شرح مشكل الآثاربَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَعْنِ الرَّجُلِ أَخَاهُ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَعْنِ الرَّجُلِ أَخَاهُ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطحاوي
الكتاب
شرح مشكل الآثار
المؤلف
أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
الناشر
مؤسسة الرسالة
الطبعة
الأولى - 1415 هـ، 1494 م
عدد الأجزاء
16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

3706 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ , عَنِ الْعَيْزَارِ بْنِ جَرْوَلٍ , أَنَّهُ قَالَ: كَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ يُكْنَى أَبَا عُمَيْرٍ , وَكَانَ صَدِيقًا لِابْنِ مَسْعُودٍ , فَأَتَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي دَارِهِ فَلَمْ يُوَافِقْهُ فِي أَهْلِهِ , فَاسْتَأْذَنَ عَلَى أَهْلِهِ , فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ , وَاسْتَسْقَاهُمْ مِنَ الشَّرَابِ , فَبَعَثَتِ الْمَرْأَةُ الْخَادِمَ إِلَى الْجِيرَانِ فِي طَلَبِ الشَّرَابِ , فَاسْتَبْطَأَتْهَا فَلَعَنَتْهَا , فَخَرَجَ عَبْدُ اللهِ وَجَلَسَ فِي جَانِبِ الدَّارِ , وَجَاءَ أَبُو عُمَيْرٍ فَقَالَ: " يَرْحَمُكَ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ , وَهَلْ يُغَارُ عَلَى مِثْلِكَ؟ أَلَا دَخَلْتَ عَلَى ابْنَةِ أَخِيكَ فَسَلَّمْتَ عَلَيْهَا , وَأَصَبْتَ مِنَ الشَّرَابِ؟ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ , قَدْ دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ , فَسَلَّمْتُ وَاسْتَسْقَيْتُهُمْ , فَإِمَّا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ شَرَابٌ , وَإِمَّا رَغِبُوا فِيمَا عِنْدَهُمْ , فَبَعَثَتِ الْمَرْأَةُ الْخَادِمَ إِلَى الْجِيرَانِ فِي طَلَبِ الشَّرَابِ , فَاسْتَبْطَأَتْهَا فَلَعَنَتْهَا , وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّعْنَةَ إِذَا وُجِّهَتْ تَوَجَّهَتْ إِلَى مَنْ وُجِّهَتْ إِلَيْهِ , فَإِنْ وَجَدَتْ عَلَيْهِ سَبِيلًا , أَوْ وَجَدَتْ مَسْلَكًا دَخَلَتْهُ , وَإِلَّا جَأَرَتْ إِلَى رَبِّهَا عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَتْ: يَا رَبِّ , إِنَّ عَبْدَكَ فُلَانًا وَجَّهَنِي إِلَى فُلَانٍ , وَإِنِّي لَمْ أَجِدْ عَلَيْهِ سَبِيلًا , وَلَمْ أَجِدْ فِيهِ مَسْلَكًا , فَمَا تَأْمُرُنِي؟ فَيُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ " , فَخِفْتُ

أَنْ تَكُونَ الْخَادِمُ مَعْذُورَةً , فَتَرْجِعَ اللَّعْنَةُ فَأَكُونُ سَبِيلَهَا , فَذَلِكَ الَّذِي أَخْرَجَنِي " وَلَمْ يَذْكُرْ لَنَا الْكَيْسَانِيُّ فِي حَدِيثِهِ هَذَا بَيْنَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَبَيْنَ الْعَيْزَارِ أَحَدًا , وَالْعَيْزَارُ فَرَجُلٌ قَدِيمٌ , فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِأَخْذِهِ إِيَّاهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ , وَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ حَدَّثَهُ بِهِ عَنْهُ , فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ.

3707 - فَوَجَدْنَا إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَيْزَارُ بْنُ جَرْوَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُمَيْرٍ , وَكَانَ صَدِيقًا لِعَبْدِ اللهِ , يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّعْنَةَ إِذَا

هِيَ وُجِّهَتْ إِلَى أَحَدٍ تَوَجَّهَتْ , فَإِنْ وَجَدَتْ عَلَيْهِ سَبِيلًا , أَوْ وَجَدَتْ فِيهِ مَسْلَكًا دَخَلَتْ عَلَيْهِ , وَإِلَّا رَجَعَتْ إِلَى رَبِّهَا عَزَّ وَجَلَّ , فَقَالَتْ: أَيْ رَبِّ , إِنَّ فُلَانًا وَجَّهَنِي إِلَى فُلَانٍ , وَإِنِّي لَمْ أَجِدْ عَلَيْهِ سَبِيلًا , وَلَمْ أَجِدْ فِيهِ مَسْلَكًا , فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: " ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ " فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ الْعَيْزَارَ إِنَّمَا أَخَذَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي عُمَيْرٍ هَذَا , عَنْ عَبْدِ اللهِ.
قَالَ: فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا لَعَنَ الْإِنْسَانَ فَكَانَ الْمَلْعُونُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ سَلَكَتْ فِيهِ لَعْنَتُهُ , وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي كَانَتْ مِنْهُ , فَسَلَكْتُ فِيهِ.
فَقَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ رُوِّيتَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْكَ فِي كِتَابِكَ هَذَا فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي لَعَنَتْ بَعِيرَهَا , وَفِي الرَّجُلِ الَّذِي لَعَنَ بَعِيرَهُ , أَمَرَهُ أَنْ لَا يَصْحَبَهُ ذَانِكَ الْبَعِيرَانِ لِأَنَّهُمَا صَارَا مَلْعُونَيْنِ؛ وَلَأَنَّ اللَّعْنَ مِنَ اللَّاعِنِ دُعَاءٌ عَلَى مَنْ لَعَنَهُ , وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُوَافِقَ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ سَاعَةً نِيلَ فِيهَا عَطَاؤُهُ , فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ لَاعِنَيْ نَاقَتَيْهِمَا قَدْ وَافَقَا مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ تِلْكَ السَّاعَةَ , فَعَادَتْ نَاقَتَاهُمَا إِلَى مَا عَادَتَا إِلَيْهِ مِنَ الطَّرْدِ وَالْإِبْعَادِ , وَهُمَا فَلَا ذَنْبَ لَهُمَا , وَلَمْ تَعُدِ اللَّعْنَةُ إِلَى اللَّاعِنِ , فَتَسْلُكَ فِيهِ إِذًا لَمْ تَجِدْ مَسْلَكًا فِي النَّاقَتَيْنِ الْمَلْعُونَتَيْنِ , وَهَذَا تَضَادٌّ شَدِيدٌ.
فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّ اللَّعْنَ لِلْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا ذُنُوبَ لَهَا , وَلَا تَعَبُّدَ عَلَيْهَا يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الدُّعَاءِ عَلَيْهَا بِاللَّعْنِ , فَيُرَدُّ

ذَلِكَ الدُّعَاءُ مِمَّنْ كَانَ مِنْهُ عُقُوبَةً عَلَيْهِ , فَيُمْنَعُ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِمَا لَعَنَهُ , وَيَكُونُ ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَيْهِ , وَأَمَّا مَا لَعَنَهُ بِهَا , فَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ , بَلْ قَدْ عَادَ مَحْمُولًا عَنْهُ الِاسْتِعْمَالُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ , وَاللَّعْنُ لِلْإِنْسَانِ لَعْنٌ لِمَنْ هُوَ مُتَعَبَّدٌ , وَلِمَنْ قَدْ يَكُونُ مِنْهُ الْأَخْلَاقُ الْمَذْمُومَةُ , الَّتِي يَكُونُ بِهَا مَلْعُونًا , فَيَكُونُ مَنْ لَعَنَهُ غَيْرَ مُعَنَّفٍ فِي لَعْنِهِ إِيَّاهُ , لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ لَعَنَ الظَّالِمِينَ وَقَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159] . وَلَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قُنُوتِهِ فِي الصَّلَاةِ مَنْ لَعَنَ فَقَالَ: " اللهُمَّ الْعَنْ لِحْيَانَ , وَرِعْلًا , وَذَكْوَانَ , وَعُصَيَّةَ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ ". فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِفَنَائِهِمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
وَإِنْ كَانَ الْمَلْعُونُ بِخِلَافِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَاعِنَهُ مِمَّنْ قَدْ سَبَّهُ بِأَكْثَرَ مَا يَسُبُّ بِهِ أَحَدٌ , فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ الْعُقُوبَةَ عَلَى سَبِّهِ إِيَّاهُ , فَجَعَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عُقُوبَتَهُ عَلَى ذَلِكَ عَوْدَ اللَّعْنَةِ إِلَيْهِ , وَسُلُوكَهَا فِيهِ , حَتَّى يَكُونَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَ مِنَ الَّذِي لَعَنَهُ أَنْ يَكُونَ بِهِ بِلَعْنِهِ إِيَّاهُ , وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ ذَلِكَ , وَنَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.

جارٍ التحميل