بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ضَرْبِ الرِّجَالِ نِسَاءَهُمْ مِنْ مَنْعٍ وَمِنْ إبَاحَةٍ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطحاوي
- الكتاب
- شرح مشكل الآثار
- المؤلف
- أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
- الناشر
- مؤسسة الرسالة
- الطبعة
- الأولى - 1415 هـ، 1494 م
- عدد الأجزاء
- 16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
2520 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ وَافِدِ بَنِي الْمُنْتَفِقِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي، فَذَكَرَ صَاحِبِي امْرَأَتَهُ، وَذَكَرَ بَذَاءَتَهَا وَطُولَ لِسَانِهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " طَلِّقْهَا ". قَالَ: إِنَّهَا ذَاتُ صُحْبَةٍ وَوَلَدٍ.
فَقَالَ: " قُلْ لَهَا، فَإِنْ يَكُنْ فِيهَا خَيْرٌ فَسَتَقْبَلُ، وَلَا تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ ضَرْبَ أَمَتِكَ ".
2521 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ الطَّائِفِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.
قَالَ: فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: " فَلَا تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ ضَرْبَ أَمَتِكَ "، فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْكَلَامَ، فَوَجَدْنَاهُ مُحْتَمِلًا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَضْرِبَهَا كَمَا يَضْرِبُ أَمَتَهُ، وَلَكِنْ يَضْرِبُهَا ضَرْبًا دُونَ ذَلِكَ , وَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ، إِذْ كَانَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَبَاحَ ضَرْبَهُنَّ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] ، ثُمَّ نَظَرْنَا هَلْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إبَاحَتِهِ ضَرْبَهُمْ إيَّاهُنَّ؟
2522 - فَوَجَدْنَا يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَوْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُسْلِيِّ، عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: ضِفْتُ عُمَرَ رَضِيَ
اللهُ عَنْهُ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ إِلَى امْرَأَتِهِ لِيَضْرِبَهَا، فَحَجَزْتُ بَيْنَهُمَا، فَرَجَعَ إِلَى فِرَاشِهِ، فَلَمَّا أَخَذَ مَضْجَعَهُ قَالَ: " يَا أَشْعَثُ، احْفَظْ عَنِّي شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تَسْأَلْ رَجُلًا فِيمَا يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ "
2523 - وَوَجَدْنَا أَبَا أُمَيَّةَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ عَمِّهِ عُمَارَةَ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رِجَالًا اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ضَرْبِ النِّسَاءِ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَسَمِعَ صَوْتًا، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: أَذِنْتَ لِلرِّجَالِ فِي ضَرْبِ النِّسَاءِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ , وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ "
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: ثُمَّ أَرَدْنَا أَنْ نَقِفَ عَلَى ذَلِكَ الضَّرْبِ أَيُّ ضَرْبٍ هُوَ، فَالْتَمَسْنَا ذَلِكَ هَلْ نَجِدُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ شَيْئًا؟
2524 - فَوَجَدْنَا عَلِيَّ بْنَ مَعْبَدٍ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَازِبِ بْنِ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ أَبُو غَرْقَدٍ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: " أَلَا وَاتَّقُوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ، أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتهمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقٌّ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقٌّ، وَمِنْ حَقِّكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ إِلَّا بِإِذْنِكُمْ، وَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا , وَإِنَّ مِنْ حَقِّهِنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقَهُنَّ وَكِسْوَتَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ".
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الضَّرْبَ الَّذِي أُبِيحُوهُ
لِأَزْوَاجِهِنَّ هُوَ غَيْرُ الْمُبَرِّحِ مِنْهُ، فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ فِي حَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ أَنْ يَضْرِبَهُ الرَّجُلُ مِنَ الضَّرْبِ هُوَ الضَّرْبُ الْمُبَرِّحُ، لَا الضَّرْبُ الَّذِي هُوَ دُونَهُ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِهَا ذَلِكَ مِنْهُ.
وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ لِحُصَيْنٍ الْخُزَاعِيِّ أَبِي عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ لَمَّا عَلَّمَهُ أَنْ يَدْعُوَ: " اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَخْطَأْتُ , وَمَا عَمَدْتُ , وَمَا عَلِمْتُ , وَمَا جَهِلْتُ "
2525 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: جَاءَ حُصَيْنٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ كَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ خَيْرًا لِقَوْمِهِ مِنْكَ، كَانَ يُطْعِمُهُمُ الْكَبِدَ وَالسَّنَامَ , وَأَنْتَ تَنْخَرُهُمْ.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ إِنَّ حُصَيْنًا قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَاذَا تَأْمُرُنِي أَنْ أَقُولَ؟ قَالَ: " قُلِ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَعْزِمَ لِي عَلَى رُشْدِ أَمْرِي ". قَالَ: ثُمَّ إِنَّ حُصَيْنًا أَسْلَمَ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ سَأَلْتُكَ الْمَرَّةَ الْأُولَى , وَإِنِّي الْآنَ أَقُولُ: مَا تَأْمُرُنِي أَنْ أَقُولَ؟ قَالَ: " قُلِ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَسْرَرْتُ , وَمَا أَعْلَنْتُ , وَمَا أَخْطَأْتُ , وَمَا عَمَدْتُ , وَمَا جَهِلْتُ , وَمَا عَلِمْتُ ".
2526 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " وَمَا أَخْطَأْتُ , وَمَا عَمَدْتُ , وَمَا عَقَلْتُ , وَمَا جَهِلْتُ ". قَالَ: فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ، فَوَجَدْنَا فِيهِ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَخْطَأْتُ، فَقَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ يَسْأَلُ غُفْرَانَ مَا أَخْطَأَ بِهِ، وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5] ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّ ذَلِكَ الْخَطَأَ الَّذِي تَوَهَّمَهُ الَّذِي هُوَ ضِدٌّ لِلْعَمْدِ، وَلَكِنَّهُ خَطَأٌ مِنَ الْخَطَايَا الَّتِي يُخْطِئُهَا
مِمَّا يَدْخُلُ فِي قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] مِنَ الْخَطِيئَاتِ الَّتِي يُخْطِئُونَهَا، وَمِمَّا يَدْخُلُ
فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح: 25] ، فَذَلِكَ عَلَى الْخَطَايَا الَّتِي اكْتَسَبُوهَا بِقَصْدِهِمْ إلَيْهَا وَبِعَمْدِهِمْ إيَّاهَا لَا أَضْدَادِهَا مِنَ الْخَطَإِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُمْ مِمَّا لَا يَعْمِدُونَهُ، وَلَا يَقْصِدُونَ إلَيْهِ، وَلَا يَقَعُونَ فِيهِ بِاخْتِيَارِهِمْ إِيَّاهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " وَمَا جَهِلْتُ " فَمَعْنَى مَا جَهِلْتُ: أَيْ: مَا عَمِلْتهُ جَاهِلًا بِقَصْدِي إلَيْهِ مَعَ مَعْرِفَتِي بِهِ، وَجِنَايَتِي عَلَى نَفْسِي بِدُخُولِي فِيهِ وَعَمَلِي إِيَّاهُ.
فَقَالَ قَائِلٌ: هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رُوِيَ مَا يُخَالِفُهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ
2527 - وَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ ابْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ أَبَاهُ الْحُصَيْنَ بْنَ عُبَيْدٍ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ مُشْرِكًا، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا كَانَ يَقْرِي الضَّيْفَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، مَاتَ قَبْلَكَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: كَأَنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ أَبَاهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ ". قَالَ: فَمَا مَرَّتْ عِشْرُونَ لَيْلَةً حَتَّى مَاتَ مُشْرِكًا.
قَالَ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ حُصَيْنًا أَبَا عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مَاتَ مُشْرِكًا، وَفِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ذُكِرَ إسْلَامُهُ، وَتَعْلِيمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُ مَا ذَكَرَ تَعْلِيمَهُ إِيَّاهُ فِيهِ، وَهَذَا اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ اخْتِلَافًا كَمَا ذُكِرَ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ رُوَاةِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ، غَيْرَ أَنَّا تَأَمَّلْنَاهُمَا فَوَجَدْنَاهُمَا قَدْ يُخْرَجَانِ بِمَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عِمْرَانُ هُوَ ابْنُ حُصَيْنِ بْنِ حُصَيْنِ بْنِ عُبَيْدٍ، فَيَكُونُ أَبُوهُ حُصَيْنٌ الْمَذْكُورُ بِالْإِسْلَامِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي هَذَا الْبَابِ أَبَاهُ الْأَدْنَى هُوَ الَّذِي أَسْلَمَ وَعَلَّمَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا عَلَّمَهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِيهِ إسْلَامُهُ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ
اللَّذَيْنِ رَوَيْنَاهُمَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَيَكُونُ الَّذِي مَاتَ مُشْرِكًا هُوَ حُصَيْنَ بْنَ عُبَيْدٍ أَبَاهُ الْأَقْصَى مِنْ أَبَوَيْهِ اللَّذَيْنِ اسْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُصَيْنٌ، فَيَصِحُّ الْحَدِيثَانِ جَمِيعًا وَلَا يَتَضَادَّانِ، وَذَلِكَ أَوْلَى مِمَّا حُمِلَا عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْفَعَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَلَا يُخَالِفَهُ وَلَا يُضَادَّهُ.
وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ كَانَ إِذَا أَرَادَ دُخُولَ قَرْيَةٍ: " وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضَلَّتْ " مِمَّا كَانَ يَسْتَعِيذُ بِهِ
2528 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَرْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: أَشْهَدُ وَالَّذِي فَلَقَ الْبَحْرَ لِمُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَسَمِعْتُ صُهَيْبًا يَقُولُ: " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى قَرْيَةً يُرِيدُ نُزُولَهَا قَالَ: " اللهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، أَسْأَلُكُ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَمِنْ خَيْرِ أَهْلِهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا "
2529 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ،
قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ - يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ أَبِي سَهْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَؤُمُّ النَّاسَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ دَارِ أَبِي جُهَيْمٍ، وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: وَالَّذِي فَلَقَ الْبَحْرَ لِمُوسَى إِنَّ صُهَيْبًا حَدَّثَنِي أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرَ قَرْيَةً يُرِيدُ دُخُولَهَا إِلَّا قَالَ حِينَ يَرَاهَا: " اللهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ، فَإِنَّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا ". وَحَلَفَ كَعْبٌ: وَالَّذِي فَلَقَ الْبَحْرَ لِمُوسَى لَإِنَّهَا كَانَتْ دَعَوَاتِ دَاوُدَ حِينَ يَرَى الْعَدُوَّ.
فَقَالَ قَائِلٌ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ: " وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ " , وَ " مَا " لَا تَكُونُ لِبَنِي آدَمَ، إِنَّمَا تَكُونُ لِمَنْ سِوَاهُمْ , وَيَكُونُ مَكَانَهَا لِبَنِي آدَمَ " مَنْ "، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] فِي أَمْثَالٍ لِذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ.
فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّ الْأَكْثَرَ غَيْرُ مَا ذُكِرَ، غَيْرَ أَنَّ " مَا " قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي بَنِي آدَمَ أَيْضًا، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: 3] يُرِيدُ آدَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ وَلَدَ , وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] بِمَعْنَى إِلَّا مَنْ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] بِمَعْنَى مَنْ طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ، فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ مِنَ الْقُرْآنِ قَدْ جَاءَتْ بِمَا فِي مَعْنَى مَنْ، فَمِثْلُ ذَلِكَ مَا قَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ: " وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ بِمَعْنَى وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَنْ أَضْلَلْنَ ". وَاللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ