شرح مشكل الآثاربَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: " لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ "

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: " لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ "

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطحاوي
الكتاب
شرح مشكل الآثار
المؤلف
أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
الناشر
مؤسسة الرسالة
الطبعة
الأولى - 1415 هـ، 1494 م
عدد الأجزاء
16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

1236 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً , وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ فَإِمَّا إِلَى سُنَّةٍ وَإِمَّا إِلَى بِدْعَةٍ , فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى , وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ "

1237 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّةٍ فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ

فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ "

1238 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ، قَالَ: ذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْلَاةٌ لِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تُصَلِّي وَلَا تَنَامُ، وَتَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ , فَقَالَ: " أَنَا أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَلِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّةٍ فَقَدِ اهْتَدَى وَمَنْ تَكُنْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ ضَلَّ "

1239 - حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَيَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْلَاةٌ لِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ.

1240 - حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: ثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ، قَالَ: ثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ النَّحْوِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَيَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّ مَوْلَاةً لِمَوَالِي بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ وَزَادَ: " وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي "

1241 - أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، عَنْ مُسْلِمٍ الْأَعْوَرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، ثُمَّ تَكُونُ شِرَّتُهُ إِلَى فَتْرَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ هُدِيَ , وَمَنْ

كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ ضَلَّ، إِنِّي لَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي "

1242 - حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً وَإِنَّ لِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً , فَإِنْ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَرَّبَ فَارْجُوهُ , وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ فَلَا تَعُدُّوهُ "

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَطَلَبْنَا مَعْنَى هَذِهِ الشِّرَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْآثَارِ مَا هُوَ

فَوَجَدْنَا بَكَّارَ بْنَ قُتَيْبَةَ قَدْ حَدَّثَنَا، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: " ذُكِرَ الِاجْتِهَادُ، فَقِيلَ: تِلْكَ حِدَّةُ الْإِسْلَامِ وَشِرَّتُهُ , وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّةٍ فَقَدْ هُدِيَ , وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى بِدْعَةٍ أَوْ ضَلَالَةٍ فَقَدْ ضَلَّ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا هِيَ الْحِدَّةُ فِي الْأُمُورِ الَّتِي يُرِيدُهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فِي أَعْمَالِهِمُ الَّتِي يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ , وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبَّ مِنْهُمْ فِيهَا مَا دُونَ الْحِدَّةِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُمْ مِنَ التَّقْصِيرِ عَنْهَا وَالْخُرُوجِ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا , وَأَمَرَهُمْ بِالتَّمَسُّكِ

مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بِمَا قَدْ يَجُوزُ دَوَامُهُمْ عَلَيْهِ , وَلُزُومُهُمْ إِيَّاهُ حَتَّى يَلْقَوْا رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَشْفِ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَنَّهُ: " أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ " وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ , وَمَا قَدْ رُوِيَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مِمَّا قَدْ تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا فَغَنِينَا بِذَلِكَ عَنْ إعَادَتِهِ , وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: " الْمُسْلِمُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ "

1243 - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ أَبِي خَلِيفَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الْأَزْدِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: ثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، قَالَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، قَالَ: ثَنَا قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَالْأَشْتَرُ، إِلَى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقُلْنَا: هَلْ عَهِدَ إلَيْكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً؟ قَالَ: لَا إِلَّا مَا كَانَ فِي كِتَابِي هَذَا , فَأَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ فَإِذَا فِيهِ: " الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ , وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَى نَفْسِهِ , وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ "

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَتَأَمَّلْنَا قَوْلَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ فَوَجَدْنَا أَهْلَ الْعِلْمِ جَمِيعًا لَا يَخْتَلِفُونَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَى التَّسَاوِي فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ , وَأَنَّ ذَلِكَ يَنْفِي أَنْ يَكُونَ لِشَرِيفٍ عَلَى

وَضِيعٍ فَضْلٌ فِي ذَلِكَ , وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ رَدًّا عَلَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي تَرْكِهِمْ قَتْلَ الشَّرِيفِ بِقَتْلِهِ الْوَضِيعَ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ عَقَلْنَا بِهِ أَنَّ النِّسَاءَ فِي جَرْيِ ذَلِكَ كَالرَّجُلِ , وَأَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ كَمَا تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ، ثُمَّ تَأَمَّلْنَا قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ " فَوَجَدْنَا الذِّمَّةَ الْمُرَادَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ نَفْيَ الْأَمَانِ , وَأَنَّهُ إِذَا أَعْطَى الرَّجُلُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْعَدُوَّ أَمَانًا جَازَ ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَخْفِرُوهُ.
وَمِثْلُ هَذَا مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمَانِ زَيْنَبَ ابْنَتِهِ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ الَّذِي كَانَ زَوْجَهَا

1244 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ الْغِفَارِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ قُدِمَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسِيرًا، فَبَعَثَ إِلَى زَوْجَتِهِ أَنْ خُذِي لِي جِوَارًا مِنْ أَبِيكِ , فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ أَخْرَجَتْ زَيْنَبُ وَجْهَهَا وَقَالَتْ: أَنَا زَيْنَبُ ابْنَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنِّي قَدْ أَمَّنْتُ أَبَا الْعَاصِ فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: " هَذَا أَمْرٌ مَا عَلِمْتُ بِهِ حَتَّى الْآنَ، وَإِنَّهُ يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ "

1245 - وَكَمَا حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَصَالِح يَعْنِي ابْنَ كَيْسَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ زَيْنَبَ هَاجَرَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ , ثُمَّ لَحِقَ زَوْجُهَا بِالشَّامِ فَأَسَرَ الْمُسْلِمُونَ أَبَا الْعَاصِ، فَقَالَتْ زَيْنَبُ إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ أَبَا الْعَاصِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَدْ أَجَرْنَاهُ " ,

وَقَالَ: " يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَدَلَّ مَا ذَكَرْنَا عَلَى أَنَّ الْجِوَارَ مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ كَالْجِوَارِ مِنْ كُلِّهِمْ , فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَإِنَّهُ يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ " يَكُونُ ذَلِكَ إرَادَةً مِنْهُ أَنَّ أَدْنَاهُمُ الْمَرْأَةُ , وَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ أَدْنَاهُمْ هُوَ الْعَبْدُ , وَيَكُونَ لَمَّا كَانَ أَدْنَاهُمْ وَكَانَ أَمَانُهُ جَائِزًا عَلَيْهِمْ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ الْمُسْلِمَةُ بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْهُ , وَأَنْ يَكُونَ مَا كَانَ مِنْ خِطَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ بِمَا خَاطَبَهُمْ بِهِ مِنْ هَذَا إِعْلَامًا لَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ الْجِوَارَ لَمَّا كَانَ قَدْ يَكُونُ مِنَ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ كَانَ بِأَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ أَحْرَى.

ثُمَّ تَأَمَّلْنَا قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ " فَوَجَدْنَا أَهْلَ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: فَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ تَقُولُ ذَلِكَ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي الْمَعْنَى: لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ، فَيَكُونُ الْكَافِرُ الْمُرَادُ بِذَلِكَ هُوَ الْكَافِرُ غَيْرُ ذِي الْعَهْدِ , وَهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ إِذَا قَتَلَهُ عَمْدًا , وَمِمَّنْ يَقُولُ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ تَقُولُ: الْكَافِرُ الَّذِي لَا يُقْتَلُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ الْكَافِرُ الْمُعَاهَدُ، لَا يُقْتَلُ فِي عَهْدِهِ عَلَى كَلَامٍ مُسْتَقْبَلٍ بَعْدَ: لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ , وَبَعْدَ انْقِطَاعِ مَعْنَاهُ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ , وَتَأَوَّلَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الشَّافِعِيُّ فَلَمْ يَقْتُلِ الْمُؤْمِنَ بِالْكَافِرِ الْمُعَاهَدِ , وَقَدْ كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَنْ لَا يُقْتَلَ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ مُعَاهَدٍ، فَأَمَّا تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ " لَا يُقْتَلَ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ بِعَهْدِهِ " فَإِنَّا لَا نَرْوِي عَنْهُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا وَلَمَّا أَشْكَلَ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْنَا وَوَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ الَّذِي ذَكَرْنَا تَأَمَّلْنَا ذَلِكَ فَوَجَدْنَا قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ " لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فِيهِ , أَوْ عَلَى كَلَامٍ مُسْتَأْنَفٍ بِمَعْنَى: وَلَا يُقْتَلُ ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، فَوَجَدْنَاهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ ذَا الْعَهْدِ جَائِزٌ قَتْلُهُ بِمَنْ يَقْتُلُهُ قَوَدًا بِهِ , فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "

وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ " عَلَى نَفْيِ الْقَتْلِ عَنْهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا وَجَبَ أَنْ يُقْتَلَ عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ مَا كَانَ فِي عَهْدِهِ , وَلَمَا وَجَبَ أَنْ يُقْتَلَ فِي عَهْدِهِ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ.
عَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَنْ لَا يُقْتَلَ فِي عَهْدِهِ إِنَّمَا هُوَ بِأَنْ لَا يُقْتَلَ بِمَعْنًى خَاصٍّ , وَلَا خَاصَّ فِي هَذَا غَيْرُ الْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ ; لِأَنَّهُ انْعَطَفَ عَلَيْهِ فَصَارَ الْمُرَادُ بِأَنْ لَا يُقْتَلَ أَيْ: بِمَا لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُؤْمِنُ الْمَذْكُورُ قَتْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ , وَعَادَ مَعْنَى قَوْلِهِ: " لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ " إِلَى أَنْ لَا يُقْتَلَ مُؤْمِنٌ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ , وَذُو الْعَهْدِ كَافِرٌ فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْكَافِرَ الْمُرَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ الْكَافِرُ غَيْرُ ذِي الْعَهْدِ , وَأَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ بِمَعْنَاهُ، لَوْ قَالَ: لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ، كَمِثْلِ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] بِمَعْنَى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إنِ ارْتَبْتُمْ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ , وَهَذَا قَوْلٌ النَّظَرُ يُوجِبُهُ , وَالْقِيَاسُ يَشُدُّهُ ; لِأَنَّا رَأَيْنَا ذَا الْعَهْدِ حَرُمَ دَمُهُ بِعَهْدِهِ كَمَا حَرُمَ مَالُهُ بِعَهْدِهِ , وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ حَلَالَ الدَّمِ حَلَالَ الْمَالِ , ثُمَّ صَارَ بِالْعَهْدِ حَرَامَ الدَّمِ حَرَامَ الْمَالِ , وَكَانَ مَنْ سَرَقَ مِنْ مَالِهِ مَا يَجِبُ الْقَطْعُ فِي مِثْلِهِ قُطِعَ فِي ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا كَمَا يُقْطَعُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ إِذَا سَرَقَهُ مِنْ مَالِ مُسْلِمٍ فَكَانَتْ حُرْمَةُ الْمَالِ بِالْعَهْدِ كَحُرْمَتِهَا بِالْإِسْلَامِ فِيمَا ذَكَرْنَا سَوَاءً , أَوْ كَانَتِ الْعُقُوبَةُ عَلَى مُنْتَهِكِهَا كَالْعُقُوبَةِ عَلَى مُنْتَهِكِ مِثْلِهَا مِمَّا قَدْ حَرُمَ بِالْإِسْلَامِ.
وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الدِّمَاءِ كَذَلِكَ , وَأَنْ يَكُونَ

الدَّمُ الَّذِي قَدْ حَرُمَ بِالْعَهْدِ كَالدَّمِ الَّذِي قَدْ حَرُمَ بِالْإِسْلَامِ , وَأَنْ تَكُونَ الْعُقُوبَةُ بِانْتِهَاكِهِ لِحُرْمَتِهِ بِالْعَهْدِ كَالْعُقُوبَةِ فِي انْتِهَاكِهِ مِثْلَهُ لِحُرْمَتِهِ بِالْإِسْلَامِ , بَلْ قَدْ رَأَيْنَا حُرْمَةَ الدِّمَاءِ فِي هَذَا فَوْقَ حُرْمَةِ الْأَمْوَالِ ; لِأَنَّا قَدْ رَأَيْنَا الْعَبْدَ يَسْرِقُ مَالَ مَوْلَاهُ فَلَا يُقْطَعُ , وَإِنْ كَانَ قَدْ سَرَقَهُ مِنْ حِرْزٍ، وَرَأَيْنَاهُ يَقْتُلُ مَوْلَاهُ عَمْدًا فَيُقْتَلُ، فَكَانَ الدَّمُ فِيمَا ذَكَرْنَا فِي الْحُرْمَةِ أَغْلَظَ مِنَ الْمَالِ فِيمَا ذَكَرْنَا فِي الْحُرْمَةِ , وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَتِ الْعُقُوبَةُ فِيهِمَا جَمِيعًا فِي غَيْرِ الْأَوْكَدِ سَوَاءً , كَانَتِ الْعُقُوبَةُ فِي الْأَوْكَدِ مِنْهُمَا فِيمَا حَرُمَ بِالْإِسْلَامِ وَفِيمَا حَرُمَ بِالذِّمَّةِ أَحْرَى أَنْ يَكُونَا سَوَاءً أَوْ أَنْ تَكُونَ الْعُقُوبَةُ فِي انْتِهَاكِ الدِّمَاءِ الْمُحَرَّمَةِ بِالْمِلَّةِ وَبِالذِّمَّةِ سَوَاءً كَالْعُقُوبَةِ فِي الْأَمْوَالِ الْمُحَرَّمَةِ بِالْمِلَّةِ وَالذِّمَّةِ الَّتِي قَدْ جُعِلَتْ سَوَاءً.
فَقَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ بِالْكَافِرِ ذِي الْعَهْدِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قِيلَ لَهُ: نَعَمْ قَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ

كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ: " قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا مِنَ الْعِبَادِ، فَذَهَبَ أَخُوهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَكَتَبَ عُمَرُ أَنْ يُقْتَلَ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: اقْتُلْ حُنَيْنُ فَيَقُولُ: حَتَّى يَجِيءَ الْغَيْظُ , قَالَ: فَكَتَبَ أَنْ يُودَى وَلَا يُقْتَلَ "

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا عُمَرُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَدْ أَمَرَ أَنْ يُقْتَلَ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ الْمُعَاهَدِ.
فَقَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ كَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُودَى وَلَا يُقْتَلَ؟ قِيلَ لَهُ: ذَلِكَ عِنْدَنَا وَاللهُ أَعْلَمُ كَانَ مِنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِمَا كَانَ مِنْ أَخِي الْمَقْتُولِ , لَمَّا أُبِيحَ لَهُ قَتْلُ قَاتِلِ أَخِيهِ بِأَخِيهِ , فَكَانَ يَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: حَتَّى يَجِيءَ الْغَيْظُ، فَدَخَلَتْ بِذَلِكَ شُبْهَةٌ مِنْهُ احْتَمَلَتْ أَنْ يَكُونَ مَا كَانَ مِنْهُ بِمَعْنَى الْعَفْوِ عَنْ قَاتِلِ أَخِيهِ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ الْغَيْظُ , فَيَكُونُ ذَلِكَ الْعَفْوُ فِي تِلْكَ الْحَالِ بُطْلَانًا لِحَقِّهِ فِيهَا وَفِيمَا بَعْدَهَا ,

وَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ مِمَّا لَا عَفْوَ فِيهِ فِيهَا وَلَا فِيمَا بَعْدَهَا، فَكَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عِنْدَ تِلْكَ الشُّبْهَةِ بِدَرْءِ الْقَوَدِ وَإِيجَابِ الدِّيَةِ مَكَانَهُ , فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ عِنْدَ دُخُولِ الشُّبَهِ بِدَرْءِ الْقَوَدِ , وَيُوجِبَ الدِّيَاتِ مَكَانَهَا، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ جَوَابًا لِابْنِ عُمَرَ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ أَخْذِهِ الدَّنَانِيرَ بِالدَّرَاهِمِ، وَالدَّرَاهِمَ بِالدَّنَانِيرِ فِي الْبَيْعِ: " إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ صَرْفِ يَوْمِكُمَا وَافْتَرَقْتُمَا , وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ فَلَا بَأْسَ "

1246 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ، يَعْنِي عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي حُجْرَةِ حَفْصَةَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ رُوَيْدَكَ أَسْأَلُكَ إِنِّي أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالنَّقِيعِ فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ , وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ , فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ صَرْفِ يَوْمِكُمَا وَافْتَرَقْتُمَا , وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ فَلَا بَأْسَ "

1247 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ:

حَدَّثَنَا إسْرَائِيلُ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " لَا بَأْسَ إِذَا أَخَذْتَ بِسِعْرِ يَوْمِكَ "

1248 - حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ، ح وَحَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، ح وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْجُدِّيُّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ الرَّبِيعِ اللُّؤْلُؤِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ أَبُو بِشْرٍ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا جَمِيعًا فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ثُمَّ ذَكَرُوا جَمِيعًا مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ جَاءَ بِهِ عَلَى لَفْظِ حَدِيثِ أَبِي أُمَيَّةَ وَجَاءَ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى لَفْظِ حَدِيثِ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ.
فَقَالَ قَائِلٌ: مَا مَعْنَى سِعْرِ الْيَوْمِ الَّذِي يَتَصَارَفَانِ فِيهِ وَقَدْ رَأَيْنَا الْبِيَاعَاتِ تَجُوزُ بَيْنَ النَّاسِ فِي مِثْلِ هَذَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا وَبِأَكْثَرَ مِنْ سِعْرِ يَوْمِهَا , وَبِأَقَلَّ مِنْ سِعْرِ يَوْمِهَا لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ وَفِي جَوَازِهِ وَفِي اسْتِقَامَتِهِ , فَمَا بَالُ سِعْرِ يَوْمِهَا التُمِسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ؟

فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ فِي سُؤَالِهِ إِيَّاهُ عَمَّا سَأَلَهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْوَرَعِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى النَّاسِ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا سَأَلَهُ عَنْهُ , وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ لَوْ جَرَى بِخِلَافِهِ فِيمَا سَأَلَهُ عَنْهُ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ جَوَازِ الْبَيْعِ وَوُجُوبِهِ , وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَتْ لَهُ دَنَانِيرُ عَلَى رَجُلٍ أَوْ كَانَتْ لَهُ دَرَاهِمُ فَجَاءَ يَطْلُبُهَا مِنْهُ , فَبَدَّلَ لَهُ مَكَانَ الدَّنَانِيرِ دَرَاهِمَ أَوْ مَكَانَ الدَّرَاهِمِ دَنَانِيرَ , وَدَعَاهُ إِلَى أَخْذِهَا بِالَّذِي لَهُ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهَا جَازَ أَنْ يَكُونَ يُرِيدُ مِنْهُ أَنْ يَهْضِمَهُ مِمَّا لَهُ عَلَيْهِ بِإِعْطَائِهِ بِهِ غَيْرَهُ، وَتَدْعُو الضَّرُورَةُ صَاحِبَ الدَّيْنِ إِلَى أَخْذِ ذَلِكَ , وَاحْتِمَالِ الضَّيْمِ فِيهِ وَالْهَضِيمَةِ مِنْ دَيْنِهِ، فَعَلَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَ عُمَرَ مَا يَكُونُ إِذَا فَعَلَهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ , وَأَنْ يَكُونَ يَعْتَبِرُ سِعْرَ يَوْمِهِ فِيمَا يُعْطِيهِ غَرِيمُهُ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِ جِنْسِ مَا يُعْطِيهِ، فَإِنْ كَانَ مَا يُعْطِيهِ سِعْرَ يَوْمِهِ يَهْنَأُ لِغَرِيمِهِ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْهُ بِمَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ إِلَى مَنْ سِوَاهُ مِنَ الْبَاعَةِ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ بِمِثْلِ دَيْنِهِ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَى غَرِيمِهِ فَيَنْصَرِفُ مَوْفُورًا وَيَصِيرُ أَخْذُهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ غَرِيمِهِ كَأَخْذِهِ إِيَّاهُ مِنْ غَرِيمِهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ عَادَ إِلَيْهِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَى غَرِيمِهِ.
وَاسْتَوَى أَخْذُهُ إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ غَرِيمِهِ , وَأَخْذُهُ إِيَّاهُ لَوْ أَخَذَهُ مِنْ غَرِيمِهِ، وَإِذَا أَعْطَاهُ بِغَيْرِ سِعْرِ يَوْمِهِ خِلَافَ دَيْنِهِ مِمَّا إِذَا تَحَوَّلَ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْبَاعَةِ , ثُمَّ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُعْطِيَهُ بِهِ مِثْلَ دَيْنِهِ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَى غَرِيمِهِ لَمْ يُعْطِهِ ذَلِكَ لِمَا عَلَيْهِ فِيهِ مِنَ الْهَضِيمَةِ، فَعَلَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ التَّوَرُّعَ مِنْ ذَلِكَ , وَاسْتِعْمَالَ مَا لَا هَضِيمَةَ فِيهِ عَلَى غَرِيمِهِ , وَمَا يَسْتَطِيعُ غَرِيمُهُ أَنْ يَتَعَوَّضَ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ مِثْلَ دَيْنِهِ لَا مَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ , وَهَذِهِ حِكْمَةٌ جَلِيلَةٌ لَا يَحْتَمِلُهَا إِلَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَهِيَ الَّتِي يَنْبَغِي لِذَوِي الْمُعَامَلَاتِ أَنْ لَا يَعْدُوَهَا فِي مُعَامَلَاتِهِمْ إِلَى مَا سِوَاهَا مِنْ أَضْدَادِهَا , وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ

جارٍ التحميل