شرح مشكل الآثاربَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يُعَذَّبُ بِهِ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يُعَذَّبُ بِهِ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطحاوي
الكتاب
شرح مشكل الآثار
المؤلف
أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
الناشر
مؤسسة الرسالة
الطبعة
الأولى - 1415 هـ، 1494 م
عدد الأجزاء
16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

5190 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " مَرَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: " إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا هَذَا: فَكَانَ لَا يَسْتَبْرِئُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا هَذَا: فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ " ثُمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ، فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ، فَغَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ: " لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا "

فَقَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قَصَدَ فِي هَذَا إِلَى الْبَوْلِ، دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ النَّجَاسَاتِ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّ الْبَوْلَ لَا يَظْهَرُ عَلَى الْأَبْدَانِ، وَلَا عَلَى الثِّيَابِ مِنْهُ، مَا يَظْهَرُ مِنْ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ سِوَاهُ مِنَ الْغَائِطِ، وَالدَّمِ، وَالْقَيْحِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ يَتَحَامَاهَا النَّاسُ لِتَقَذُّرِهِمْ إِيَّاهَا، وَالْبَوْلُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا لَوْنَ لَهُ يُتَحَامَى مِنْ أَجْلِهِ، فَيُحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ إِلَيْهِ لِاسْتِخْفَافِ النَّاسِ بِهِ، وَتَهَاوُنِهِمْ بِالتَّنْظِيفِ مِنْهُ، مَا لَا يَتَهَاوَنُونَ بِهِ مِنَ التَّنْظِيفِ مِمَّا سِوَاهُ، مِمَّا يَتَرَيَّبُونَ بِهِ النَّاسَ، حَتَّى لَا يَتَحَامَوْا مَجَالِسَهُمْ، وَلَا قُرْبَهُمْ، فَقَصَدَ إِلَى الْبَوْلِ بِذَلِكَ دُونَ مَا سِوَاهُ

وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَأَمَّا أَحَدُهُمَا، فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ "، فَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَنَا، وَاللهُ أَعْلَمُ، أَنَّ الِاسْتِتَارَ هُوَ التَّوَقِّي، وَمِنْهُ دُعَاءُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: سَتَرَكَ اللهُ مِنَ النَّارِ أَيْ: وَقَاكَ اللهُ مِنَ النَّارِ وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ التَّمْرَةِ "، أَيِ: اسْتَتَرُوا مِنَ النَّارِ، وَلَوْ بِشِقِّ التَّمْرَةِ فَمِثْلُ ذَلِكَ: " كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ "، أَيْ: لَا يَتَوَقَّى مِنْ بَوْلِهِ

5191 - وَقَدْ حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ مِرَارٍ قَالَ: حَدَّثَ أَبُو بَكْرَةَ قَالَ: " كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَرَجُلٌ آخَرُ إِذْ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ صَاحِبَيْ هَذَيْنِ الْقَبْرَيْنِ لَيُعَذَّبَانِ، وَمَنْ يَأْتِينِي بِجَرِيدَةٍ مِنْ هَذَا النَّخْلِ "، فَاسْتَبَقْتُ أَنَا وَالرَّجُلُ، فَسَبَقْتُهُ، فَكَسَرَتْ مِنْهَا جَرِيدَةً، فَأَتَيْتُ بِهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَشَقَّهَا مِنْ أَعْلَاهَا بِنِصْفَيْنِ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَبْرَيْنِ نِصْفَهَا، وَقَالَ: " إِنَّهُ يُهَوَّنُ عَلَيْهِمَا مَا دَامَ فِيهِمَا مِنْ رُطُوبَتِهِمَا شَيْءٌ، إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ فِي الْغِيبَةِ، وَالْبَوْلِ "

وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ بِمُرَادِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي ذَلِكَ، وَإِيَّاهُ نَسْأَلُ التَّوْفِيقَ

جارٍ التحميل