شرح مشكل الآثاربَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوَادِي الَّذِي مَرُّوا بِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنَّهُ وَادٍ مَلْعُونٌ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوَادِي الَّذِي مَرُّوا بِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنَّهُ وَادٍ مَلْعُونٌ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطحاوي
الكتاب
شرح مشكل الآثار
المؤلف
أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
الناشر
مؤسسة الرسالة
الطبعة
الأولى - 1415 هـ، 1494 م
عدد الأجزاء
16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

3746 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ , وَفَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ , جَمِيعًا قَالَا: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَزْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ لِيَ الْحَسَنُ: سَلْ عَبْدَ اللهِ بْنَ قُدَامَةَ بْنِ صَخْرٍ الْعُقَيْلِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ.
قَالَ: فَلَقِيتُهُ عِنْدَ بَابِ الْإِمَارَةِ , فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ , فَقَالَ: " زَعَمَ أَبُو ذَرٍّ أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ , فَأَتَوْا عَلَى وَادٍ , فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنَّكُمْ بِوَادٍ مَلْعُونٌ " , فَرَكِبَ فَرَسَهُ فَدَفَعَ , وَدَفَعَ النَّاسُ , ثُمَّ قَالَ: " مَنْ كَانَ قَدِ اعْتَجَنَ عَجِينَةً فَلْيُظْفِرْهَا بَعِيرَهُ , وَمَنْ كَانَ طَبَخَ قِدْرًا فَلْيَكْفَأْهَا "

3747 - وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ , ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ مُحَمَّدٍ وَفَهْدٍ , عَنْ مُسْلِمٍ , عَنْ حَمَّادٍ , بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ

3748 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ قُدَامَةَ السَّعْدِيُّ قَالَ: - وَكَانَ السَّعْدِيُّ امْرَأَ صِدْقٍ - , أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى عَلَى مَسَاكِنِ ثَمُودَ فَقَالَ: " اخْرُجُوا اخْرُجُوا , فَإِنَّهُ وَادٍ مَلْعُونٌ؛ خَشْيَةَ أَنْ لَا تَخْرُجُوا حَتَّى يُصِيبَكُمْ كَذَا وَكَذَا "

3749 - وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ , ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِهِ النَّاسَ

فِيمَا كَانُوا عَجَنُوا مِنْ مَاءِ ذَلِكَ الْوَادِي , مِثْلُ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الَّذِي رُوِّينَا.

3750 - كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ: حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ قَالَ: " لَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحِجْرَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: " مَنْ عَمِلَ مِنْ هَذَا الْمَاءِ طَعَامًا فَلْيُلْقِهِ " , فَمِنْهُمْ مَنْ عَجَنَ عَجِينًا , وَمِنْهُمْ مِنْ حَاسَ الْحَيْسَ وَأَلْقَوْهُ "

3751 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ , وَفَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ , عَنْ أَبِيهِ , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَزَلَ الْحِجْرَ قَالَ لِمَنْ كَانَ مَعَهُ: " مَنْ كَانَ مِنْكُمْ عَجَنَ عَجِينًا , أَوْ حَاسَ حَيْسًا مِنْ هَذَا الْمَاءِ , فَلْيُلْقِهِ "

3752 - وَكَمَا حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَبْرَةَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي حَرْمَلَةُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ قَالَ: " لَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحِجْرَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: " مَنْ عَمِلَ مِنْ هَذَا الْمَاءِ طَعَامًا فَلْيُلْقِهِ " , فَمِنْهُمْ مَنْ عَجَنَ الْعَجِينَ , وَمِنْهُمْ مَنْ حَاسَ الْحَيْسَ , فَأَلْقَوْهُ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَنَا - وَاللهُ أَعْلَمُ - مُحْتَمِلًا أَنْ يَكُونَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا غَضِبَ عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ الْوَادِي كَانَ مِنْ عُقُوبَتِهِ إِيَّاهُمْ أَنْ جَعَلَ مَاءَهُمْ مَا يَضُرُّهُمْ , وَيُضَرُّ أَمْثَالَهُمْ مِنَ الْمُتَعَبِّدِينَ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي غُضِبَ عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ الْوَادِي مِنْ أَجْلِهَا , وَخَوْفًا عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى ذُنُوبِهِمُ الَّتِي قَدْ سَلَفَتْ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ جَمِيعًا ذَوُو ذُنُوبٍ , وَإِنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُمْ مُخْتَلِفَةً , وَالْعُقُوبَاتُ عَلَيْهَا مُخْتَلِفَةً , فَأَمَرَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا عَجَنُوهُ بِذَلِكَ الْمَاءِ أَنْ لَا يَأْكُلُوهُ , وَأَبَاحَهُمْ أَنْ يُطْعِمُوهُ إِبِلَهُمُ الَّتِي لَا تَعَبُّدَ عَلَيْهَا , وَلَا ذُنُوبَ لَهَا ,

ثُمَّ تَأَمَّلْنَا سُرْعَتَهُ فِي ذَلِكَ الْوَادِي حَتَّى جَاوَزَهُ , فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَنَا - وَاللهُ أَعْلَمُ - لِيَقْتَدُوا بِهِ فَيُسْرِعُوا لِسُرْعَتِهِ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي خَوْفًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْاخَذُوا بِذُنُوبِهِمْ هُنَاكَ , كَمَا أُخِذَ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْوَادِي بِذُنُوبِهِمْ هُنَاكَ.
ثُمَّ تَأَمَّلْنَا مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ وَصْفِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ الْوَادِيَ بِاللَّعْنِ , فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَنَا - وَاللهُ أَعْلَمُ - عَلَى إِرَادَتِهِ بِذَلِكَ أَهْلَ الْوَادِي الَّذِينَ كَانَ مِنْهُمْ مَا غَضِبَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِهِ , فَلَعَنَهُمْ لِذَلِكَ.
وَذُكِرَ الْوَادِي بِتِلْكَ اللَّعْنَةِ , وَالْمُرَادُ أَهْلَهُ دُونَهُ , كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112] لِأَنَّ الْقَرْيَةَ مَا كَانَتْ تَصْنَعُ شَيْئًا , وَإِنَّمَا أَهْلُهَا هُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَصْنَعُونَ مَا أُهْلِكُوا بِهِ , ثُمَّ أَعْقَبَ ذَلِكَ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا دَلَّ عَلَى مُرَادِهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ لَا قَرْيَتَهُمْ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾ [النحل: 113] , يَعْنِي بِذَلِكَ رَسُولَهُ إِلَيْهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ حِكَايَةً عَنْ قَائِلِيهِ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: 82] , يُرِيدُ أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَأَهْلَ الْعِيرِ , فَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ الْوَادِي: " هَذَا وَادٍ مَلْعُونٌ " , هُوَ عَلَى أَهْلِهِ , لَا عَلَى الْوَادِي نَفْسِهِ.
وَاللهُ أَعْلَمُ , وَإِيَّاهُ نَسْأَلَهُ التَّوْفِيقَ.

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا كَانَ مِنْهُ فِي قَبْرِ أَبِي رِغَالٍ وَفِي إِخْبَارِهِ النَّاسَ أَنَّهُ مِنْ ثَمُودَ , وَأَنَّ الْحَرَمَ مَنَعَهُ مِنْ مَا نَزَلَ بِسَائِرِ ثَمُودَ سِوَاهُ , حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ , فَأَدْرَكَتْهُ النِّقْمَةُ فَأُهْلِكَ

3753 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ , عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ , عَنْ بُجَيْرِ بْنِ أَبِي بُجَيْرٍ , عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو , أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: " كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ , فَمَرُّوا بِقَبْرِ أَبِي رِغَالٍ فَقَالَ: " هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ , وَهُوَ أَبُو ثَقِيفٍ , وَكَانَ امْرَأً مِنْ ثَمُودَ , وَكَانَ مَنْزِلُهُ بِالْحَرَمِ , فَلَمَّا أَهْلَكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ قَوْمَهُ بِمَا أَهْلَكَهُمْ بِهِ , مَنَعَهُ لِمَكَانِهِ مِنَ الْحَرَمِ , وَإِنَّهَ خَرَجَ حَتَّى إِذَا بَلَغَ هَاهُنَا مَاتَ , فَدُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ " , فَابْتَدَرْنَاهُ , فَاسْتَخْرَجْنَاهُ "

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ كُنْتُ أَنَا بَعْدُ سَمَاعِي هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ نَظَرْتُ فِي كِتَابِي فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ لِإِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ذِكْرًا , فَدَخَلَ قَلْبِي مِنْهُ شَيْءٌ , فَذَكَرْتُهُ لِأَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ النَّسَائِيِّ , فَقَالَ لِي: هُوَ كَمَا حَفِظْتَ , فَقُلْتُ لَهُ: فَعَنْ مَنْ أَخَذْتَهُ أَنْتَ؟ فَقَالَ: عَنْ أَبِي حَفْصٍ - يَعْنِي عَمْرَو بْنَ عَلِيٍّ - , عَنِ الرِّيَاحِيِّ , قُلْتُ لَهُ: عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ , فَقَالَ: نَعَمْ , عَنْ يَزِيدَ.

3754 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زُبَالَةَ الْمَدِينِيُّ أَبُو الْحَسَنِ , وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الْمَكِّيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ , يُحَدِّثُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ , عَنْ بُجَيْرِ بْنِ أَبِي بُجَيْرٍ , فَقَالَ:

سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ حِينَ خَرَجْنَا إِلَى الطَّائِفِ فَمَرَرْنَا بِقَبْرٍ , فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ , وَهُوَ أَبُو ثَقِيفٍ , وَكَانَ مِنْ ثَمُودَ , وَكَانَ بِهَذَا الْحَرَمِ يَدْفَعُ عَنْهُ , فَلَمَّا خَرَجَ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ بِهَذَا الْمَكَانِ , وَدُفِنَ فِيهِ , وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ دُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ إِنْ أَنْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ مَعَهُ " , فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ , فَاسْتَخْرَجُوا مَعَهُ الْغُصْنَ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ , فَوَجَدْنَا فِيهِ إِخْبَارَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ بِأَنَّ أَبَا رِغَالٍ كَانَ مِنْ ثَمُودَ , وَأَنَّهُ مِمَّنْ مَنَعَهُ حَرَمُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِمَّا أَصَابَ بِهِ غَيْرَهُ مِنْ ثَمُودَ مِنَ النِّقْمَةِ , وَقَدْ عَقَلْنَا أَنَّ مَنَازِلَ ثَمُودَ لَمْ تَكُنْ فِي الْحَرَمِ , وَأَنَّهَا كَانَتْ فِيمَا سِوَاهُ , مِنْ مَا ذُكِرَ فِي الْبَابَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا قَبْلَ هَذَا الْبَابِ , وَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ لَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ فَدَخَلَهُ , فَمَنَعَهُ مِمَّا نَزَلَ بِغَيْرِهِ مِنْ ثَمُودَ.
فَقَالَ قَائِلٌ: فَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ رُوِّينَاهُما فِي هَذَا الْبَابِ , أَنَّ مَسْكَنَهُ كَانَ فِي الْحَرَمِ.
فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَسْكَنُهُ فِي الْحَرَمِ , وَكَانَ مَعَ ثَمُودَ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي كَانَتْ فِيهِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ مَعَاصِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَالْخُرُوجِ عَنْ أَمْرِهِ , فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْوَعِيدُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَخَافَ أَنْ يَلْحَقَهُ ذَلِكَ بِالْمَكَانِ الَّذِي هُوَ بِهِ , لَجَأَ إِلَى مَسْكَنِهِ فِي الْحَرَمِ , فَدَخَلَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْحَرَمَ فَمَنَعَهُ , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ , عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةِ

أَبِي رِغَالٍ أَيْضًا مَا يُوَافِقُ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ مِمَّا ذَكَرْنَا.

3755 - كَمَا حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْكُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , عَنْ مَعْمَرٍ , عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ , عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ , عَنْ جَابِرٍ قَالَ: " مَرَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحِجْرِ فَقَالَ: " لَا تَسْأَلُوا الْآيَاتِ , فَإِنَّ قَوْمَ صَالِحٍ سَأَلُوا , فَكَانَتْ تَرِدُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ , وَتَصْدُرُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ , يَعْنِي النَّاقَةَ , فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَعَقَرُوهَا , وَكَانَتْ تَشْرَبُ مَاءَهُمْ يَوْمًا , وَيَشْرَبُونَ لَبَنَهَا يَوْمًا , فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةٌ أَهْمَدَتْ مَنْ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا , كَانَ فِي حَرَمِ اللهِ , فَلَمَّا خَرَجَ أَصَابَهُ مَا أَصَابَ قَوْمَهُ " , قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ , مَنْ هُوَ؟ قَالَ: " أَبُو رِغَالٍ , فَدُفِنَ هَاهُنَا "

3756 - وَكَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ خُثَيْمٍ , عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ , عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ مَعْنَاهُ , غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " إِلَّا رَجُلًا كَانَ فِي حَرَمِ اللهِ , فَمَنَعَهُ حَرَمُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ عَذَابِ اللهِ "

3757 - وَكَمَا حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي عَبَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْمَانَ , عَنِ ابْنِ سَابِطٍ , عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ , أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ , وَهُوَ فِي الْحِجْرِ: " هَؤُلَاءِ قَوْمُ صَالِحٍ , أَهْلَكَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ , إِلَّا رَجُلًا كَانَ فِي حَرَمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ , مَنَعَهُ اللهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ " , قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ , مَنْ هُوَ؟ قَالَ: " أَبُو رِغَالٍ "

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَإِذَا كَانَ الْحَرَمُ يَمْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْعُقُوبَاتِ الَّتِي مَعَهَا تَلَفُ الْأَنْفُسِ , كَانَ فِي الْإِسْلَامِ مِمَّنْ مِثْلُ ذَلِكَ أَمْنَعَ , وَشَدَّ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا , فِيمَنْ أَصَابَ حَدًّا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ , ثُمَّ لَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ.

كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ أَصَابَ حَدًّا فِي الْحَرَمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ , وَإِنْ أَصَابَهُ خَارِجَ الْحَرَمِ ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَمَ لَمْ يُكَلَّمْ , وَلَمْ يُجَالَسْ , وَلَمْ يُبَايَعْ , حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْحَرَمِ , فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ "

وَكَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ وَكَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ , عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ

وَكَمَا حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ , عَنْ عَطَاءٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِيمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ , ثُمَّ لَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ: " لَمْ يُكَلَّمْ , وَلَمْ يُبَايَعْ , وَلَمْ يُؤْذَ , حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْحَرَمِ , فَإِذَا خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ , أُخِذَ وَأُقِيمَ عَلَيْهِ مَا عَلَيْهِ , وَمَا أَحْدَثَ فِي الْحَرَمِ , أُقِيمَ

عَلَيْهِ مَا أَحْدَثَ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ "

كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمِنْقَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءٌ , أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ قَالَا فِي قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97] : " الرَّجُلُ يُصِيبُ الْحَدَّ ثُمَّ يَدْخُلُهُ , فَلَا يُبَايَعُ , وَلَا يُجَالَسُ , وَلَا يُؤْوَى , وَلَا يُكَلَّمُ , حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ , فَيُتْبَعَ فَيُؤْخَذَ , فَيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ " قَالَ: وَقَالَ لِي عَطَاءٌ: " إِنْ قَذَفَ فِيهِ أَوْ سَرَقَ , أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ , وَإِذَا صَنَعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ , ثُمَّ لَجَأَ , يَعْنِي إِلَيْهِ , لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ "

وَكَمَا حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ , عَنْ عَطَاءٍ ,

عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " لَوْ وَجَدْتُ قَاتِلَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي الْحَرَمِ مَا هِجْتُهُ " فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ خَالَفَهُمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي ذَلِكَ , وَكَانَ مِنْهُ.

فَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ , عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ , عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: " كَانَ سَعِيدٌ مَوْلَى مُعَاوِيَةَ , وَأَصْحَابٌ لَهُ فِي الطَّائِفِ مُتَحَصِّنِينَ فِي قَلْعَةٍ , فَاسْتُنْزِلُوا مِنْهَا , فَانْطُلِقَ بِهِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ بِمَكَّةَ , فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: " مَا تَرَى فِي هَؤُلَاءِ النَّفَرِ؟ " , فَقَالَ: " أَرَى أَنْ تُخَلِّيَ سَبِيلَهُمْ , فَإِنَّهُمْ قَدْ أَمِنُوا إِذْ أَدْخَلْتَهُمُ الْحَرَمَ " , فَقَالَ: " لَا , نُخْرِجُهُمْ مِنَ الْحَرَمِ , ثُمَّ نَقْتُلُهُمْ " , قَالَ: " فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تُدْخِلَهُمْ " , فَأَخْرَجَهُمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَصَلَبَهُمْ , فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " لَوْ لَقِيتُ قَاتِلَ أَبِي فِي الْحَرَمِ مَا هِجْتُهُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ " فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ

لَمْ يَكُنْ مِنْهُ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَنَّ الْحَرَمَ قَدْ أَجَارَ الْقَوْمَ الَّذِينَ أُدْخِلُوهُ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ , وَلَكِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ أَنْ يُخْرَجُوا مِنْهُ , فَيُقَامَ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِهِ , فَكَانَ بِمَذْهَبِهِ أَنْ لَا يُقَامَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِيهِ مُوَافِقًا لِابْنِ عَبَّاسٍ , وَكَانَ فِي قَوْلِهِ: أَنَّهُمْ يُخْرَجُونَ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ , مُخَالِفًا لَهُ فِي ذَلِكَ , وَكَانَ مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ أَوْلَى عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْآيَةَ تُوجُبُ ذَلِكَ وَهِيَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97] , وَكَانَ أُولَئِكَ النَّفْرُ قَدْ دَخَلُوهُ , فَأَمِنُوا بِدُخُولِهِمْ إِيَّاهُ , وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لَمْ يَجْعَلْ رُجُوعَهُمُ الْحَرَمَ أَمَانًا لَهُمْ , لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ دُخُولُهُمْ إِيَّاهُ بِاخْتِيَارِهِمْ لِذَلِكَ , وَإِنَّمَا كَانَ بِفِعْلِ غَيْرِهِمْ إِيَّاهُ بِهِمْ , لِأَنَّ دُخُولَهُمْ إِيَّاهُ بِاخْتِيَارِهِمْ طَلَبًا لِلْأَمَانِ بِهِ مِمَّا كَانُوا يَخَافُونَهُ , وَإِدْخَالُ غَيْرِهِمْ إِيَّاهُمْ إِيَّاهُ لَيْسَ فِيهِ طَلَبٌ مِنْهُمْ لِلْأَمَانِ بِهِ مِمَّا كَانُوا يَخَافُونَهُ , فَلَمْ يُؤَمِّنْهُمْ ذَلِكَ الدُّخُولُ مِمَّا كَانُوا يَخَافُونَهُ , فَيَعُودُ مَعْنَى مَا كَانَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ إِلَى مَا لَا خِلَافَ فِيهِ , لِمَا كَانَ مِنَ ابْنِ عُمَرَ , وَابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ.
فَقَالَ قَائِلٌ: إِنَّمَا كَانَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97] عَلَى الصَّيْدِ , لَا عَلَى مَا سِوَاهُ.
فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ قَوْلَهُ هَذَا جَهْلٌ شَدِيدٌ مِنْهُ بِاللُّغَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَ , لَكَانَتْ: وَمَا دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا؛ لِأَنَّ: مَنْ , لَا يَكُونُ إِلَّا لِبَنِي آدَمَ , وَيَكُونُ لِمَنْ سِوَاهُمْ مَكَانَهَا: مَا , كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: 3] , فِي أَمْثَالٍ لِهَذَا فِي الْقُرْآنِ يَطُولُ ذِكْرُهَا , وَكَانَتْ: مَنْ , مُسْتَعْمَلَةً فِي بَنِي آدَمَ كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ [البقرة: 126] , وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: 68] , وَكَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب: 30] , وَأَشْبَاهٌ لِهَذَا كَثِيرَةٌ , إِلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا جَاءَ فِي بَنِي آدَمَ اسْتِعْمَالُ: مَا , مَكَانَ: مَنْ , مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: 3] , فِي مَعْنَى: وَوَالِدٍ وَمَنْ وَلَدَ , فَكَانَتْ: مَا , قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي بَنِي آدَمَ مَكَانَ: مَنْ , وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَقِلُّ اسْتِعْمَالُهُمْ إِيَّاهُ , وَلَمْ يَكُونُوا يَسْتَعْمِلُونَ فِي غَيْرِ بَنِي آدَمَ: مَنْ , مَكَانَ: مَا , فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ , فَلَمَّا كَانَتْ: مَنْ , لِبَنِي آدَمَ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ , كَانَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97] عَلَى بَنِي آدَمَ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ , وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ قَدْ قَالَ بِهِ بَعْدَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ , وَأَبُو يُوسُفَ , وَمُحَمَّدٌ , وَزُفَرُ.
كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ , عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ بِذَلِكَ , وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا

وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيُّ , عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ , عَنْ زُفَرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
قَالَ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: " لَا يُجِيرُ الْحَرَمُ ظَالِمًا " وَكَانَ الْقَوْلُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ , وَزُفَرُ , وَمُحَمَّدٌ , مِمَّا وَافَقَهُمْ أَبُو يُوسُفَ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ لَمَّا , قَدْ تَقَدَّمَهُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ , وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ , وَمِمَّا وَافَقَهُمَا فِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى مَا وَافَقَهُمَا فِيهِ مِنْهُ , وَلَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ خِلَافًا لَهُمْ , وَالْقُرْآنُ نَزَلَ بَلُغَتِهِمْ , وَهُمُ الْعَالِمُونَ بِمَا خُوطِبُوا بِهِ فِيهِ , وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.

جارٍ التحميل