شرح مشكل الآثاربَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَفْعِهِ الْقِصَاصَ عَنِ الْعَبْدِ الَّذِي قَطَعَ أُذُنَ عَبْدٍ لِغَيْرِ مَوَالِيهِ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَفْعِهِ الْقِصَاصَ عَنِ الْعَبْدِ الَّذِي قَطَعَ أُذُنَ عَبْدٍ لِغَيْرِ مَوَالِيهِ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطحاوي
الكتاب
شرح مشكل الآثار
المؤلف
أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
الناشر
مؤسسة الرسالة
الطبعة
الأولى - 1415 هـ، 1494 م
عدد الأجزاء
16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

5887 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ مُوسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْجَوَّازُ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، أَنَّ عَبْدًا لِقَوْمٍ أَغْنِيَاءَ قَطَعَ أُذُنَ عَبْدٍ لِقَوْمٍ فُقَرَاءَ فَلَمْ يَجْعَلْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا قِصَاصًا "

5888 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ عَبْدًا لِقَوْمٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ عَبْدٍ لِقَوْمٍ أَغْنِيَاءَ "

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَوْضِعٌ مِنَ الْفِقْهِ يَجِبُ أَنْ يُوقَفَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ مِنْ جِنَايَاتِ الْعَبِيدِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ.
فَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ تَقُولُ: لَا قَوَدَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ، مِنْهُمْ: أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَمِنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْقِصَاصَ بَيْنَهُمْ فِي الْأَنْفُسِ.
وَطَائِفَةٌ تُوجِبُ الْقَوَدَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ كَمَا تُوجِبُهُ بَيْنَ الْأَحْرَارِ فِيهِ.
وَيَحْتَجُّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَهْلِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الَّذِي قَدْ رُوِّينَاهُ، وَيَحْتَجُّونَ لِقَوْلِهِمْ بِإِيجَابِ الْقِصَاصِ بَيْنَهُمْ فِي الْأَنْفُسِ كَمَا يُوجِبُهُ بَيْنَ الْأَحْرَارِ فِيهَا

5889 - بِمَا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَالْأَشْتَرُ، إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقُلْنَا: هَلْ عَهِدَ إِلَيْكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا مَا فِي كِتَابِهِ هَذَا، فَأَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ، فَإِذَا فِيهِ: " الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ، وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ "

فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِخْبَارُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَكَافُؤِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِخْبَارُهُ أَنَّهُ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَهُوَ الْعَبْدُ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ دِمَاءَ الْعَبِيدِ تُكَافِئُ دِمَاءَ الْأَحْرَارِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ , وَفِي ذَلِكَ وُجُوبَ الْقَوَدِ بَيْنَ الْعَبِيدِ وَالْأَحْرَارِ، فَفِيمَا بَيْنَهُمْ أَوْجَبُ.
وَكَانَ تَصْحِيحُ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ الَّذِي ذَكَرْنَا أَوْلَى بِأَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا يَحْمِلُونَ أَحَادِيثَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَصْحِيحِهَا، وَيَكُونُ مَا يُوجِبُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ

مِنْهُمْ بَعْضًا بِبَعْضٍ، فَوَجَبَ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ ذَهَبَ فِي الْعَبِيدِ إِلَى الْقِصَاصِ بَيْنَهُمْ فِي الْأَنْفُسِ، وَإِلَى تَرْكِهِ بَيْنَهُمْ فِيمَا دُونَهَا، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَنَا وَاللهُ أَعْلَمُ عَلَى أَنَّ الْأَنْفُسِ لَمْ يَرِدْ فِيهَا الرُّجُوعُ إِلَى الْقِيَمِ، وَجُعِلَتْ مُكَافِئَةً بَعْضُهَا لِبَعْضٍ، وَعَلَى أَنَّ مَا دُونَ الْأَنْفُسِ رُدَّ إِلَى الْمُسَاوَاةِ، وَإِلَى تَكَافُؤِ الْقِيَمِ فِيهِ مِنْ ذَوِي الْقِيَمِ وَهُوَ الْعَبِيدُ، فَكَانَتِ الْقِيَمُ غَيْرَ مُدْرَكٍ حَقَائِقُهَا، بَلْ إِلَى مَا يُرْجَعُ مِنْهَا إِلَى الْحَزْرِ وَالظَّنِّ الَّذِي لَا حَقِيقَةَ مَعَهُ، وَالَّذِي قَدْ يَقَعُ فِيهِ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْمُقَوِّمِينَ لَهُ، فَيُقَوِّمُهُ بَعْضُهُمْ بِشَيْءٍ، وَيُقَوِّمُهُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ بِخِلَافِهِ.
وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ رُفِعَ الْقِصَاصُ بَيْنَ الْعَبِيدِ فِيمَا دُونَ الْأَنْفُسِ، فَإِذَا ارْتَفَعَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ كَانَ ارْتِفَاعُهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَحْرَارِ أَوْلَى، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا لَا يُرَادُ فِيهِ رُجُوعٌ إِلَى قِيمَةٍ، إِنَّمَا يُرَادُ فِيهِ أَخْذُ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ، تَسْتَوِي فِيهِ أَنْفَسُ الْأَحْرَارِ وَأَنْفُسُ الْعَبِيدِ، فَيَكُونُ الْقِصَاصُ فِي ذَلِكَ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.
فَقَالَ قَائِلٌ: وَجَدْتُمْ هَذَا الْقَوْلَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ هُوَ أَعْلَى مِمَّنْ ذَكَرْتُمْ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ؟ قِيلَ لَهُ: قَدْ وَجَدْنَا ذَلِكَ عَمَّنْ تَقَدَّمَهُمْ وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ

كَمَا حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُرِّ، عَنِ الْحَكَمِ: " أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُقَادُ مِنَ الْعَبْدِ فِي الْجِرَاحِ الْعَمْدِ، وَلَا فِي الْخَطَأِ، فَعَقْلُ الْمَجْرُوحِ عَلَى قَدْرِ ثَمَنِهِ عَلَى أَهْلِ الْجَارِحِ، حَتَّى يُخَيَّرَ مَوْلَى الْجَارِحِ، فَإِنْ شَاءَ فَدَى عَبْدَهُ، وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَهُ بِرُمَّتِهِ " فَذَكَرَ ذَلِكَ الْحَكَمُ عَنْ

إِبْرَاهِيمَ، وَالشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَهُ مَالًا، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ مَذْهَبَ عَبْدِ اللهِ كَانَ أَنَّ مَا دُونَ النَّفْسِ مِنَ الْعَبِيدِ يُرَدُّ إِلَى الْمَالِ الَّذِي يُرَادُ فِيهِ التَّكَافُؤُ فِي الْقِيَمِ، وَأَنَّهُمْ فِي الْأَنْفُسِ كَمَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْأَحْرَارِ، وَلَا يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إِلَى قِيمَةٍ، وَلَا إِلَى مَا سِوَاهَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِبْرَاهِيمُ وَالشَّعْبِيُّ لَمْ يَلْقَيَا عَبْدَ اللهِ؟ كَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَدْ رُوِّينَا عَنْهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا أَنَّهُ قَالَ لِلْأَعْمَشِ لَمَّا قَالَ لَهُ: إِذَا حَدَّثْتَنِي فَأَسْنِدْ، فَقَالَ لَهُ: إِذَا قُلْتُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ، فَلَمْ أَقُلْ ذَلِكَ حَتَّى حَدَّثَنِيهِ جَمَاعَةٌ عَنْهُ، وَإِذَا قُلْتُ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، فَهُوَ الَّذِي حَدَّثَنِي، فَأَخْبَرَ إِبْرَاهِيمُ بِذَلِكَ بِأَنَّ مَا لَا يَذْكُرُ فِيهِ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ اللهِ أَقْوَى مِمَّا يَذْكُرُهُ عَنْ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصِّيَامِ الَّذِي كَانَ أَمَرَ بِهِ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو وَمَا جَعَلَهُ فِي صَوْمِ يَوْمٍ مِنْهُ فِي عَشْرَةِ أَيَّامٍ، وَفِي صَوْمِ يَوْمَيْنِ مِنْهُ تِسْعَةَ أَيَّامٍ، وَفِي صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ

5890 - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ يَحْيَى الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، أَخْبَرَنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ أَخِيهِ مُطَرِّفٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مُرْنِي بِصِيَامٍ.
قَالَ: " صُمْ يَوْمًا وَلَكَ تِسْعَةٌ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً فَزِدْنِي قَالَ: " صُمْ يَوْمَيْنِ وَلَكَ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: " صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَكَ سَبْعَةُ أَيَّامٍ "، فَمَا زَالَ يَحُطُّ بِهِ إِلَى أَنْ قَالَ: " إِنَّ أَفْضَلَ الصَّوْمِ صَوْمُ دَاوُدَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ: صَوْمُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ " فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: فَمَا أَصْعَبَهُ، لَيْتَنِي كُنْتُ قَبِلْتُ مَا أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

5891 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " صُمْ يَوْمًا وَلَكَ عَشْرَةُ أَيَّامٍ " قَالَ: زِدْنِي قَالَ: " صُمْ يَوْمَيْنِ وَلَكَ تِسْعَةُ أَيَّامٍ " قَالَ: زِدْنِي فَإِنَّ بِي قُوَّةً، قَالَ: " صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَكَ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ " قَالَ ثَابِتٌ: فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ مُطَرِّفًا فَقَالَ: مَا أُرَاهُ إِلَّا زَادَ فِي الْعَمَلِ، وَتَنَقَّصَ مِنَ الْأَجْرِ

5892 - وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلِ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو فِي صَوْمِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، بِمَعْنَى ثَوَابَ صِيَامِ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ بِالْيَوْمِ الَّذِي زَادَهُ إِيَّاهُ تِسْعَةَ أَيَّامٍ بِمَعْنَى ثَوَابَ صِيَامِ تِسْعَةِ أَيَّامٍ وَبِالْيَوْمِ الَّذِي زَادَهُ إِيَّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ بِمَعْنَى ثَوَابِ صِيَامِ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ.
فَقَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا هَكَذَا، وَمَنْ كَثُرَ عَمَلُهُ أَوْلَى بِالثَّوَابِ مِمَّنْ قَلَّ عَمَلُهُ، لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ تِلْكِ الْأَيَّامِ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَيَسْتَحِقُّ صَائِمُهُ ثَوَابَهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ ثَوَابُهُ فِي صَوْمِ يَوْمَيْنِ دُونَ ثَوَابِهِ فِي صَوْمِ يَوْمٍ، وَيَكُونُ ثَوَابُهُ فِي صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ دُونَ ثَوَابِهِ فِي صِيَامِ يَوْمَيْنِ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو بِصِيَامِهِ لِمَا يَكُونُ فِي صِيَامِهِ مِنَ الْجَزَاءِ، وَهُوَ عَشْرَةُ أَمْثَالِهَا، وَيَكُونُ فِي ذَلِكَ الْقُوَّةُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى

مَا سِوَاهُمَا مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ تَعَالَى مِمَّا بَعْضُهَا أَفْضَلُ مِنَ الصِّيَامِ، كَمَثْلِ مَا رُوِّينَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَصُومُ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي إِذَا صُمْتُ ضَعُفْتُ عَنِ الْقُرْآنِ، هَكَذَا فِي حَدِيثِ غَيْرِهِمْ عَنْهُ: ضَعُفْتُ عَنِ الصَّلَاةِ وَالْقُرْآنِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو بِالصِّيَامِ الَّذِي بِهِ مَعَهَا قُوَّتُهُ الَّتِي يَتَّصِلُ بِهَا إِلَى هَذِهِ الْأَعْمَالِ، وَيَقْوَى بِهَا عَلَيْهَا، فَلَمَّا قَالَ لَهُ: زِدْنِي، زَادَهُ يَوْمًا، يَكُونُ ذَلِكَ الْيَوْمُ مَعَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ صِيَامَ يَوْمَيْنِ، وَيَكُونُ بِذَلِكَ مِنَ الضَّعْفِ أَكْثَرَ مِمَّا يَكُونُ عَلَيْهِ بِصِيَامِ الْوَاحِدِ، فَيُنْقِصُ بِذَلِكَ حَقَّهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي بَعْضُهَا أَفْضَلُ مِنَ الصِّيَامِ، فَرَدَّ ثَوَابَهُ عَلَى الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ يَصُومُهُمَا مَعَ تَقْصِيرِهِ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِلَى دُونَ ثَوَابِهِ فِي صِيَامِهِ الْيَوْمَ الَّذِي مَعَهُ فِي صِيَامِهِ إِيَّاهُ إِدْرَاكُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا رَدَّهُ فِي صِيَامِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ إِلَى مَا رَدَّهُ إِلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ فِي صِيَامِهَا مِمَّا هُوَ أَقَلُّ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى صِيَامِ الْيَوْمَيْنِ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَمَنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ مِنْ جَوَابِ مُطَرِّفٍ لِثَابِتٍ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ لِذَلِكَ الْمَعْنَى

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَوْمِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَوْمًا وَإِفْطَارِهِ يَوْمًا، وَأَنَّهُ أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ

5893 - حَدَّثَنَا يُونُسُ، وَعِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْغَافِقِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو وَهُوَ ابْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ تَعَالَى صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا "

5894 - حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسَ،

5895 - وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَا:

حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ الْفَيَّاضِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عِيَاضٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، يُحَدِّثُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ

5896 - حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ، أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ "

فَقَالَ قَائِلٌ: فَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ صَوْمَ دَاوُدَ كَانَ أَحَبَّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَفِيهِ الزِّيَادَةُ عَلَى الصِّيَامِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ مَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رُوِّينَاهُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ صَوْمِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ وَمَنْ سِوَاهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَحْمُولٌ عَنْهُمْ فِي صِيَامِهِمْ مَا لَيْسَ بِمَحْمُولٍ عَمَّنْ سِوَاهُمْ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا رَوَوْا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُوَاصَلَتِهِ الصِّيَامَ بَعْدَ نَهْيِهِ النَّاسَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ، وَبَيَانِهِ لَهُمْ أَنَّهُ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِهِمْ، وَأَنَّهُ يُطْعَمُ وَيُسْقَى، وَلَيْسُوا كَذَلِكَ؟

5897 - كَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ،

5898 - وَكَمَا حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ يُونُسُ: إِنَّ مَالِكًا أَخْبَرَهُ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، ثُمَّ اجْتَمَعَا فَقَالَا: عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْوِصَالِ، فَقِيلَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ؟ فَقَالَ: " لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى "

5899 - وَكَمَا حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: وَاصَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَاصَلُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " لَوْ أَنَّ الشَّهْرَ يُمَدُّ لِي لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ، إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَيَسْقِينِي "

أَوَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ مَحْمُولًا عَنْهُ فِي صِيَامِهِ مِمَّا لَيْسَ مَحْمُولًا عَمَّنْ سِوَاهُ مِنْ أُمَّتِهِ؟ فَكَانَ يُغْنَى بِذَلِكَ عَنِ الْإِفْطَارِ الَّذِي لَا يُغْنَى غَيْرُهُ مِنْ أُمَّتِهِ عَنْهُ، وَكَانَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يُوَاصِلُ الْوِصَالَ الَّذِي كَانَ يُوَاصِلُهُ مِمَّا هُوَ مُبَاحٌ لَهُ لِلْمَعْنَى الَّذِي مَعَهُ مِمَّا لَيْسَ مَعَ غَيْرِهِ، فَكَانَ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ مَذْمُومًا، وَكَانَ هُوَ صَلَّى الله عَلَيْهِ مَحْمُودًا، فَكَانَ دَاوُدُ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ، فِي صَوْمِهِ كَذَلِكَ، وَكَانَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَمِدَ اللهُ مِنْهُ صَوْمَهُ الَّذِي كَانَ يَصُومُهُ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا، وَيُوجِبُ تَفْضِيلَ قَلِيلِ الصِّيَامِ عَلَى كَثِيرِهِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مَعَ قَلِيلِهِ الْأَسْبَابُ الْمُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ

5900 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ قَادِمٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَلَمْ أُنَبَّأْ أَنَّكَ تَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أَقْوَى، قَالَ: " إِذَا

فَعَلْتَ نَفِهَتْ لَكَ النَّفْسُ، وَهَجَمَتْ لَكَ الْعَيْنُ "، قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أَقْوَى، قَالَ: " صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ". قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أَقْوَى، قَالَ: " صُمْ صَوْمَ أَخِي دَاوُدَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى "

5901 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ، رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَكَانَ شَاعِرًا، وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي الْحَدِيثِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ أَوَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ صِيَامِهِ الصِّيَامُ الْمَذْكُورُ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى لِبَقَاءِ قُوَّتِهِ، وَأَنَّ الصَّوْمَ الَّذِي كَانَ مِنْهُ لَمْ يُخْرِجْهُ عَمَّا كَانَ مِنْهُ مِنَ الْقُوَّةِ عَلَى مِثْلِ هَذَا، وَأَنَّ مَنْ سِوَاهُ فِي ذَلِكَ لَيْسَ كَهُوَ، لِمَا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الضَّعْفِ فِي بَدَنِهِ الَّذِي يَقْطَعُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِيَ حَمِدَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ دَاوُدَ مِنْ ذَلِكَ الصِّيَامِ كَانَ لِذَلِكَ الْمَعْنَى، وَأَنَّ الَّذِي أَحَبَّهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَاخْتِيَارِهِ لَهُ مِنَ الصِّيَامِ هُوَ الَّذِي لَا يَقْطَعُهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ عَلَى

مَا ذَكَرْنَا فِي الْآثَارِ الَّتِي رُوِّينَاهَا عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ وَجَدْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَّلَ بَعْضَ الْمُفْطِرِينَ عَلَى الصَّائِمِينَ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ

5901 م - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَنَزَلْنَا فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، وَأَكْثَرُنَا ظِلَالًا صَاحِبُ الْكِسَاءِ، وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ، فَسَقَطَ الصُّوَّامُ , وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ فَضَرَبُوا الْأَبْنِيَةَ، وَسَقَوَا الرِّكَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ بِالْأَجْرِ الْيَوْمَ " أَلَا تَرَى إِلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ تَفْضِيلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُفْطِرِينَ الَّذِينَ قَوَوْا بِإِفْطَارِهِمْ عَلَى الْأَفْعَالِ الَّتِي فَعَلُوهَا مِمَّا قَوَوْا بِهَا عَلَى مَا هُمْ فِيهِ أَنَّهُمْ قَدْ جَعَلُوا بِذَلِكَ الْعَمَلَ مَعَ إِفْطَارِهِمْ أَفْضَلُ مِنَ الصِّيَامِ الَّذِي عَجَزَ عَنْهُ الصَّائِمُونَ فِي صَوْمِهِمْ.

وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذَا كَشْفُ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ

جارٍ التحميل