بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ فِي الْحُرُوفِ الْمُتَّفِقَةِ فِي الْخَطِّ، الْمُخْتَلِفَةِ فِي اللَّفْظِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطحاوي
- الكتاب
- شرح مشكل الآثار
- المؤلف
- أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
- الناشر
- مؤسسة الرسالة
- الطبعة
- الأولى - 1415 هـ، 1494 م
- عدد الأجزاء
- 16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
3120 - حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " عَلَى أَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ تَقْرَأُ؟ "، قُلْتُ: عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: " بَلْ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ هِيَ الْآخِرَةُ، إنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْرِضُ عَلَى نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَرَضَهُ مَرَّتَيْنِ، فَشَهِدَ عَبْدُ اللهِ مَا نُسِخَ مِنْهُ وَمَا بُدِّلَ ".
3121 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: " فَتِلْكَ الْقِرَاءَةُ الْآخِرَةُ "
3122 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنَا إسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: " أَيَّ الْقِرَاءَتَيْنِ تَرَوْنَ آخِرًا؟ " قَالُوا: قِرَاءَةَ زَيْدٍ، قَالَ: " لَا، إنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْرِضُ الْقِرَاءَةَ عَلَى جِبْرِِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّنَةُ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا عَرَضَهُ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، فَشَهِدَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَكَانَتْ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللهِ آخِرًا ". قَالَ: ثُمَّ وَجَدْنَا أَهْلَ الْقِرَاءَةِ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَشْيَاءَ مِمَّا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ عَلَيْهَا مِمَّا هِيَ فِي الْخَطِّ مُؤْتَلِفَةٌ , وَفِي أَلْفَاظِهِمْ بِهَا مُخْتَلِفَةٌ، مِنْهَا
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: 94] . وَفِي قِرَاءَةِ غَيْرِهِ مِنْهُمْ: (فَتَثَبَّتُوا) ، وَمِنْهَا قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] فِي قِرَاءَةِ بَعْضِهِمْ , وَفِي قِرَاءَةِ غَيْرِهِ: (فَتَثَبَّتُوا) . وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لِنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ [العنكبوت: 58] فِي قِرَاءَةِ بَعْضِهِمْ، وَفِي قِرَاءَةِ غَيْرِهِ مِنْهُمْ: (لَنُثْوِيَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا) . وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَانْظُرْ إلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِرُهَا) فِي قِرَاءَةِ بَعْضِهِمْ، وَفِي قِرَاءَةِ غَيْرِهِ مِنْهُمْ: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة: 259] .
وَمِنْهَا أَمْثَالُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ كَمَا قَدْ قَرَأَهَا أَهْلُ الْقِرَاءَاتِ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا , وَلَمْ يُعَنِّفْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي خِلَافِهِ إيَّاهُ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بَعْدَ وُقُوفِهِمْ عَلَى مَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ الْمَصَاحِفُ الَّتِي تَوَلَّى اكْتِتَابَهَا مَنْ قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا بِأَمْرِ مَنْ كَانَ أَمَرَ بِذَلِكَ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَمِنْ حُضُورِ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ نَقَلُوا إلَيْنَا عَنْهُ الْإِسْلَامَ وَشَرَائِعَهُ وَأَحْكَامَهُ الَّتِي قَدْ قَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْنَا بِهَا , وَكَانَ مَنْ خَرَجَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا إلَى خِلَافِهِ مَارِقًا , وَمَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِنْهَا كَانَ بِهِ كَافِرًا، وَكَانَ عَلَيْنَا اسْتِتَابَتُهُ وَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ , وَإِلَى الْإِقْرَارِ بِمَا كَانَ جَحَدَهُ , وَإِلَى لُزُومِ مَا قَدْ كَانَ عَلَيْهِ لُزُومُهُ قَبِلْنَا ذَلِكَ مِنْهُ , وَإِنْ تَمَادَى عَلَى مَا صَارَ إلَيْهِ وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى مَا دَعَوْنَاهُ إلَيْهِ قَتَلْنَاهُ كَمَا نَقْتُلُ سَائِرَ الْمُرْتَدِّينَ.
وَكَانَتِ الْحُرُوفُ الَّتِي ذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ فِي قِرَاءَتِهِمْ إيَّاهَا إنَّمَا تُوَصِّلُ إلَى حَقَائِقِهَا لَوْ كَانَتِ الْمَصَاحِفُ الْمُكْتَتَبُ ذَلِكَ فِيهَا قَدِ اسْتُعْمِلَ فِيهَا نَقْطُهَا أَوْ شَكْلُهَا حَتَّى يُبَيِّنَ كُلَّ حَرْفٍ مِنْهَا عَنْ غَيْرِهِ مِمَّا هُوَ مِثْلُهُ فِي الْخَطِّ وَخِلَافُهُ فِي اللَّفْظِ , وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَتَبُوهَا رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ تَرَكُوا ذَلِكَ كَرَاهَةً مِنْهُمْ أَنْ يَخْلِطُوا بِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ غَيْرَهُ، حَتَّى كَرِهَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ كِتَابَ فَوَاتِحِ السُّوَرِ، وَالتَّعْشِيرَ، وَالتَّخْمِيسَ , وَآرَاؤُهُمْ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ , وَالْقَوْلُ بِمَا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَاجِبٌ وَالْخُرُوجُ عَنْهُ غَيْرُ مَحْمُودٍ.
ثُمَّ احْتَمَلَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْأَلْفَاظِ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ حَضَرَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ بِهَا فَأَخَذَهَا عَنْهُ كَمَا سَمِعَهُ يَقْرَأُ بِهَا ثُمَّ عَرَضَ جَبْرَائِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فَبَدَّلَ بَعْضَهَا ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّاسِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي رَدَّ جَبْرَائِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ يَقْرَأُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ إلَى مَا قَرَأَهُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ، فَحَضَرَ مِنْ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَغَابَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ، فَقَرَأَ مَنْ حَضَرَ ذَلِكَ مَا قَرَأَ مِنْ تِلْكَ الْحُرُوفِ عَلَى الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ مَنْ حَضَرَ الْقِرَاءَةَ الْأُولَى وَغَابَ عَنِ الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ، فَلَزِمَ الْقِرَاءَةَ الْأُولَى , وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ كَمِثْلِ مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَحْكَامِ مِمَّا نَسَخَهُ اللهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِهِ بِمَا نَسَخَهُ بِهِ، وَمِمَّا وَقَفَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَعَلَى الْحُكْمِ الثَّانِي، فَصَارَ إلَى الْحُكْمِ الثَّانِي، وَغَابَ بَعْضُهُمْ عَنِ الْحُكْمِ الثَّانِي مِمَّنْ حَضَرَ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ وَعَلِمَهُ فَثَبَتَ عَلَى الْحُكْمِ الْأَوَّلِ , وَكَانَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ عَلَى فَرْضِهِ وَعَلَى مَا يُعْتَدُّ بِهِ فَمِثْلُ تِلْكَ الْحُرُوفِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا , وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ فِيهَا مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَكُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْهَا مَحْمُودٌ، وَالْقِرَاءَاتُ كُلُّهَا فَعَنِ اللهِ تَعَالَى لَا يَجِبُ تَعْنِيفُ مَنْ قَرَأَ بِشَيْءٍ مِنْهَا وَخَالَفَ مَا سِوَاهُ، وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا قَدِ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِيهِ فَزَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِيهِ مَا قَصَّرَ عَنْهُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ
3123 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ الْغُدَانِيُّ ح. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَا: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إسْرَائِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ عَنْ قِصَّةِ مُوسَى، وَالْخَضِرِ صَلَّى الله عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ أَنَّهُمَا بَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ إذَا أَبْصَرَ الْخَضِرُ غُلَامًا يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَ الْخَضِرُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَأْسِهِ فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: 74] . ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ حَتَّى انْتَهَى مِنْهُ إلَى سُؤَالِ الْخَضِرِ مُوسَى صَلَّى الله عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ عَمَّا كَانَ مِنْهُ مِمَّا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ، وَإِلَى قَوْلِ الْخَضِرِ لَهُ: وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ".
قَالَ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: 74] وَقَدْ رُوِيَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِخِلَافِ هَذَا الْحَرْفِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيٍّ أَيْضًا.
3124 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ أَسْلَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ، حَدَّثَنِي رَقَبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ.
. . ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ مَكَانَ ﴿زَكِيَّةً﴾ [الكهف: 74] (زَاكِيَةً)
3125 - وَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى الطَّائِيُّ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ عَنْ رَقَبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ: " الْغُلَامُ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ كَافِرًا، وَلَوْ أَدْرَكَ لَأَرْهَقَ أَبَوَاهُ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي " زَكِيَّةٍ " وَفِي " زَاكِيَةٍ " عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِ " زَاكِيَةً " لَا، بِ " زَكِيَّةً ".
3126 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ مَكَانَ " زَكِيَّةً " فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ " زَاكِيَةً "
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْحَرْفُ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَاتِهِمْ إيَّاهُ، فَقَرَأَ بَعْضُهُمْ بِ ﴿زَكِيَّةً﴾ [الكهف: 74] فَمِمَّنْ قَرَأَ مِنْهُمْ كَذَلِكَ فِيمَا أَجَازَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ: عَاصِمٌ وَالْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ.
وَمِمَّنْ قَرَأَهُ مِنْهُمْ (زَاكِيَةً) فِيمَا أَجَازَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَيْضًا: أَبُو جَعْفَرٍ، وَشَيْبَةُ، وَنَافِعٌ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالْقِرَاءَةُ عِنْدَنَا (زَاكِيَةً) ; لِأَنَّ أَبَا عَمْرٍو كَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فِي التَّأْوِيلِ وَيَقُولُ: " الزَّاكِيَةُ: الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ قَطُّ، وَالزَّكِيَّةُ الَّتِي قَدْ أَذْنَبَتْ ثُمَّ غُفِرَ لَهَا، وَإِنَّمَا كَانَ الْخَضِرُ قَتَلَهُ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغِ الْحِنْثَ ". قَالَ: أَبُو عُبَيْدٍ فِي هَذِهِ الْإِجَازَةِ: وَكَانَ الْكِسَائِيُّ يَرَاهُمَا لُغَتَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَكَانَ مَا قَالَهُ الْكِسَائِيُّ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَوْلَى مِمَّا قَالَهُ أَبُو عَمْرٍو فِيهِ مِمَّا وَافَقَهُ عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ، ثُمَّ نَعُودُ قَائِلِينَ لِأَبِي عُبَيْدٍ فَنَقُولُ لَهُ: أَمَّا هَذَا الْمَقْتُولُ , وَإِنْ كَانَ قَدْ سُمِّيَ غُلَامًا فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى غُلَامًا وَهُوَ بَالِغٌ , وَأَمَّا مَا فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ: " وَلَوْ أَدْرَكَ أَرْهَقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا " فَقَدْ يَكُونَ ذَلِكَ الْإِدْرَاكُ الِاحْتِلَامَ , وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خِلَافَهُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِالْأَشْيَاءِ الْمَذْمُومَةِ الَّتِي يُرْهِقُ أَبَوَيْهِ بِهَا الطُّغْيَانَ وَالْكُفْرَ.
وَفِي الْآيَةِ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ بَالِغًا، وَهُوَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ
حِكَايَةً عَنْ نَبِيِّهِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خِطَابِهِ لِنَبِيِّهِ الْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف: 74] أَيْ أَنَّهَا لَوْ قَتَلَتْ نَفْسًا لَكَانَتْ مُسْتَحِقَّةً لِقَتْلِهَا بِهَا، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا وَقَدْ تَقَدَّمَ بُلُوغُهَا، وَصَارَتْ زَكَاتُهَا بِطَهَارَتِهَا، وَقَدْ شَدَّ ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي قِصَّةِ مَرْيَمَ: ﴿لِأَهَبَ لَكَ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: 19] أَيْ: طَاهِرًا، فَوَصْفُهُ أَنَّهُ زَكِيُّ بِغَيْرِ ذَنْبٍ كَانَ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى غَفَرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا يَجِبُ بِهِ فَسَادُ مَا قَالَهُ أَبُو عَمْرٍو فِي تَفْرِيقِهِ بَيْنَ الزَّكِيَّةِ وَالزَّاكِيَةِ، وَفِي تَثْبِيتِ مَا قَالَهُ الْكِسَائِيُّ إنَّهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ،
وَالْعَرَبُ قَدْ تَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا فَتَقُولُ: الْقَاصِي وَالْقَصِيُّ، وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الْأَعْرَابِ فِي خِطَابِهِ لِزَوْجَتِهِ فِي وَلَدٍ وَلَدَتْهُ فَأَنْكَرَهُ: [البحر الرجز]
لَتَقْعُدِنَّ مَقْعَدَ الْقَصِيِّ
أَوْ تَحْلِفِي بِرَبِّكِ الْعَلِيٍّ
أَنِّي أَبُو ذَيَّالِكِ الصَّبِيِّ
يُرِيبُنِي بِالْمَنْظَرِ التُّرْكِيِّ
وَمُقْلَةٍ كَمُقْلَةِ الْكُرْكِيِّ
يُرِيدُ بِالْقَصِيِّ الْقَاصِيَ، وَيُرِيدُ بِالْعَلِيِّ الْعَالِيَ.
فَقَالَ قَائِلٌ: فَفِيمَا قَدْ ذَكَرْتُهُ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ زِيَادَةُ حَرْفٍ فِي الْخَطِّ، وَهِيَ الْأَلِفُ الْمَوْجُودَةُ فِي (زَاكِيَةً) الْمَفْقُودَةُ فِي ﴿زَكِيَّةً﴾ [الكهف: 74] ، فَكَيْفَ جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي الْمَصَاحِفِ الَّتِي قَدْ ذَكَرْتَهَا؟، فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي (زَاكِيَةٍ) وَ (زَكِيَّةٍ) لَيْسَ حِكَايَةً عَنِ الْقُرْآنِ، وَلَكِنَّهُ حِكَايَةٌ
عَنْ كَلَامِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِمَا كَلَّمَهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ لِسَانُ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافَ لِسَانِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي أُنْزِلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِ، وَكَانَ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ (زَاكِيَةً) وَمِنْ ﴿زَكِيَّةً﴾ [الكهف: 74] حِكَايَةً عَمَّا كَانَ مِنْ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا خَاطَبَهُ بِهِ الْخَضِرُ فِي ذَلِكَ، وَالْحِكَايَاتُ بِالْأَلْسُنِ عَنِ الْأَلْسُنِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ تِلْكَ الْأَلْسُنِ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُحْكَى بِالْأَلْفَاظِ الْمُخْتَلِفَةِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ فِيمَا حَكَاهُ عَنْ نَبِيِّهِ زَكَرِيَّا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جَوَابِهِ إيَّاهُ لَمَّا سَأَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ آيَةً فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41] وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: 10] . إخْبَارٌ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ، ذَكَرَهُ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ بِاللَّيَالِي الَّتِي تَدْخُلُ فِيهَا أَيَّامُهَا، وَفِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ بِالْأَيَّامِ الَّتِي تَدْخُلُ فِيهَا لَيَالِيهَا، فَمِثْلُ ذَلِكَ حِكَايَتُهُ عَنْ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَصْفِ الْغُلَامِ الْمَقْتُولِ بِالْحَالِ الَّتِي كَانَ عِنْدَهُ عَلَيْهَا بِأَنَّهُ زَكِيُّ فِي مَعْنَى زَاكِي، وَبِأَنَّهُ زَاكِي فِي مَعْنَى زَكِيٍّ، ثُمَّ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْقِرَاءَةِ هُوَ الْمَوْجُودُ فِي الْمَصَاحِفِ مِنْهَا، فَفِي بَعْضِهَا إثْبَاتُ الْأَلِفِ، وَفِي بَعْضِهَا سُقُوطُ الْأَلِفِ , فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَاسِعٌ , وَأَنَّ مَا قُرِئَ بِهِ مِنْ تِلْكَ اللَّفْظَتَيْنِ وَاسِعٌ غَيْرُ مُعَنَّفٍ مَنْ مَالَ إلَى وَاحِدَةٍ مِنَ الْكَلِمَتَيْنِ وَتَرَكَ الْأُخْرَى، وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ