شرح مشكل الآثاربَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ أَحْكَامِ مَنْ كَانَ بَعْدَ مَنْ حَمِدَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا فِي الْبَابِ الَّذِي تَقَدَّمَ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ أَحْكَامِ مَنْ كَانَ بَعْدَ مَنْ حَمِدَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا فِي الْبَابِ الَّذِي تَقَدَّمَ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطحاوي
الكتاب
شرح مشكل الآثار
المؤلف
أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
الناشر
مؤسسة الرسالة
الطبعة
الأولى - 1415 هـ، 1494 م
عدد الأجزاء
16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

2472 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ أَبُو أَحْمَدَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَصْبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " هَلْ مِنْ مَاءٍ؟ هَلْ مِنْ مَاءٍ؟ هَلْ مِنْ شَنٍّ؟ " فَأُتِيَ بِالشَّنِّ فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَفَرَّقَ أَصَابِعَهُ، فَنَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ عَصَا مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَ بِلَالًا يَهْتِفُ بِالنَّاسِ الْوُضُوءَ، فَلَمَّا فَرَغَ وَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، ثُمَّ قَعَدَ، قَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ أَعْجَبُ الْخَلْقِ إِيمَانًا؟ " قَالُوا: الْمَلَائِكَةُ.
قَالَ: " وَكَيْفَ لَا تُؤْمِنُ الْمَلَائِكَةُ وَهُمْ يُعَايِنُونَ الْأَمْرَ؟ " قَالُوا: النَّبِيُّونَ يَا رَسُولَ اللهِ.
قَالَ: " كَيْفَ لَا يُؤْمِنُ النَّبِيُّونَ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ؟ " قَالُوا: فَأَصْحَابُكَ يَا رَسُولَ اللهِ.
قَالَ: " كَيْفَ لَا

يُؤْمِنُ أَصْحَابِي وَهُمْ يَرَوْنَ مَا يَرَوْنَ؟ وَلَكِنَّ أَعْجَبَ النَّاسِ إِيمَانًا قَوْمٌ يَخْرُجُونَ مِنْ بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي، وَيُصَدِّقُونِي وَلَمْ يَرَوْنِي، أُولَئِكَ إِخْوَانِي "

2473 - وَحَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ أَبِي أَرْطَاةَ،

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّعْدِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ خِيَارَ أُمَّتِي أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا، وَبَيْنَ ذَلِكَ ثَبَجٌ أَعْوَجُ، لَيْسُوا مِنْ أُمَّتِي، وَلَسْتُ مِنْهُمْ ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: الثَّبَجُ الْوَسَطُ، فَدَلَّ مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ بَعْدَ الَّذِينَ ذَمَّهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ قَوْمًا مِنْ أُمَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَحْمُودَةً مَذَاهِبُهُمْ مِنْ أَهْلِ الرُّتْبَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ فِيمَا رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ أَهْلُهَا، وَجَعَلَهُمْ بِذَلِكَ إِخْوَانًا رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ مَعْقُولٌ؛ إِذْ قَدْ بَقِيَ مِنْ أُمَّتِهِ الْمَهْدِيُّ الَّذِي قَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِيهِ مَا سَنَذْكُرُهُ فِي بَقِيَّةِ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللهُ، وَالْعِصَابَةُ الَّتِي تُقَاتِلُ الدَّجَّالَ قَبْلَ نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِيمَانِ بِقَوْلِهِ: " وَتَكُونُ بَقِيَّةُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْأُرْدُنِّ "، وَالَّذِينَ مِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ التَّمَسُّكَ بِدِينِ اللهِ وَالْبَصِيرَةَ فِيهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ الدَّجَّالُ عَلَى ذَلِكَ لِتَكْذِيبِهِ بِهِ وَتَصْدِيقِهِ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ.
وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَزْوِيجِهِ الْمَرْأَةَ الَّتِي وَهَبَتْ لَهُ نَفْسَهَا الرَّجُلَ الَّذِي سَأَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا إِيَّاهُ بِغَيْرِ رُجُوعٍ مِنْهُ إِلَيْهَا فِي ذَلِكَ وَلَا مُؤَامَرَةٍ مِنْهُ إِيَّاهَا فِيهِ

2474 - حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ.
فَقَامَتْ قِيَامًا طَوِيلًا، فَقَامَ رَجُلٌ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا إِيَّاهُ "؟ فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هَذَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ جَلَسْتَ لَا إِزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ شَيْئًا ". فَقَالَ: مَا أَجِدُ.
فَقَالَ: " الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمَ حَدِيدٍ ". فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟ " قَالَ: نَعَمْ، سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَدْ زَوَّجْتُكَهَا ".

فَقَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ يَجُوزُ لَكُمْ قَبُولُ هَذَا فِي تَزْوِيجِهِ امْرَأَةً وَهَبَتْ لَهُ نَفْسَهَا غَيْرَهُ مِمَّنْ لَمْ يَسْأَلْهُ تَزْوِيجَهَا إِيَّاهُ ذَلِكَ الرَّجُلَ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ بِتَوْفِيقِ اللهِ وَعَوْنِهِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ لَا زِيَادَةَ فِيهِ عَلَى مَا رَوَيْنَاهُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قَدْ رَوَاهُ عَنْ شَيْخِ مَالِكٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ فِيهِ عَلَى مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَلَيْهِ تُوجِبُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزْوِيجَهَا الرَّجُلَ الَّذِي زَوَّجَهَا إِيَّاهُ بِلَا اسْتِئْمَارٍ مِنْهُ إِيَّاهَا فِي ذَلِكَ

2475 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: إِنِّي عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَتِ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ، فَرَ فِيهَا رَأْيَكَ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنْكِحْنِيهَا، فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ: " عِنْدَكَ شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: " اذْهَبْ فَاطْلُبْ ". فَذَهَبَ فَطَلَبَ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَأَتَاهُ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ شَيْئًا.
فَقَالَ: " اذْهَبْ فَاطْلُبْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ". فَذَهَبَ فَطَلَبَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ شَيْئًا.
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟ " قَالَ: نَعَمْ، سُورَةُ كَذَا وَكَذَا.
قَالَ: "

اذْهَبْ فَقَدْ أَنْكَحْتُكَ مَعَ مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ "

2476 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: إِنَّا فِي الْقَوْمِ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةٌ: إِنِّي وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَرَ فِيَّ رَأْيَكَ.
فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: زَوِّجْنِيهَا.
فَقَالَ: " اذْهَبْ فَاطْلُبْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ". فَذَهَبَ فَلَمْ يَجِئْ بِشَيْءٍ وَلَا بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَعَكَ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟ " قَالَ: نَعَمْ.
فَزَوَّجَهُ بِمَا مَعَهُ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ ".

2477 - وَكَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: إِنِّي لَفِي الْقَوْمِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَتِ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ، فَرَ فِيهَا

رَأْيَكَ، فَسَكَتَ فَلَمْ يُجِبْهَا بِشَيْءٍ، حَتَّى فَعَلَتْ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ ". فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِمَا خَاطَبَتْ بِهِ تِلْكَ الْمَرْأَةُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِطْلَاقُهَا لَهُ أَنْ يَرَى فِيهَا رَأْيَهُ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا انْطَلَقَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ، فَزَوَّجَهَا الرَّجُلَ الَّذِي سَأَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا إِيَّاهُ.
وَمِثْلُ هَذَا مَا قَدِ اسْتَعْمَلَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُضَارِبِ الْمَمْنُوعِ مِنْ دَفْعِ الْمَالِ لِلْمُضَارَبَةِ الَّذِي دَفَعَ إِلَيْهِ غَيْرُهُ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ دَافِعُهُ إِلَيْهِ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ , فَيَكُونُ لَهُ بِذَلِكَ دَفْعُهُ إِلَى مَنْ يَرَى لِيَحِلَّ بِهِ مَحَلَّهُ، وَلِيَعْمَلَ فِيهِ كَمَا كَانَ هُوَ يَعْمَلُ فِيهِ لَوْ عَمِلَ فِيهِ، وَلِيَكُونَ لَهُ مِنْ رِبْحِهِ مَا يَجْعَلُهُ لَهُ مِنْهُ، فَمِثْلُ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَمَّا جَعَلَتْ لَهُ فِي هِبَتِهَا لَهُ نَفْسَهَا أَنْ يَرَى فِيهَا رَأْيَهُ.
وَاللهَ تَعَالَى نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْوَجْهِ مِمَّا أَهْلُ الْعِلْمِ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ مِنَ الشَّيْءِ يَكُونُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ هَلْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ بِحَقِّهِ فِيهِ أَمْ لَا

2478 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَمَّادٍ الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُ لِأَهَبَ نَفْسِي لَكَ.
فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ , فَقَالَ: أَيْ رَسُولَ اللهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا.
فَقَالَ: " هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ " قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ.
قَالَ: " اذْهَبْ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا ". فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا.
قَالَ: " انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ.
فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ , فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ ". فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ.
قَالَ: فَرَآهُ

رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ , فَقَالَ: " مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّدَهَا فَقَالَ: " أَتَقْرَأُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ؟ " قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: " اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ".

2479 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.
فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ، فَوَجَدْنَا فِيهِ قَوْلَ الرَّجُلِ الْمَذْكُورَ فِيهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَا أُصْدِقُهَا نِصْفَ إِزَارِي، وَقَوْلَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ: مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ "، فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَوْ جَرَى بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ الْإِزَارِ كَذَلِكَ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لُبْسَهُ بِكَمَالِهِ فِي حَالٍ مَا يَحِقُّ مِلْكُهُ نِصْفَهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْقَوْلَ، كَمَا لَمْ يَقُلْ لَهُ: إِنْ لَبِسَهُ سِوَاكَ أَوْ سِوَاهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ وَلَا عَلَيْهَا؛ فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ مِنْ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَالِكِي مِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الثِّيَابِ وَمِمَّا سِوَاهَا مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ أَوْ مِمَّا إِنْ قُسِمَ انْقَسَمَ، أَنْ يُسْتَعْمَلَ كَذَلِكَ وَأَنْ، تَجْرِيَ فِيهِ الْمُهَايَأَةُ، فَيَسْتَعْمِلَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَالِكِيهِ بِحَقِّ مِلْكِهِ فِيهِ وَقْتًا مَعْلُومًا حَتَّى يَعْتَدِلَا فِي مَنَافِعِهِ، وَإِنْ كَانَ مُنْطَلِقًا فِيهِ

التَّجْزِئَةُ جُزِّئَ بَيْنَهُمَا، فَجُعِلَ جُزْءٌ مِنْهُ يَفِي بِحَقِّ أَحَدِهِمَا فِي يَدِهِ لِمُدَّةٍ مَا، وَجُعِلَ جُزْءٌ مِنْهُ فِي يَدِ الْآخَرِ مِنْهُمَا تِلْكَ الْمُدَّةَ يَسْتَعْمِلُهُ بِحَقِّ مِلْكِهِ الَّذِي يَمْلِكُهُ فِيمَا هُوَ مِنْهُ , وَهَذَا يُوَافِقُ مَذْهَبَ الَّذِينَ يَقُولُونَ فِي الدَّارِ تَكُونُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَيَطْلُبُ أَحَدُهُمَا سُكْنَى نَصِيبِهِ مِنْهَا وَيَأْبَاهُ الْآخَرُ: إِنَّ الْمُهَايَأَةَ تُسْتَعْمَلُ فِيهَا بَيْنَهُمَا كَمَا ذَكَرْنَا، وَمِمَّنْ يَذْهَبُ إِلَى ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ وَأَصْحَابُهُ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ مُخَالِفُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ يَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَّا بِإِطْلَاقِ صَاحِبِهِ ذَلِكَ لَهُ.
وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ

جارٍ التحميل