شرح مشكل الآثاربَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى لُزُومِ الْكَفَالِاتِ بِالْأَنْفُسِ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى لُزُومِ الْكَفَالِاتِ بِالْأَنْفُسِ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطحاوي
الكتاب
شرح مشكل الآثار
المؤلف
أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
الناشر
مؤسسة الرسالة
الطبعة
الأولى - 1415 هـ، 1494 م
عدد الأجزاء
16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

4463 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَسَرَتْ ثَقِيفٌ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَمُرَّ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُوثَقٌ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: عَلَى مَا أُحْبَسُ؟، فَقَالَ: " لِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ " قَالَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَادَاهُ فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْأَسِيرُ: إِنِّي مُسْلِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ، لَأَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ " ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَادَاهُ أَيْضًا، فَأَقْبَلَ، فَقَالَ: إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هَذِهِ حَاجَتُكَ " ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَاهُ بِالرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَتْ ثَقِيفٌ أَسَرَتْهُمَا

4464 - وَحَدَّثَنَا فَهْدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: كَانَتِ الْعَضْبَاءُ لِرَجُلٍ مِنْ عَقِيلٍ أُسِرَ، فَأُخِذَتِ الْعَضْبَاءُ مِنْهُ، فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، عَلَى مَا تَأْخُذُونَنِي وَتَأْخُذُونَ سَابِقَةَ الْحَاجِّ وَقَدْ أَسْلَمْتُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ لَأَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ " فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " آخُذُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ " وَكَانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ أَسَرَتْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي، وَظَمْآنُ فَاسْقِنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "

هَذِهِ حَاجَتُكَ " ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ فُدِيَ بِالرَّجُلَيْنِ وَحَبَسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَضْبَاءَ لِرَحْلِهِ فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فَوَجَدْنَا فِيهِ مَا قَدْ دَلَّنَا عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانَ مِنْهُمْ ذَلِكَ الْأَسِيرُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَانٌ وَلَا مُوَادَعَةٌ لِاحْتِبَاسِهِ الرَّاحِلَةَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْبِسَهَا إِلَّا لِأَنَّهُ لَا أَمَانَ وَلَا مُوَادَعَةَ كَانَتَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهَا، وَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وُقُوفُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِسْلَامِ ذَلِكَ الْأَسِيرِ، وَتَرْكُهُ رَفْعَ الْأَسْرِ عَنْهُ بِإِسْلَامِهِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ فِي هَذَا لَا يَرْفَعُ وَاجِبًا قَبْلَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَسِيرَ لَوْ كَانَ كِتَابِيًّا، وَكَانَ يُسْتَرَقُّ لَوْ لَمْ يُسْلِمْ أَنَّهُ يُسْتَرَقُّ وَإِنْ أَسْلَمَ، وَأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَرْفَعُ عَنْهُ إِلَّا الْقَتْلَ خَاصَّةً، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ الْأَسِيرُ لَمْ يَرْفَعْ عَنْهُ إِسْلَامُهُ الَّذِي كَانَ مِنْهُ الْحَبْسَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِهِ، وَهُمْ غَيْرُهُ، وَأَنَّهُ لَا يُرَدُّ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ حَتَّى يَرُدُّوا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَسَرُوهُمَا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ لِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حُلَفَائِهِ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْحَرْبِ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِمَا كَانَ مَأْخُوذًا بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُوجِبْهُ عَلَى نَفْسِهِ إِنَّمَا أَوْجَبَتْهُ عَلَيْهِ الشَّرِيعَةُ، كَانَ لَوْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ تَخْلِيصِ مَنْ أُسِرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ

عَلَيْهِ أَوْجَبَ، وَفِي الْحُكْمِ لَهُ أَلْزَمَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، كَانَتْ مِثْلَهُ الْكَفَالِاتُ بِالْأَنْفُسِ إِذَا أَوْجَبَهَا بَعْضُ النَّاسِ عَلَى نَفْسِهِ تَجِبُ كَذَلِكَ كَمَا كَانَ الْكُوفِيُّونَ وَالْمَدَنِيُّونَ جَمِيعًا يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَكَمَا كَانَ الشَّافِعِيُّ يَذْهَبُ إِلَيْهِ فِيهِ غَيْرَ أَنَّهُ ضَعَّفَهَا مَرَّةً وَلَمْ يُبْطِلْهَا، فَجِئْنَا بِمَا جِئْنَا بِهِ مِمَّا ذَكَرْنَا لِنَعْلَمَ قُوَّتَهَا، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ ضَعْفُهَا مِنْ جِهَةٍ، وَكَيْفَ يُضَعَّفُ مَا قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَدْ ذَكَرْنَا؟ وَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا تَوْلِيَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النُّقَبَاءَ عَلَى الْأَنْصَارِ وَهُمُ الْأُمَنَاءُ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ إِلَيْهِ مَا يَكُونُ مِنْهُمْ مِمَّا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ الْحَمْدَ عَلَيْهِ، وَمِمَّا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ الذَّمَّ عَلَيْهِ، وَكَانُوا عَلَيْهِ وَكَانُوا مَأْخُوذِينَ بِذَلِكَ، فَهُمْ كَالْكُفَلَاءِ بِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي مَغَازِيهِ:

4465 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْأَنْصَارِ: " إِنِّي أُوَلِّي عَلَيْكُمْ نُقَبَاءَ يَكُونُونَ عَلَيْكُمْ كَنُقَبَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كُفَلَاءَ "

وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ حَقَّقَ الْكَفَالَةَ بِالْأَنْفُسِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ يَحْتَجُّ بِالْمَغَازِي، وَيَجْعَلُهَا حُجَّةً عَلَى مُخَالِفِهِ، وَقَدْ وَجَدْنَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُوجِبُ ثُبُوتَهَا، وَمِنْ ذَلِكَ:

مَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا عَلَى سَعْدِ هُذَيْمٍ، فَأُتِيَ حَمْزَةُ بِمَالٍ لِيُصَدِّقَهُ، فَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ: أَدِّي صَدَقَةَ مَالِ مَوْلَاكِ، وَإِذَا الْمَرْأَةُ تَقُولُ لَهُ: بَلْ أَنْتَ فَأَدِّ صَدَقَةَ مَالِ أَبِيكَ، فَسَأَلَ حَمْزَةُ عَنْ أَمْرِهِمَا وَقَوْلِهِمَا، فَأُخْبِرَ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ زَوْجُ تِلْكَ الْمَرْأَةِ، وَأَنَّهُ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةٍ لَهَا فَوَلَدَتْ وَلَدًا فَأَعْتَقَتْهُ امْرَأَتُهُ، قَالُوا: فَهَذَا الْمَالُ لِأَبِيهِ مِنْ جَارِيتِهَا، فَقَالَ حَمْزَةُ: لَأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكَ، فَقِيلَ لَهُ: أَصْلَحَكَ اللهُ، إِنْ أَمْرَهُ قَدْ رُفِعَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَجَلَدَهُ عُمَرُ مِائَةً وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ الرَّجْمَ، فَأَخَذَ حَمْزَةُ بِالرَّجُلِ كَفِيلًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فَسَأَلَهُ عَمَّا ذَكَرَ مِنْ جَلْدِ عُمَرَ إِيَّاهُ وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ الرَّجْمَ، فَصَدَّقَهُمْ عُمَرُ بِذَلِكَ، وَقَالَ: " إِنَّمَا دَرَأَ عَنْهُ الرَّجْمَ؛

لِأَنَّهُ عَذَرَهُ بِالْجَهَالَةِ "

وَمِنْ ذَلِكَ: مَا قَدْ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَزَرِيُّ الْمَيَافَارِقِينِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَبُو الْحُسَيْنِ الرَّهَاوِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ الْغَدَاةَ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ رَجُلٌ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، فَوَاللهِ لَقَدْ بِتُّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ وَمَا فِي نَفْسِي عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَنَّةٌ، وَإِنِّي كُنْتُ اسْتَطْرَقْتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ لِفَرَسِي، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِغَلَسٍ، وَإِنِّي أَتَيْتُهُ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي حَنِيفَةَ مَسْجِدِ عَبْدِ اللهِ بْنِ النَّوَّاحَةِ، سَمِعْتُ مُؤَذِّنَهُمْ وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللهِ، فَاتَّهَمْتُ سَمْعِي، وَكَفَفْتُ الْفَرَسَ حَتَّى سَمِعْتُ أَهْلَ الْمَسْجِدِ اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ " فَمَا كَذَّبَهُ عَبْدُ اللهِ، وَقَالَ: مَنْ هَاهُنَا؟ فَقَامَ رِجَالٌ، فَقَالَ: " عَلَيَّ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ النَّوَّاحَةِ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ حَارِثَةُ: فَجِيءَ بِهِمْ وَأَنَا جَالِسٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ لِابْنِ النَّوَّاحَةِ: " وَيْلَكَ، أَيْنَ مَا كُنْتَ تَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ؟ " قَالَ: كُنْتُ أَتَّقِيكُمْ بِهِ، قَالَ لَهُ: " تُبْ "، فَأَبَى فَأَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللهِ قَرَظَةَ بْنَ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيَّ، فَأَخْرَجَهُ إِلَى السُّوقِ فَجَلَدَ رَأْسَهُ، قَالَ حَارِثَةُ: فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ يَقُولُ: " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ النَّوَّاحَةِ قَتِيلًا بِالسُّوقِ، فَلْيَخْرُجْ، فَلْيَنْظُرْ إِلَيْهِ "، قَالَ حَارِثَةُ: فَكُنْتُ فِيمَنْ خَرَجَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللهِ اسْتَشَارَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَقِيَّةِ

النَّفَرِ فَقَامَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، فَثُؤْلُولٌ مِنَ الْكُفْرِ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فَاحْسِمْهُ، فَلَا يَكُونُ بَعْدَهُ شَيْءٌ "، وَقَامَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَا: بَلِ اسْتَتِبْهُمْ، وَكَفِّلْهُمْ عَشَائِرَهُمْ، فَاسْتَتَابَهُمْ فَتَابُوا، وَكَفَّلَهُمْ عَشَائِرَهُمْ، وَنَفَاهُمْ إِلَى الشَّامِ فَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ اسْتِعْمَالُ عَبْدِ اللهِ الْكَفَالَةَ بِالْأَنْفُسِ بِمَشُورَةِ مَنْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِهَا، وَبِحُضُورِ مَنْ حَضَرَهَا، فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ فِيهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مُتَابَعَتِهِمْ إِيَّاهُ عَلَيْهِ، وَمَا جَاءَ هَذَا الْمَجِيءَ كَانَ بِالْقُوَّةِ أَوْلَى، وَبِنَفْيِ الضَّعْفِ عَنْهُ أَحْرَى، وَاللهُ أَعْلَمُ.

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي السَّبَبِ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾

[المائدة: 42]

4466 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ، قَالَ: كَانَ إِذَا قَتَلَ بَنُو النَّضِيرِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ قَتِيلًا، أَدُّوا نِصْفَ الدِّيَةِ، وَإِذَا قَتَلَ بَنُو قُرَيْظَةَ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ قَتِيلًا أَدُّوا الدِّيَةَ إِلَيْهِمْ "، قَالَ: " فَسَوَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ فِي الدِّيَةِ "

4467 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ الْأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " إِنَّ الْآيَاتِ فِي الْمَائِدَةِ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: 42] إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي الدِّيَةِ بَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَبَنِي النَّضِيرِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَتْلَى بَنِي النَّضِيرِ وَكَانَ لَهُمْ شَرَفٌ يُؤَدُّونَ الدِّيَةَ كَامِلَةً، وَإِنَّ قُرَيْظَةَ كَانُوا يُؤَدُّونَ نِصْفَ الدِّيَةِ، فَتَحَاكَمُوا فِي ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ فِيهِمْ فَحَمَلَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْحَقِّ، فَجَعَلَ الدِّيَةَ سَوَاءً، وَاللهُ أَعْلَمُ أَيُّ فِي ذَلِكَ كَانَ؟ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي رَدَّهُ مَنْ كَانَ يَأْخُذُ الدِّيَةَ كَامِلَةً مِنَ الْفَرِيقَيْنِ إِلَى نِصْفِ الدِّيَةِ الَّتِي كَانَ يَأْخُذُهَا الْفَرِيقُ الْآخَرُ، أَوْ مِنْ رَدِّهِ مَنْ كَانَ يَأْخُذُ نِصْفَ الدِّيَةِ إِلَى جَمِيعِ الدِّيَةِ الَّتِي كَانَ يَأْخُذُهَا الْفَرِيقُ الْآخَرُ، فَقَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ رَوَيْتُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ نُزُولَ

هَذَا الْمَعْنَى فِي خِلَافِ مَا ذَكَرَ نُزُولَهُ فِيهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.

4468 - وَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ يَعْنِي ابْنَ مُوسَى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " كَانَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ، وَكَانَتِ النَّضِيرُ أَشْرَفَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَكَانَ إِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ رَجُلًا مِنْ بَنِي النَّضِيرِ قُتِلَ بِهِ، وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ أَدَّوْا مِائَةَ وَسْقِ تَمْرٍ، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ رَجُلًا مِنْ بَنِي النَّضِيرِ، فَقَالُوا: ادْفَعُوهُ إِلَيْنَا نَقْتُلْهُ، فَقَالُوا: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَوْهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] ، وَالْقِسْطُ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: 50] "

4469 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ قَالَ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ نُزُولَ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ فِي الْقِصَاصِ لَا فِي الدِّيَةِ، وَهَذَا اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ.
فَكَانَ جَوَابَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْمُ اخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا مِنْ دِيَاتِ قَتْلَاهُمُ الْمَقْتُولِينَ الْقَتْلَ الَّذِي لَا يُوجِبُ الْقَوَدَ، وَمِنَ الْقِصَاصِ بِقَتْلَاهُمُ الْقَتْلَ الَّذِي يُوجِبُ الْقَوَدَ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ فِي السَّبَبَيْنِ جَمِيعًا، فَسَوَّى بَيْنَهُمْ فِي الدِّيَاتِ، وَسَوَّى بَيْنَهُمْ فِي تَكَافُؤِ الْأَنْفُسِ، وَوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِيهَا، وَقَدْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ دِيَاتِ الْمُعَاهَدِينَ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ

بِمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ صَدَقَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: " قَضَى عُثْمَانُ فِي دِيَةِ الْمُعَاهِدِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ "

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَصَدَقَةُ هَذَا هُوَ صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ، وَيُقَالَ: إِنَّ أَصْلَهُ مِنْ خُرَاسَانَ فَسَكَنَ الْمَدِينَةَ، وَقَطَنَهَا، وَأَخَذَ النَّاسُ عَنْهُ، فَمِمَّنْ أَخَذَ عَنْهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُ، فَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ عَلَى هَذَا الْقَائِلِ فِي هَذَا الْمَعْنَى لِمُخَالَفَتِهِ فِيهِ مَا قَدْ رُوِيَ، عَنْ عُثْمَانَ فِي دِيَاتِ الْمُعَاهَدِينَ مِمَّا يُخَالِفُ مَالِكًا

كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ مُوسَى، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْعَثْرِيُّ، وَيَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ مُسْلِمًا قَتَلَ كَافِرًا مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ " فَقَضَى عَلَيْهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بِدِيَةِ الْمُسْلِمِ " وَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ فِيَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عُثْمَانَ أَوْلَى مِمَّا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَنْهُ، إِذْ مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ إِنَّمَا هُوَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ عُثْمَانَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ مِنْ قَوْلِهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى

مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ هُودَ الْوَاسِطِيُّ،

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: " دِيَةُ كُلِّ مُعَاهَدٍ فِي عَهْدِهِ أَلْفُ دِينَارٍ " ثُمَّ قَدْ وَافَقَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ.

كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي سَمِينَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: " دِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ "

وَكَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: " دِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ سَوَاءٌ " هَكَذَا فِي كِتَابِي

وَكَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ، قَالَا: " دِيَةُ الْمُسْلِمِ وَالنَّصْرَانِيِّ سَوَاءٌ " وَكَانَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي بَدَأْنَا بِرِوَايَتِنَا إِيَّاهُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى نَفْيِ حَدِيثِ سَعِيدٍ عَنْ عُثْمَانَ فِي دِيَةِ الْمُعَاهِدِ أَنَّهَا أَرْبَعَةُ آلَافٍ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمَلَهُمْ عَلَى الْحَقِّ، فَجَعَلَ الدِّيَةَ سَوَاءً، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رَدَّ الدِّيَةَ لَهُمْ جَمِيعًا إِلَى الدِّيَةِ كَامِلَةً، أَوْ رَدَّ الدِّيَةَ كَامِلَةً إِلَى نِصْفِ الدِّيَةِ، فَفِي ذَلِكَ نَفْيُ الْأَرْبَعَةِ آلَافٍ أَنْ تَكُونَ دِيَةً لِلْمُعَاهَدِ،

ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى كَشْفِ الْمَعْنَى فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ، فَوَجَدْنَا اللهَ تَعَالَى قَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ ، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فِدْيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] ، فَكَانَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ فِيمَا تَلَوْنَا مِنْ قَتْلِ الْمُؤْمِنِ خَطَأً الدِّيَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَتَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِيهَا، ثُمَّ جَعَلَ فِيمَنْ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ الدِّيَةَ وَالْكَفَّارَةَ أَيْضًا، فَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْكَفَّارَةِ الْوَاجِبَةِ فِيهِمَا، فَكَانَ مَعْقُولًا بِذَلِكَ أَنْ يَسْتَوِيَا جَمِيعًا فِي الدِّيَةِ إِذْ كَانَ الْخِطَابُ بِالْوَاجِبِ فِي الْمُسْلِمِ الْمَقْتُولِ خَطَأً، وَفِي ذِي الْمِيثَاقِ الْمَقْتُولِ خَطَأً سَوَاءً، وَلَمْ نَجِدْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ حَدِيثٍ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فِيهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو

4470 - كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " عَقْلُ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ عَقْلِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى "

فَإِنْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتًا فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللهِ تَعَالَى الدِّيَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي ذِي الْمِيثَاقِ مَا هِيَ؟ وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ كَانَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى تُسَاوِي الْمُسْلِمِينَ وَذَوِي الْعُهُودِ فِي الدِّيَاتِ، وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِالتَّسَاوِي فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِمْ نِصْفُ الدِّيَةِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، وَمِنَ الْقَائِلِينَ فِي دِيَاتِهِمْ أَنَّهَا أَرْبَعَةُ آلَافٍ الشَّافِعِيُّ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي ذَلِكَ:

مَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ السَّقَطِيُّ، حَدَّثَنَا الْأُوَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ " يَجْعَلُونَ دِيَةَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إِذَا كَانُوا مُعَاهَدِينَ مِثْلَ دِيَةِ الْمُسْلِمِ "

فَفِي هَذَا أَيْضًا مَا قَدْ وَكَّدَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الَّذِينَ سَوَّوْا بَيْنَ الدِّيَاتِ فِي الْمُسْلِمِينَ وَالْمَعَاهَدِينَ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.

جارٍ التحميل