شرح مشكل الآثاربَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَنِ اسْتَلْجَجَ بِيَمِينٍ عَلَى أَهْلِهِ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَنِ اسْتَلْجَجَ بِيَمِينٍ عَلَى أَهْلِهِ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطحاوي
الكتاب
شرح مشكل الآثار
المؤلف
أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
الناشر
مؤسسة الرسالة
الطبعة
الأولى - 1415 هـ، 1494 م
عدد الأجزاء
16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

663 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " مَنِ اسْتَلْجَجَ بِيَمِينٍ عَلَى أَهْلِهِ فَهُوَ أَعْظَمُ إثْمًا " يَعْنِي الْكَفَّارَةَ

فَتَأَمَّلْنَا الْمُرَادَ بِمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا هُوَ فَوَجَدْنَا مَنْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ أَلَّا يَقْرَبَهَا مَانِعًا لَهَا مِنْ حَقٍّ لَهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ حَلِفِهِ بِذَلِكَ عَلَيْهَا الْفَيْءَ إلَيْهَا , وَالرُّجُوعَ عَنْ يَمِينِهِ عَلَيْهَا بِمَنْعِهَا حَقَّهَا عَلَيْهِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226] إلَى قَوْلِهِ: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 227] ، فَذَكَرَ فِي الْفَيْءِ الرَّحْمَةَ وَالْغُفْرَانَ لِرُجُوعِ الْفَائِي عَنْ مَنْعِ الْحَقِّ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ الَّتِي كَانَتْ مِنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ ذَلِكَ فِي عَزْمِهِ عَلَى الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ فِي عَزْمِهِ عَلَى الطَّلَاقِ مُتَمَادٍ فِي اسْتِلْجَاجِهِ فِي مَنْعِ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ.
وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ، أَوْ فِي مَعْصِيَةٍ سِوَى ذَلِكَ

664 - كَمَا حَدَّثَنَا بَكَّارٌ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَرِيكٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ،

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ قَالَ: " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ قَطِيعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ فَحَنِثَ فَذَلِكَ كَفَّارَةٌ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَيْ لِأَنَّ حِنْثَهُ فِيهَا رُجُوعٌ عَمَّا كَانَ حَلَفَ بِهَا عَلَيْهِ فَرُجُوعُهُ عَنْ ذَلِكَ كَفَّارَةٌ لَهُ.
فَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا مَا رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هُوَ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ عَلَى أَهْلِهِ يَمْنَعُهَا حَقَّهَا الَّذِي لَهَا عَلَيْهِ عَاصٍ لِرَبِّهِ تَعَالَى وَكَفَّارَتُهُ مِنْ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ رُجُوعُهُ عَنْهَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ رُجُوعُهُ وَلَا فَيْئَهُ.
فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ الْخِطَابَ الَّذِي كَانَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسِ خِطَابٌ عَرَبِيٌّ خَاطَبَ بِهِ قَوْمًا عُرْبًا، فَكَانَ فِيمَا

خَاطَبَهُمْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ فَهِمُوا بِهِ عَنْهُ مُرَادَهُ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَأَغْنَاهُ ذَلِكَ عَنْ كَشْفِهِ إيَّاهُ لَهُمْ بِلِسَانِهِ كَمِثْلِ مَا قَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ بِقَوْلِهِ فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ، وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: 10] وَاكْتَفَى بِذَلِكَ عَمَّا كَانَ يَكُونُ لَوْلَا فَضْلُهُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ إيَّاهُمْ، وَكَمِثْلِ قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ، أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: 31] مِنْ غَيْرِ ذِكْرِهِ لِمَا كَانَ يَكُونُ لَوْ كَانَ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِفَهْمِ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ لِمَا قَدْ أَرَادَ أَنْ يَفْهَمُوهُ عَنْهُ بِذَلِكَ الْخِطَابِ الَّذِي خَاطَبَهُمْ بِهِ، فَمِثْلُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " مَنِ اسْتَلْجَجَ بِيَمِينٍ عَلَى أَهْلِهِ فَهُوَ أَعْظَمُ إثْمًا " أَيْ: مِمَّنْ سِوَاهُ مِنَ الْحَالِفِينَ بِغَيْرِ تِلْكَ الْيَمِينِ، فَاكْتَفَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ قَدْ فَهِمُوا ذَلِكَ عَنْهُ بِزِيَادَةِ أَلْفَاظٍ فِيهَا كَشْفُ مَا أَرَادَهُ مِنْهُمْ مِمَّا خَاطَبَهُمْ مِنْ أَجْلِهِ بِمَا فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي تَعْبِيرِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِأَمْرِهِ الرُّؤْيَا الَّتِي عَبَرَهَا، وَمِنْ قَوْلِهِ لَهُ فِي عِبَارَتِهِ إيَّاهَا: " أَصَبْتَ بَعْضًا، وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا "

665 - حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي أَرَى اللَّيْلَةَ فِي مَنَامِي ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ، وَالْعَسَلَ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا بِأَيْدِيهِمْ فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ، وَأَرَى سَبَبًا وَاصِلًا مِنَ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ ثُمَّ إنَّهُ وُصِلَ لَهُ فَعَلَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ لِتَدَعْنِي فَلَأَعْبُرَنَّهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اعْبُرْ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَمَّا الظُّلَّةُ فَظُلَّةُ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْطِفُ مِنَ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ فَحَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ، وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ، وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ فَالْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ فَأَخَذْتَ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ، فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَصَبْتُ أَوْ أَخْطَأْتُ؟ فَقَالَ

رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَصَبْتَ بَعْضًا، وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا " قَالَ: فَوَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، لَتُخْبِرَنِّي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ قَالَ: " لَا تُقْسِمْ "

666 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الطَّحَّانُ الْمَوْقِفِيُّ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.

667 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ الْكَلَاعِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْأَبْرَشُ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، أَوْ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ.

668 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَزِيزٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا سَلَامَةُ بْنُ رَوْحٍ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ " أَمَّا الَّذِي يَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ فَالْقُرْآنُ وَحَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ "

669 - حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيُّ الْمَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَمِّهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ

670 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ

حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي شَيْءٍ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَقْسَمْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَصَبْتُ أَوْ أَخْطَأْتُ؟ قَالَ: " أَصَبْتَ " وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَى ذَلِكَ وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تُقْسِمْ "

671 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ بَحْرٍ سَوَاءً إلَّا أَنَّهُ قَالَ: " وَأَمَّا مَا يَنْطِفُ مِنَ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ، فَهُوَ الْقُرْآنُ حَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ " فَتَأَمَّلْنَا مَا فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْخَطَأِ الَّذِي أَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ أَنَّهُ كَانَ مِنْهُ فِيهَا، فَوَجَدْنَا فِيهَا أَنَّهُ جَعَلَ السَّمْنَ، وَالْعَسَلَ الْمَذْكُورَيْنِ فِيهَا شَيْئًا وَاحِدًا، وَهُوَ الْقُرْآنُ ثُمَّ وَصَفَهُ بِالْحَلَاوَةِ وَاللِّينِ.
وَوَجَدْنَا أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْعِبَارَةِ يَذْهَبُونَ إلَى أَنَّهُمَا شَيْئَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ صَاحِبِهِ مِنْ أَصْلَيْنِ

مُخْتَلِفَيْنِ , وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَدَّهُمَا إلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْقُرْآنُ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَعَلَ مِنْ صِفَتِهِمَا اللِّينَ وَالْحَلَاوَةَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَا صِفَةً لِشَيْءٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ عَلَى مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ

672 - مَا حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْأَزْدِيُّ الْجِيزِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ النَّضْرُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْمُرَادِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ وَاهِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمَعَافِرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ فِي إحْدَى أُصْبُعَيْهِ عَسَلًا وَفِي الْأُخْرَى سَمْنًا وَكَأَنَّهُ يَلْعَقُهُمَا فَأَصْبَحَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: " تَقْرَأُ الْكِتَابَيْنِ: التَّوْرَاةَ، وَالْفُرْقَانَ " قَالَ: فَكَانَ يَقْرَؤُهُمَا.

فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ عِبَارَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُؤْيَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورَةَ فِيهِ فِي السَّمْنِ وَالْعَسَلِ أَنَّهُمَا لِشَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مِنْ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَكَانَتْ عِبَارَةُ أَبِي بَكْرٍ فِي حَدِيثِ الظُّلَّةِ أَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ، فَكَانَ الْخَطَأُ الَّذِي فِي ذِكْرِ الْعِبَارَةِ عِنْدَهُمْ هُوَ هَذَا، وَكَانَ الصَّوَابُ فِيهِ مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِبَارَتِهِ رُؤْيَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَدِيثِ الظُّلَّةِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ مِنْ قَوْلِهِ لِأَبِي بَكْرٍ فِيهِ: " لَا تُقْسِمْ " هَلْ هُوَ لِكَرَاهِيَةِ الْقَسَمِ أَمْ لِمَا سِوَى ذَلِكَ؟ قَدْ رَوَيْنَا فِي هَذَا الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عَبَرَ

الرُّؤْيَا الَّتِي عَبَرَهَا فِيهِ: أَصَبْتُ أَوْ أَخْطَأْتُ؟ وَقَوْلَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُ: " أَصَبْتَ بَعْضًا، وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا " وَقَوْلَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ: " أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ لَمَا أَخْبَرْتَنِي مَا أَصَبْتُ مِمَّا أَخْطَأْتُ " وَقَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ: " لَا تُقْسِمْ " فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ؛ لِكَرَاهِيَتِهِ لِلْقَسَمِ، أَوْ لِمَا سِوَى ذَلِكَ فَطَلَبْنَا الْحَقِيقَةَ فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا اللهَ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَ الْقَسَمَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2] فِي مَعْنَى: أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ وَكَانَتْ (لَا) فِيهِمَا صِلَةً،

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: 75] فِي مَعْنَى: أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَكَانَتْ (لَا) فِي ذَلِكَ صِلَةً، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: 17] فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى قَسَمِهِمْ أَنْ يَصْرِمُوهَا مُصْبِحِينَ، وَكَانَ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنْ يَصِلُوهُ بِالرَّدِّ إلَى مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ قَسَمَهُمْ، وَأَنْكَرَ تَرْكَهُمْ تَعْلِيقَ ذَلِكَ إلَى مَشِيئَةِ اللهِ فِيهِ ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَانَتْ فِي ذَلِكَ

673 - فَوَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاهِبِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سَعِيدٍ،

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: عَادَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَلَمَّا دَنَا مِنْ مَنْزِلِهِ سَمِعَهُ يَتَكَلَّمُ فِي الدَّاخِلِ فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَدَخَلَ فَلَمْ يَرَ أَحَدًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " سَمِعْتُ تَكَلُّمًا عِنْدَكَ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَقَدْ دَخَلْتُ الدَّاخِلَ اغْتِمَامًا بِكَلَامِ النَّاسِ مِمَّا بِي مِنَ الْحُمَّى، فَدَخَلَ عَلَيَّ دَاخِلٌ مَا رَأَيْتُ رَجُلًا بَعْدَكَ أَكْرَمَ مَجْلِسًا وَلَا أَحْسَنَ حَدِيثًا، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَإِنَّ مِنْكُمْ رِجَالًا لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يُقْسِمُ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ "

674 - وَقَدْ وَجَدْنَا ابْنَ أَبِي دَاوُدَ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " رُبَّ أَشْعَثَ ذِي طِمْرَيْنِ تَنْبُو عَنْهُ أَعْيُنُ النَّاسِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ "

675 - وَوَجَدْنَا بَكَّارًا، وَابْنَ مَرْزُوقٍ قَدْ حَدَّثَانَا قَالَا:، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ "

676 - وَوَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ عَزِيزٍ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَامَةُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " كَمْ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ ذِي طِمْرَيْنِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّ قَسَمَهُ، مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ "

677 - وَوَجَدْنَا عَبْدَ الْغَنِيِّ بْنَ أَبِي عُقَيْلٍ اللَّخْمِيَّ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقْرِنٍ،

عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: " أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ "

678 - وَوَجَدْنَا إبْرَاهِيمَ بْنَ مَرْزُوقٍ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " بِإِبْرَارِ الْقَسَمِ "

679 - وَوَجَدْنَا بَكَّارًا قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، وَحَدَّثَنَا فَهْدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟، كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ

أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ "

680 - وَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ دَاوُدَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرِ بْنِ بَرِّيٍّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ مُصْفَحٍ عَلَى أَبْوَابِ النَّاسِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَأَبَرَّهُ "

فَعَقَلْنَا بِمَا تَلَوْنَا مِنْ كِتَابِ الله وَبِمَا رَوَيْنَا مِنْ آثَارِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إبَاحَةَ الْقَسَمِ؛ لِأَنَّ الْقَسَمَ لَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَكَانَ مُسْتَعْمِلُهُ عَاصِيًا وَلَمَا أَبَرَّ اللهُ قَسَمَهُ، فَقَالَ قَائِلٌ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ لِأَبِي بَكْرٍ حِينَ أَقْسَمَ عَلَيْهِ " لَا تُقْسِمْ " قِيلَ لَهُ: إِنَّ قَسَمَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ عَلَيْهِ لِيُخْبِرَهُ بِحَقِيقَةِ الْخَطَأِ مِنْ حَقِيقَةِ الصَّوَابِ، وَكَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مَوْصُولٍ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْعِبَارَةَ إنَّمَا هِيَ بِالظَّنِّ وَالتَّحَرِّي لَا بِمَا سِوَاهُمَا، وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ فِيهَا كَمَا حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: التَّفْسِيرُ يَعْنِي: الرُّؤْيَا إنَّمَا هُوَ ظَنٌّ أَظُنُّهُ وَلَيْسَ بِحَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ [يوسف: 42] قَالَ أَحْمَدُ: يَعْنِي أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا، فَكَانَ تَعْبِيرُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمِثْلِهَا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ أَيْضًا، وَكَانَ نَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ عَنَ الْقَسَمِ عَلَيْهِ لَيُخْبِرَنَّهُ إيَّاهُ؛ لِهَذَا الْمَعْنَى لَا لِمَا سِوَاهُ، وَمِمَّا قَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ أَقْسَمَ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ

قَدِ اسْتَعْمَلَ عُمَرَ عَلَى الشَّامِ فَلَقِيَهُ أَبِي وَأَنَا أَشُدُّ الْإِبِلَ بِأَقْتَابِهَا فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْتَحِلَ قَالَ لَهُ النَّاسُ: أَتَدَعُ عُمَرَ يَنْطَلِقُ إلَى الشَّامِ وَهُوَ هَاهُنَا يَكْفِيكَ الشَّامَ؟ فَقَالَ: " أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمَا أَقَمْتَ " فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ كَانَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ؛ لِمَا قَدْ ذَكَرْنَا لَا لِمَا سِوَاهُ مِنْ كَرَاهِيَةِ الْقَسَمِ , وَقَدْ أَقْسَمَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ أَيْضًا

كَمَا حَدَّثَنَا بَكَّارٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ يَعْنِي الْأَعْمَشَ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ جَاءَ الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ إلَى أَبِي بَكْرٍ فِي أَشْيَاءَ تَرَكَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: شَيْءٌ تَرَكَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمْ يُحَرِّكْهُ لَا أُحَرِّكُهُ فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ اخْتَصَمَا، إلَيْهِ فَقَالَ عُمَرُ: شَيْءٌ تَرَكَهُ أَبُو بَكْرٍ إنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أُحَرِّكَهُ، فَلَمَّا وُلِّيَ عُثْمَانُ اخْتَصَمَا إلَيْهِ قَالَ: فَسَكَتَ عُثْمَانُ وَنَكَّسَ رَأْسَهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَضَرَبْتُ بِيَدِي عَلَى كَتِفَيِ الْعَبَّاسِ وَقُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمَا سَلَّمْتَهُ لِعَلِيٍّ قَالَ: فَسَلَّمَهُ لِعَلِيٍّ "

فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: " لَا تُقْسِمْ " لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا عَلَى كَرَاهِيَةِ الْقَسَمِ، وَلَكِنْ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا، وَاللهَ تَعَالَى نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ

جارٍ التحميل