شرح مشكل الآثارصفحات 191-217

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَهْيِهِ مُرِيدَ الصَّلَاةِ عَنْ تَشْبِيكِ أَصَابِعِهِ فِي طَرِيقِهِ إِلَيْهَا

صفحات 191-217
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطحاوي
الكتاب
شرح مشكل الآثار
المؤلف
أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
الناشر
مؤسسة الرسالة
الطبعة
الأولى - 1415 هـ، 1494 م
عدد الأجزاء
16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

5564 - حَدَّثَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ يَعْنِي ابْنَ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي ثُمَامَةَ قَالَ: لَقِيتُ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ، وَأَنَا أُرِيدُ الْجُمُعَةَ، وَقَدْ شَبَّكْتُ بَيْنَ أَصَابِعِي، فَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِي، وَقَالَ: " إِنَّا نُهِينَا أَنْ يُشَبِّكَ أَحَدُنَا بَيْنَ أَصَابِعِهِ فِي الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ: إِنِّي لَسْتُ فِي صَلَاةٍ، فَقَالَ: أَلَسْتَ قَدْ تَوَضَّأْتَ، وَأَنْتَ تُرِيدُ الْجُمُعَةَ؟ قُلْتُ: بَلَى قَالَ: فَأَنْتَ فِي صَلَاةٍ "

5565 - وَحَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ، حَدَّثَنَا

عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي ثُمَامَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ جَاءَ مِنْ جِهَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ بِمَا لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ فِيهِ، وَقَدْ جَاءَ مِنْ جِهَةِ ابْنِهِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، فَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي إِسْنَادِهِ، فَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ

5566 - كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرُّذِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا يَتَطَهَّرُ رَجُلٌ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ يُرِيدُ الصَّلَاةَ إِلَّا كَانَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يَقْضِيَ الصَّلَاةَ، فَلَا يُخَالِفْ أَحَدٌ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ فِي الصَّلَاةِ "

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْمَقْبُرِيُّ هَذَا الَّذِي رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ سَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْ أَبِيهِ شَيْئًا، وَمِنْهُمُ: ابْنُ عَجْلَانَ

5567 - كَمَا حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَا يُشَبِّكْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ "

5568 - وَكَمَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بَعْضُ آلِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ، كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَتَوَضَّأْ "

وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، فَذَكَرَهُ عَنْ أَبِي ثُمَامَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِيهِ أَحَدًا

5569 - كَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي ثُمَامَةَ الْحَنَّاطِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو ثُمَامَةَ: لَقِيَنِي كَعْبٌ، وَأَنَا بِالْبَلَاطِ، وَقَدْ شَبَّكْتُ بَيْنَ أَصَابِعِي، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟، فَقُلْتُ: أُرِيدُ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَخَرَجَ يُرِيدُ الْمَسْجِدَ، فَهُوَ فِي صَلَاةٍ مَا لَمْ يُشَبِّكْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ " وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَيْضًا بِالْكُوفَةِ

5570 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ،

إِذَا تَوَضَّأْتَ فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجْتَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا تُشَبِّكْ بَيْنَ أَصَابِعِكَ، فَإِنَّكَ فِي صَلَاةٍ " وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ كَعْبٍ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ، فَوَجَدْنَا فِيهِ نَهْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلَ أَنْ يُشَبِّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فِي طَرِيقِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ جَعَلَ مُرِيدَ الصَّلَاةِ فِي حُكْمِ مَنْ هُوَ فِي الصَّلَاةِ , إِلَّا مَا أَبَاحَ اللهُ لَهُ مِنَ الْمَنْطِقِ فِي ذَلِكَ، وَمِنَ الْمَشْيِ إِلَيْهِ، وَبَيَّنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا، وَأَنَّهُ يُرَادُ مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فِي طَرِيقِهِ إِلَيْهَا ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَأَنْ يَكُونَ عَلَى هِينَتِهِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا تَجَاوَزٌ لِذَلِكَ إِلَى السَّعْيِ، إِذْ كَانَ السَّعْيُ يُطْلَبُ مِنْهُ مَعْنًى لَيْسَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي الْمَشْيِ عَلَى الْهِينَةِ

5571 - وَهُوَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَنَّ مَالِكًا،

حَدَّثَهُ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، وَإِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ، وَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَائْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ ".

5572 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، وَإِسْحَاقَ أَبِي عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هَكَذَا حَدَّثَ ابْنُ وَهْبٍ، وَالشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، عَنْ مَالِكٍ، وَأَمَّا الْقَعْنَبِيُّ، فَحَدَّثَ بِهِ عَنْ مَالِكٍ

5573 - كَمَا حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا

مَالِكٌ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ "، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا ". وَلَمْ يَذْكُرْ فِي إِسْنَادِهِ إِسْحَاقَ أَبَا عَبْدِ اللهِ.
فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَمْرُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ أَنْ يَكُونُوا فِي إِتْيَانِهِمُ الصَّلَاةَ عَلَى مَا يَكُونُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْهِينَةِ الَّتِي يَأْتُونَهَا عَلَيْهِ، وَالَّتِي يَكُونُونَ عَلَيْهَا فِيهَا، فَمِثْلُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ عَنْهُ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّشْبِيكِ بَيْنَ الْأَصَابِعِ - فِي حَالِ إِرَادَةِ الصَّلَاةِ - هُوَ كَالنَّهْيِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ لِمَنْ قَدْ دَخَلَ فِيهَا، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: " الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إِلَّا أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَحَلَّ فِيهِ الْمَنْطِقَ، فَمَنْ نَطَقَ - يَعْنِي فِيهِ - فَلَا يَنْطِقْ إِلَّا بِخَيْرٍ "

5574 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، وَحَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا: حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إِلَّا أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَحَلَّ لَكُمُ الْمَنْطِقَ، فَمَنْ نَطَقَ، فَلَا يَنْطِقْ إِلَّا بِخَيْرٍ "

وَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطَّائِفَ بِالْبَيْتِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ طَوَافِهِ بِهِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا الْمُصَلِّي فِي

صَلَاتِهِ مِنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَمِنَ الطَّهَارَةِ، وَمِمَّا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا يُؤْمَرُ بِهِ الْمُصَلِّي فِي صَلَاتِهِ، وَأَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا إِلَى مَا أُبِيحَ لَهُ مِمَّا يَكُونُ بِهِ طَائِفًا ذَلِكَ الطَّوَافَ، مِمَّا يُمْنَعُ مِنْ مِثْلِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ يَشُدُّ الْمَعْنَى الَّذِي تَأَوَّلْنَا عَلَيْهِ الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مُرَادِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ لِأَبِي بَكْرَةَ لَمَّا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ: " زَادَكَ اللهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ "

5575 - حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَنَّ زِيَاد الْأَعْلَمَ، أَخْبَرَهُمْ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاكِعًا، وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسُ، فَرَكَعْتُ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَيْتُ إِلَى الصَّفِّ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ قَالَ: " أَيُّكُمُ الَّذِي رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ؟ " قَالَ أَبُو بَكْرَةَ: قُلْتُ: أَنَا قَالَ: " زَادَكَ اللهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ "

5576 - وَحَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَكَمِ الْحِبَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.
فَتَأَمَّلْنَا قَوْلَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرَةَ: " لَا تَعُدْ "، فَوَجَدْنَا بَعْضَ النَّاسِ قَدْ حَمَلَهُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إِلَى السَّعْيِ إِلَى الصَّلَاةِ الَّذِي كَانَ مِنْهُ حَتَّى حَفَزَهُ النَّفَسُ , وَوَجَدْنَا بَعْضَهُمْ قَدْ حَمَلَهُ عَلَى نَهْيِهِ إِيَّاهُ أَنْ يَرْكَعَ دُونَ الصَّفِّ حَتَّى يَأْخُذَ مَقَامَهُ مِنَ الصَّفِّ، وَوَجَدْنَا مِمَّا قَدْ رَوَى هَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ

5577 - مِمَّا قَدْ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ، فَلَا يَرْكَعْ دُونَ الصَّفِّ حَتَّى يَأْخُذَ مَكَانَهُ مِنَ الصَّفِّ "

وَكَانَ الْمَعْنَيَانِ جَمِيعًا مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَرَادَهُمَا جَمِيعًا بِقَوْلِهِ لِأَبِي بَكْرَةَ: " وَلَا تَعُدْ ". وَاللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي ذَلِكَ.
فَقَالَ قَائِلٌ: أَفَتَكْرَهُونَ الرُّكُوعَ دُونَ الصَّفِّ؟ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ؟ وَذَكَرَ

مَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: " رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّاسُ رُكُوعٌ , حَتَّى إِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَصِلَ الصَّفَّ وَهُوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ، ثُمَّ دَبَّ وَهُوَ رَاكِعٌ حَتَّى وَصَلَ الصَّفَّ " , وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي

ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ

وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ خَارِجَةَ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ يَرْكَعُ عَلَى عَتَبَةِ الْمَسْجِدِ , وَوَجْهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَمْشِي مُعْتَرِضًا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ يَعْتَدُّ بِهَا إِنْ وَصَلَ إِلَى الصَّفِّ أَوْ لَمْ يَصِلْ " قُلْنَا لَهُ: نَحْنُ نَكْرَهُ الرُّكُوعَ دُونَ الصَّفِّ لِلْوَاحِدِ، وَلَا نَكْرَهُهُ لِلْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ يَكُونُ بِذَلِكَ كَالْمُصَلِّي وَحْدَهُ فِي صَفٍّ، وَذَلِكَ مِمَّا قَدْ قِيلَ فِيهِ مَا قِيلَ , مِنْ فَسَادِ الصَّلَاةِ مَعَهُ , وَمِنْ جَوَازِهَا عَلَى الْكَرَاهَةِ لِذَلِكَ , وَهَكَذَا كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَكَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رُكُوعُهُ دُونَ الصَّفِّ أَيْضًا مَعَ غَيْرِهِ

كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عِيسَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ، فَأَدْرَكَنَا الْإِمَامَ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعْنَا، ثُمَّ مَشَيْنَا حَتَّى اسْتَوَيْنَا فِي الصَّفِّ، فَلَمَّا قَضَى الْإِمَامُ الصَّلَاةَ، قُمْتُ لِأَقْضِيَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: " قَدْ أَدْرَكْتَ الصَّلَاةَ "

وَكَمَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ سَلْمَانَ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ، عَنْ طَارِقٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ جُلُوسًا، فَجَاءَ آذِنُهُ، فَقَالَ: " قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ , فَقَامَ وَقُمْنَا، وَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ، فَرَأَى النَّاسَ رُكُوعًا فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، فَكَبَّرَ وَرَكَعَ وَمَشَى، وَفَعَلْنَا مِثْلَمَا فَعَلَ " فَكَانَ الَّذِي فِيمَا رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللهِ: أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا جَمَاعَةً، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي فِعْلِهِ مَا قَدْ فَعَلَ مِمَّا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ فِي

هَذَا الْبَابِ قَدْ كَانَ مَعَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُرِيدُ مَا يُرِيدُ، وَكَانُوا بِذَلِكَ جَمَاعَةً، وَاللهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ كَانَ فِي ذَلِكَ.
غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ مَا كَانَ مِنْهُ عَلَى خِلَافِ مَا يُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ دُونَ الصَّفِّ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ مِنْ تَأْوِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرَةَ، لِمَا كَانَ مِنْهُ مَا قَدْ رَوَيْنَا عَنْهُ فِي حَدِيثِهِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَدْفَعُ مَا رَوَاهُ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَنْ تُنُحْنِحَ لَهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَانْتَظَرَ الْمُتَنَحْنِحَ لَهُ رَوَى بَعْضُ النَّاسِ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْخُوَارِزْمِيِّ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَتْ صَلَاتُهُ فَاسِدَةً، وَأَخْشَى عَلَيْهِ.

وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَمِلَ بَعْضَ صَلَاتِهِ لِغَيْرِ اللهِ، فَيَكُونَ بِذَلِكَ كَافِرًا.

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ بِهَذَا الْقَوْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْخُوَارِزْمِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَمْ يُسْمَعْ بِهَذَا الْقَوْلِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ بْنِ ثَابِتٍ رَحِمَهُ اللهُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ وَجَدْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدْفَعُ هَذَا الْقَوْلَ

5578 - كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ صَوْتَ صَبِيٍّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَخَفَّفَ " فَفِي هَذَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَفَّفَ فِي صَلَاتِهِ مِنْ أَجْلِ بُكَاءِ الصَّبِيِّ الَّذِي سَمِعَهُ، وَهُوَ فِيهَا.
فَقَالَ قَائِلٌ: لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَجِبُ لَكَ بِهِ عَلَى مَنْ رَوَى الرِّوَايَةَ الَّتِي ذَكَرْتَهَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّمَا

هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ ظَنًّا بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ تَخْفِيفَهُ كَانَ مِنْ أَجْلِهِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ

5579 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُكَاءَ صَبِيٍّ وَهُوَ فِي صَلَاةٍ، فَظَنَنَّا أَنَّهُ خَفَّفَ رَحْمَةً لِبُكَاءِ الصَّبِيِّ، إِذْ عَلِمَ أَنَّ أُمَّهُ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ "

فَنَظَرْنَا: هَلْ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ مَا يُحَقِّقُ حُكْمَ الْوَاجِبِ فِي هَذَا الْفِعْلِ فِي الصَّلَاةِ، مَا هُوَ؟

5580 - فَوَجَدْنَا إِبْرَاهِيمَ بْنَ مَرْزُوقٍ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ، يُحَدِّثُ , عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعِشَاءِ، وَهُوَ حَامِلٌ أَحَدَ ابْنَيْهِ الْحَسَنَ أَوِ الْحُسَيْنَ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَضَعَ الْغُلَامَ عِنْدَ قَدَمِهِ الْيُمْنَى، فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا، فَقَالَ أَبِي: فَرَفَعْتُ رَأْسِي مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدٌ، وَإِذَا الْغُلَامُ رَاكِبٌ عَلَى ظَهْرِهِ، فَعُدْتُ فَسَجَدْتُ، فَلَمَّا صَلَّى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا، أَشَيْءٌ أُمِرْتَ بِهِ، أَمْ كَانَ يُوحَى إِلَيْكَ؟ قَالَ: " كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعْجِلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ مِنِّي حَاجَتَهُ "

فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ انْتِظَارُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُفْسِدًا لِصَلَاتِهِ، وَلَا مُخْرِجًا لَهُ مِنْهَا، فَدَلَّ ذَلِكَ: أَنَّهُ مَنْ كَانَ مِنْهُ مِثْلُ هَذَا فِي صَلَاتِهِ لِحَاجَةٍ دَعَتْ إِلَيْهِ، أَوْ لِضَرُورَةٍ حَلَّتْ بِهِ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِصَلَاتِهِ، وَلَا مَكْرُوهٍ مِنْهُ فِيهَا، وَكَيْفَ يَكُونُ مِثْلُ هَذَا مُفْسِدًا لِصَلَاتِهِ، أَوْ مُخْرِجًا لَهُ مِنْ مِثْلِهِ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِطْلَاقُهُ لِلْمُصَلِّي قَتْلَ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ فِي صَلَاتِهِ؟ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللهُ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ تَارِكًا لَهَا، وَلَا خَارِجًا مِنْهَا، فَمِثْلُ ذَلِكَ مَنِ انْتَظَرَ غَيْرَهُ لِيَدْخُلَ فِيهَا , وَلِيُدْرِكَ مِنْ فَضْلِهَا مَا قَدْ طَلَبَهُ مِنْ إِتْيَانِهَا لَا يَكُونُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ مُفْسِدًا لَهَا، وَلَا خَارِجًا مِنْ مِلَّتِهِ بِفِعْلِهِ مَا قَدْ فَعَلَهُ فِيهَا مِنْهُ.
وَالَّذِي عِنْدَنَا مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذَا الْبَابِ مِمَّا تَعَلَّمْنَاهُ مَنْ جَالَسْنَاهُ مِمَّنْ يَقُولُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ هَذَا الْفِعْلَ فِي انْتِظَارِ الْمُتَنَحْنِحِ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ مِمَّنْ قَدْ سَبَقَهُ إِلَى الصَّلَاةِ أَوْلَى بِأَنْ يَفْعَلُ مَعَهُ مَا يَتَّبِعُ فِيهِ إِمَامَهُ، وَأَنْ يَكُونَ بِذَلِكَ أَوْلَى مِمَّنْ قَصَّرَ عَنْ إِتْيَانِهَا، وَأَبْطَأَ فِيهِ، وَهَذَا أَيْضًا، فَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهُوَ أَيْضًا مَعْنَى الشَّافِعِيِّ فِيهِ، أَوْ مَرْوِيٌّ عَنْهُ فِيهِ.

وَاسْتِعْمَالُ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ وَجْهُهُ عِنْدَنَا - وَاللهُ أَعْلَمُ - عَلَى مَا لَا زِيَادَةَ فِيهِ مِنَ الْمُتَنَحْنَحِ لَهُ يَضُرُّ مَنْ خَلْفَهُ فِي صَلَاتِهِ الَّتِي قَدْ سَبَقَ إِلَيْهَا , وَيُحْرِمُ بِهَا، وَنَقُولُ: لَا بَأْسَ بِفِعْلِ ذَلِكَ إِذَا كَانَ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمُصَلِّينَ مَعَهُ، وَلَا يَكُونُ بِمَا يَفْعَلُهُ مِنْ ذَلِكَ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مُتَشَاغِلٍ بِخِلَافِ صَلَاتِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِفِعْلِهِ فِي تَشَاغُلِهِ بِصَلَاتِهِ، وَفِي إِصْلَاحِهِ إِيَّاهَا لِغَيْرِهِ، كَمَا يَكُونُ فِي إِصْلَاحِهِ إِيَّاهَا لِنَفْسِهِ مِنَ التَّقَدُّمِ مِنْ صَفٍّ إِلَى صَفٍّ لِسَدِّ الْخَلَلِ الَّذِي فِيهِ وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ

كَمَا حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ أَنْبَأَنِي قَالَ: سَمِعْتُ خَيْثَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: " صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ، فَرَأَى فِي الصَّفِّ خَلَلًا، فَجَعَلَ يَغْمِزُنِي أَنْ أَتَقَدَّمَ، وَجَعَلْتُ إِنَّمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَتَقَدَّمَ الضِّيقُ بِمَكَانِي إِذَا جُلِسَ أَنْ أُبْعَدَ مِنْهُ، فَلَمَّا أَنْ رَأَى ذَلِكَ تَقَدَّمَ هُوَ " وَهَذَا لَيْسَ مِنَ الصَّلَاةِ الَّتِي يَكُونُ النَّاسُ فِيهَا عَلَيْهِ، فَإِنَّمَا يَكُونُونَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ لِإِصْلَاحِهَا، وَلِإِقَامَةِ سُنَّتِهَا، إِذْ كَانَ مِنْ سُنَّتِهَا

جارٍ التحميل