شرح مشكل الآثاربَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: " مَنْ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: " مَنْ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطحاوي
الكتاب
شرح مشكل الآثار
المؤلف
أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
الناشر
مؤسسة الرسالة
الطبعة
الأولى - 1415 هـ، 1494 م
عدد الأجزاء
16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

6139 - حَدَّثَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ ظَلَمَ مِنَ الْأَرْضِ شَيْئًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ "

وَقَدْ خُولِفَ سُفْيَانُ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَأَدْخَلَ فِيهِ بَيْنَ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَبَيْنَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ فَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ

6140 - كَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَنْ ظَلَمَ مِنَ الْأَرْضِ شَيْئًا يُطَوَّقُهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ "

وَمِنْهُمْ: صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ

6141 - كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الْكُرَيْزِيُّ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَنْ سَرَقَ مِنَ الْأَرْضِ شَيْئًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ "

6142 - وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ رِجَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدٍ، مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيَّ، قَدْ خَالَفَ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَهْلٍ

6143 - كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَنْ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ اللهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ "

وَقَدْ وَافَقَ سُفْيَانُ فِي تَرْكِهِ إِدْخَالَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو رَاوِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ

6144 - كَمَا حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ، وَحَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ نُفَيْلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " مَنْ ظَلَمَ شَيْئًا مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ "

6145 - وَحَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: نُوزِعْتُ فِي أَرْضٍ، فَقَالَتْ لِي عَائِشَةُ: يَا أَبَا سَلَمَةَ: اجْتَنِبِ الْأَرْضَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " مَنْ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ "

6146 - وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ " فَتَأَمَّلْنَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ "، فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَكُونُ فِي ظُلْمِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، إِنْ خَفِيَ لُطْفُ اللهِ، فَيَجْعَلُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهُ مِمَّا يَجْعَلُ لَهُ رُوحًا، ثُمَّ يُطَوِّقَهُ ذَلِكَ الظَّالِمَ، فَيَكُونُ عَذَابًا لَهُ، كَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَفْعَلُ

يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ مَنْعَ زَكَاتَهُ فِي الدُّنْيَا.

6147 - كَمَا حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَعْيَنَ، سَمِعَا أَبَا وَائِلٍ، يُخْبِرُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " مَا مِنْ رَجُلٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ، إِلَّا جُعِلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَفِرُّ مِنْهُ، وَيَتْبَعُهُ، حَتَّى يُطَوِّقَ بِهِ عُنُقَهُ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 180] "

فَيُحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِلُطْفِهِ يُعِيدُ مَا ظَلَمَ مِنَ الْأَرْضِ فِي الْآخِرَةِ إِلَى مِثْلِ مَا يُعِيدُ إِلَيْهِ الْمَالَ الْمَمْنُوعَ زَكَاتُهُ مِنْهَا، حَتَّى يُطَوِّقَ ذَلِكَ مَنْ ظَلَمَهُ فِي الدُّنْيَا.

بَابُ بَيَانِ مُشْكَلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُقُوبَةِ مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ فِي الدُّنْيَا، كَيْفَ هِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ مِمَّا يُخَالِفُ مَا فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ

6148 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا عَارِمٌ أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ يُخْسَفُ بِهِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ "

6149 - وَحَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي ثَابِتٍ، أَيْمَنَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ مُرَّةَ الثَّقَفِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " مَنْ

ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ جَاءَ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "

6150 - وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْفُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو ثَابِتٍ، قَالَ:

سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ مُرَّةَ الثَّقَفِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِغَيْرِ حَقِّهَا، كُلِّفَ أَنْ يَحْمِلَ تُرَابَهَا إِلَى الْمَحْشَرِ "

6151 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْعَطَّارُ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ مُرَّةَ الثَّقَفِيَّ، يَذْكُرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ فَقَالَ قَائِلٌ: فَيَكُونُ هَذَا الَّذِي رُوِّيتَهُ فِي هَذَا الْبَابِ مُضَادًّا لَمَّا رُوِّيتَهُ

فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ الَّذِي قَبْلَهُ.
فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ: إِنَّهُ لَا تَضَادَّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ هَذِهِ عُقُوبَاتُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لِمَنْ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ عَلَى مَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ.

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الرَّهْنِ: " الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا "

6152 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا " وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنِ الْمَقْصُودُ إِلَيْهِ بِرُكُوبِ الظَّهْرِ، وَمَنْ يَشْرَبُ اللَّبَنَ، الْمَذْكُورَيْنِ فِيهِ، وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى أَنَّهُ " الرَّاهِنُ "، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ.

فَأَمَّا مَنْ سِوَاهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَحَمَلَهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
فَنَظَرْنَا هَلْ رُوِيَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ تِبْيَانُهُ مَنْ هُوَ؟

6153 - فَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ دَاوُدَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ الصَّائِغُ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ذَكَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " إِذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً، فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ عَلَفُهَا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ، وَعَلَى الَّذِي يَشْرَبُ نَفَقَتُهَا، وَيَرْكَبُ "

فَبَيَّنَ هَذَا الْحَدِيثُ الْمَقْصُودَ بِرُكُوبِ الظَّهْرِ، وَشُرْبِ لَبَنِ الدَّرِّ، وَأَنَّهُ الْمُرْتَهِنُ دُونَ الرَّاهِنِ، وَهَذَا عِنْدَنَا - وَاللهُ أَعْلَمُ - إِذْ كَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ

جَمِيعًا عَلَى خِلَافِهِ مَعَ عَدْلِ رُوَاتِهِ مَنْسُوخٌ، لِأَنَّهُمْ مَأْمُونُونَ عَلَى مَا عَمِلُوا، كَمَا كَانُوا مَأْمُونِينَ عَلَى مَا رَوَوْا، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَسَقَطَ عَدْلُهُمْ، وَإِذَا سَقَطَ عَدْلُهُمْ، سَقَطَتْ رِوَايَتُهُمْ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَعَلَى أَنَّ النَّسْخَ قَدْ طَرَأَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ

أَنَّ فَهْدًا قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: " لَا يُنْتَفَعُ مِنَ الرَّهْنِ بشَيْءٍ "

فَهَذَا الشَّعْبِيُّ، وَعَلَيْهِ دَارَ هَذَا الْحَدِيثُ، قَدْ قَالَ مَا رُوِّينَاهُ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ إِلَّا وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُ نَسْخُ مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَلَمَّا كَانَ اللهُ تَعَالَى قَدْ وَصَفَ الرَّهْنَ فِي كِتَابِهِ بِمَا وَصَفَهُ فِيهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] دَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقْبُوضَ مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ يَدُ مُرْتَهِنِهِ، وَانْتَفَتْ عَنْهُ يَدٌ رَاهِنَةٌ، وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ.
وَمِمَّنْ كَانَ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا ذَكَرْنَا أَنْ لَا يَجْعَلَ لِلرَّاهِنِ وَلَا لِلْمُرْتَهِنِ الِانْتِفَاعُ بِالرَّهْنِ فُقَهَاءُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَفُقَهَاءُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.

جارٍ التحميل