بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي السَّبَبِ الَّذِي نَزَّلَ قَوْلهُ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطحاوي
- الكتاب
- شرح مشكل الآثار
- المؤلف
- أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
- الناشر
- مؤسسة الرسالة
- الطبعة
- الأولى - 1415 هـ، 1494 م
- عدد الأجزاء
- 16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو قُرَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرُّعَيْنِيُّ، حَدَّثَنَا أَصْبُغُ بْنُ الْفَرَجِ وَأَبُو زَيْدِ بْنُ أَبِي الْغِمْرِ قَالَا: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنْهُ , يَعْنِي وَطْءَ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ "
فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ: أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ نَاحِيَةِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ مَا يُخَالِفُ هَذَا
كَمَا حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُرَادُيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَبِي الْحُبَابِ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: مَا تَقُولُ فِي الْجَوَارِي أُحَمِّضُ لَهُنَّ، قَالَ: وَمَا التَّحْمِيضُ، فَذَكَرْتُ الدُّبُرَ، فَقَالَ: وَهَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ " فَهَذَا ابْنُ عُمَرَ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ ضِدُّ مَا ذَكَرْتَ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، كَانَ كَأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ فِيهِ، وَلَقَدْ قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْمَرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، وَذَكَرَ لَهُ عَنْ نَافِعٍ مَا حَكَى عَنْهُ مِنْ إِبَاحَةِ وَطْءِ النِّسَاءِ فِي
أَدْبَارِهِنَّ، فَقَالَ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ نَافِعٌ بَعْدَمَا كَبُرَ، وَذَهَبَ عَقْلُهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَالِمٍ نَفْيُ ذَلِكَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا عَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّ أَبَاهُ سَأَلَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَنْ يُحَدِّثَهُ بِحَدِيثِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا فِي إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ، فَقَالَ سَالِمٌ: كَذَبَ الْعَبْدُ، أَوْ قَالَ: أَخْطَأَ، إِنَّمَا قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُؤْتَيْنَ فِي فُرُوجِهِنَّ مِنْ أَدْبَارِهِنَّ "
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: هَلْ رُوِيَ فِيهِ عَنْ غَيْرِ مَنْ ذَكَرْنَا شَيْءٌ، أَمْ لَا؟
6129 - فَوَجَدْنَا فَهْدًا قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ قَالَ: أَتَيْتُ حَفْصَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقُلْتُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنَّ أَسْأَلَكِ عَنْ شَيْءٍ، وَإِنِّي أَسْتَحْيِي مِنْكِ، فَقَالَتْ: سَلْ يَا ابْنَ أَخِي عَمَّا بَدَا لَكَ، قُلْتُ: عَنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ، قَالَتْ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ سَلَمَةَ، أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا لَا يُجَبُّونَ وَالْمُهَاجِرُونَ يُجَبُّونَ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: مَنْ جَبَّى خَرَجَ وَلَدُهُ أَحْوَلَ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ، نَكَحُوا نِسَاءَ الْأَنْصَارِ، فَنَكَحَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَجَبَّاهَا، فَأَبَتْ، فَأَتَتْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهَا، فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ أُمُّ سَلَمَةَ، فَاسْتَحْيَتِ الْأَنْصَارِيَّةُ، فَخَرَجَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ادْعِيهَا "، فَدَعَتْهَا، فَقَالَ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] " صِمَامًا وَاحِدًا "
فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدَّ مَا أُبِيحَ لَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ هُوَ مَا عَادَ إِلَى ذَلِكَ الصِّمَامِ، لَا إِلَى مَا سِوَاهُ.
ثُمَّ نَظَرْنَا: هَلْ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ غَيْرُ هَذِهِ الْآثَارِ؟
6130 - فَوَجَدْنَا فَهْدَ بْنَ سُلَيْمَانَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حَكِيمٍ الْأَثْرَمِ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ أَتَى حَائِضًا، أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ أَتَى كَاهِنًا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ "
6131 - وَكَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ،
لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ "
6132 - وَوَجَدْنَا رَوْحَ بْنَ الْفَرَجِ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّافِعِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا تَرَى فِي إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ؟ فَأَعْرَضَ، أَوْ سَكَتَ، وَقَالَ: هَذَا شَيْخٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَاسْأَلْهُ يَعْنِي عَبْدَ اللهِ بْنَ عَلِيِّ بْنِ السَّائِبِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: اللهُمَّ قَذَرٌ، وَلَوْ كَانَ حَلَالًا، قَالَ: حَدَّثَنِي، وَلَمْ يَكُنْ سَمِعَ فِيَ ذَلِكَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَقِيَ عَمْرَو بْنَ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ خُزَيْمَةَ بْنَ ثَابِتٍ الَّذِي
جَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهَادَتَهُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي آتِي امْرَأَتِي مِنْ دُبُرِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نَعَمْ "، قَالَهَا مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ: ثُمَّ فَطِنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: " فِي أَيِّ الْخُرْبَتَيْنِ، أَوْ فِي أَيِّ الْخُرْزَتَيْنِ، أَوْ فِي أَيِّ الْخَصَفَتَيْنِ , أَمَا مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا، فَنَعَمَ، وَأَمَّا فِي دُبُرِهَا، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَنْهَاكُمْ أَنْ تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ ".
6133 - وَوَجَدْنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مَخْلَدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " لَا يَنْظُرُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى
رَجُلٍ وَطِئَ امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا "
6134 - وَوَجَدْنَا سُلَيْمَانَ بْنَ شُعَيْبٍ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا الْخَصِيبُ بْنُ نَاصِحٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " هِيَ اللِّوَاطَةُ الصُّغْرَى " يَعْنِي وَطْءَ
النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ
وَوَجَدْنَا يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ، قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو وَلَمْ يَرْفَعْهُ، قَالَ فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، قَالَ: " اللُّوَاطَةُ الصُّغْرَى ". وَفِي هَذَا الْبَابِ آثَارٌ أُخَرُ فِي تَحْرِيمِ هَذَا الْمَعْنَى تَرَكْنَاهَا إِذْ كَانَ
فِي أَسَانِيدِهَا مَا يَمْنَعُ قَبُولَهَا.
ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى تَأْوِيلِ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] . فَوَجَدْنَا الْحَرْثَ إِنَّمَا يُطْلَبُ مِنْهُ النَّسْلُ، وَكَانَ النَّسْلُ مَوْجُودًا فِي الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ، وَمَعْدُومًا فِي الْوَطْءِ فِي غَيْرِهِ، فَدَلَّ أَنَّ الْمُرَادُ فِيهَا هُوَ مَا أُبِيحَ مِنْهَا، مِمَّا يَكُونُ عَنْهُ النَّسْلُ، لَا مَا لَا يَكُونُ عَنْهُ نَسْلٌ، وَهَكَذَا كَانَ الْفُقَهَاءُ الْكُوفِيُّونَ جَمِيعًا يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ.