهُ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] الْآيَةَ
3375 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُنْقِذٍ جَمِيعًا قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ الْأَسَدِيُّ قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ إلَى الْيَمَنِ فَكُنْتُ فِيهِمْ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ: " أَنَّ نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ، فَيَأْتِي السَّهْمُ بِرِمَايَةٍ فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] "
3376 - وَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ لَهِيعَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَهُمْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَأْتِي السَّهْمُ بِرِمَايَةٍ فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء: 97] إلَى آخِرِ الْآيَةِ "
3377 - وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْأَعْرَجُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَرِيكٍ الْمَكِّيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " كَانَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَسْلَمُوا، وَكَانُوا يَسْتَخْفُونَ بِالْإِسْلَامِ، فَأَخْرَجَهُمُ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَهُمْ، بَعْضُهُمْ قَبْلَ بَعْضٍ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: قَدْ كَانَ أَصْحَابُنَا هَؤُلَاءِ مُسْلِمِينَ وَأُكْرِهُوا، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] إلَى آخِرِ الْآيَةِ ". فَقَالَ قَائِلٌ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي وَصَلَهُ بِمَا تَلَوْتَهُ عَلَيْنَا مِنْ
قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا.
فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: 99] . وَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذُنُوبٌ فَيُعْفَى لَهُمْ عَنْهَا , وَالْعَفْوُ فَإِنَّمَا يَكُونُ عَنْ مُسْتَحَقِّي الْعُقُوبَاتِ بِذُنُوبِهِمْ , وَهَؤُلَاءِ لَا ذُنُوبَ لَهُمْ فِيمَا ذُكِرُوا بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَسْتَحِقُّونَ الْعُقُوبَاتِ عَلَيْهَا.
فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّ الْعَفْوَ عَفْوَانِ: فَعَفْوٌ مِنْهُمَا هُوَ الْعَفْوُ الَّذِي ذُكِرَ، وَعَفْوٌ مِنْهُمَا هُوَ رَفْعُ الْعِبَادَةِ فِيمَا يُرْفَعُ فِيهِ فَيُعَادُ لَا عِبَادَةَ فِيهِ، يَجِبُ بِالْقِيَامِ بِهَا الثَّوَابُ، وَيَسْتَحِقُّ بِالتَّرْكِ لَهَا الْعِقَابَ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَدْ عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ ". لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ شَيْئًا قَدْ كَانَ عَلَيْهِمْ فِيهِ فَعَفَا لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ , وَلَكِنَّهُ عَلَى التَّرْكِ لَهُمْ إيَّاهُمْ بِلَا حَقٍّ عَلَيْهِمْ فِيهِمْ، وَلَا عِبَادَةٍ تَعَبَّدُوا بِهَا فِيهِمْ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: " كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ أَشْيَاءَ وَيَدَعُونَ أَشْيَاءَ تَقَذُّرًا، فَلَمَّا بَعَثَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَلَّ حَلَالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، فَمَا حَرَّمَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا أَحَلَّ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ ". فَكَانَ مَعْنَاهُ فِي قَوْلِهِ: " وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ " لَيْسَ يُرِيدُ بِهِ الْعَفْوَ عَنْ عُقُوبَاتِ ذُنُوبٍ كَانَتْ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ , وَلَكِنَّهُ يُرِيدُ بِهِ تَرْكَ مَا عُفِيَ لَهُمْ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ بِلَا عِبَادَةٍ تَعَبَّدَهُمْ بِهَا يُوجِبُ إتْيَانُهُمْ بِهَا لَهُمُ الثَّوَابَ، وَيُوجِبُ تَرْكُهُمُ الْإِتْيَانَ بِهَا عَلَيْهِمُ الْعِقَابَ.
فَمِثْلُ ذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ، عَفْوُهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلَوْنَاهَا عَلَى الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: 99] . وَقَوْلُهُ: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: 99] ، هُوَ عَلَى إيجَابِهِ الْعَفْوَ مِنْهُ لَهُمْ، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي الْمَقَامِ الَّذِي كَانُوا فِيهِ حِيلَةٌ فِي التَّحَوُّلِ عَنْهُ , وَفِي الِانْتِقَالِ مِنْهُ إلَى ضِدِّهِ فِي الْأَمَاكِنِ الْمَحْمُودَةِ، فَرَفَعَ اللهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَتَعَبَّدْهُمْ فِيهِ بِمَا تَعَبَّدَ بِهِ مَنْ سِوَاهُمْ فِيهِ، مِنْ قَوْلِهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ، لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا ". وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا.
وَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي وَعِيدٍ غَلِيظٍ، فَرَفَعَ اللهُ مِثْلَهُ عَنِ الْمُقِيمِينَ فِي تِلْكَ الْأَمْكِنَةِ بِلَا اسْتِطَاعَةٍ مِنْهُمُ الْهَرَبَ عَنْهَا وَالتَّحَوُّلَ مِنْهَا إلَى الْأَمْكِنَةِ الْمَحْمُودَةِ، وَرَفَعَ عَنْهُمُ التَّعَبُّدَ فِي ذَلِكَ بِهَذَا , وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ فِي ذَلِكَ، وَإِيَّاهُ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِيهِ مِنْ قِرَاءَاتِهِمْ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ [سبأ: 15] هَلْ هُوَ مِمَّا يَدْخُلُهُ الْإِعْرَابُ فَيَكُونُ كَمَا قَرَأَهُ مَنْ قَرَأَهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ [سبأ: 15] أَوْ بِخِلَافِ ذَلِكَ مِنْ تَرْكِ دُخُولِ الْإِعْرَابِ إيَّاهُ، فَيَكُونُ كَمَا قَرَأَهُ مَنْ قَرَأَهُ: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَأَ فِي مَسْكِنِهِمْ)
3378 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ لَهِيعَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ هُبَيْرَةَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَعْلَةَ السَّبَائِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَبَأَ مَا هُوَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هُوَ رَجُلٌ وَلَدَ عَشْرَ قَبَائِلَ، فَسَكَنَ الْيَمَنَ سِتَّةٌ وَالشَّامَ أَرْبَعَةٌ، فَأَمَّا الْيَمَانِيُّونَ: فَمَذْحِجُ، وَكِنْدَةُ، وَالْأَزْدُ، وَالْأَشْعَرُونَ، وَأَنْمَارُ،