بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطحاوي
- الكتاب
- شرح مشكل الآثار
- المؤلف
- أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
- الناشر
- مؤسسة الرسالة
- الطبعة
- الأولى - 1415 هـ، 1494 م
- عدد الأجزاء
- 16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
5923 - وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي عَتَّابٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيُّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْمِلُ أُمَامَةَ أَوْ أُمَيَّةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ بِنْتَ ابْنَتِهِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَحْمِلُهَا إِذَا قَامَ، وَيَضَعُهَا إِذَا
رَكَعَ، حَتَّى فَرَغَ " فَقَالَ قَائِلٌ: قَدْ جَاءَ هَذَا الْمَذْكُورُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فَعْلِهِ إِيَّاهُ فِي صَلَاتِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا بِهَذِهِ الْأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ الْمَقْبُولَةِ، فَمِنْ أَيْنَ تَمْنَعُونَ مِثْلَ ذَلِكَ وَتَنْهَوْنَ عَنْهُ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ قَدْ كَانَتْ أَشْيَاءَ فَعَلَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلنَّاسِ فِعْلُهَا فِي صَلَاتِهِمْ، فَمِنْ ذَلِكَ مَدُّهُ يَدَهُ لِأَخْذِ الْعُنْقُودِ الَّذِي رَآهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ يُصَلِّي
5924 - كَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَنَّ مَالِكًا، حَدَّثَهُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: خُسِفَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ صَلَاةَ الْكُسُوفِ، وَكَيْفَ صَلَّاهَا، ثُمَّ ذَكَرَ فِي حَدِيثِهِ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ
تَكَعْكَعْتَ؟ فَقَالَ: " إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، أَوْ أُرِيتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا " وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ هَذَا فِي صَلَاتِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِبْلِيسَ وَهُوَ يُصَلِّي
5925 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَمِعْنَاهُ وَهُوَ يَقُولُ: " أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ "، ثُمَّ قَالَ: " أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ " ثَلَاثًا.
ثُمَّ بَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ فَقَالَ: " إِنَّ عَدُوَّ اللهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ
فِي وَجْهِي، فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْكَ، فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ، فَقُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ التَّامَّةِ، فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ، ثُمَّ قُلْتُ، فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ، ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ، وَلَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ " وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ هَذَا فِي صَلَاتِهِ، فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنَ الْأَقْوَالِ، وَمِنَ الْأَفْعَالِ قَدْ كَانَتْ مُبَاحَةً فِي الصَّلَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي فَعَلَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ الَّتِي كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ فِيهَا، ثُمَّ نُسِخَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَعَادَتْ أَحْكَامُ الصَّلَوَاتِ إِلَى مَا أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَيْهِ مِنْهَا، لِأَنَّهُمْ لَا يُجْمِعُونَ عَلَى خِلَافِ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ نَسْخِ ذَلِكَ، وَرَدُّ الْأُمُورِ إِلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِمَّا يُخَالِفُهُ، لِأَنَّهُمْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ مَأْمُونُونَ عَلَى مَا فَعَلُوا، كَمَا كَانُوا مَأْمُونِينَ عَلَى مَا رَوَوْا.
قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ تَرَوْنَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلِيلًا مِنْ أَقْوَالِهِ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ؟
كَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ:
5926 - أَنَّ فَهْدَ بْنَ سُلَيْمَانَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، أَخْبَرَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ، فَرَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ وَقَدْ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ، فَقَالَ: " مَا لِي أَرَاكُمْ تَرْفَعُونَ أَيْدِيَكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ، اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ "
فَكَانَ مَا فِي الْحَدِيثِ مِمَّا أَمَرَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلِيلًا عَلَى أَضْدَادِ مَا رُوِّينَا قَبْلَهُ مِنَ الْآثَارِ الْأُوَلِ، لِأَنَّ السُّكُونَ الْمَأْمُورَ بِهِ فِيهِ ضِدُّ الْحَرَكَاتِ الْمَفْعُولَاتِ فِي الْآثَارِ الْأُوَلِ.
فَإِنْ قَالَ: فَهَلْ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ لِذَلِكَ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ:
5927 - أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ نَصْرٍ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ، سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ،.
وَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ شَيْبَةَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، ثُمَّ اجْتَمَعَا فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] ، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ "
وَكَانَ الْقُنُوتُ هُوَ الْخُشُوعَ وَالْإِقْبَالَ عَلَى مَا فِيهِ الْقَانِتُ، غَيْرَ مُتَشَاغِلٍ عَنْهُ بِغَيْرِهِ مِنْ فَعْلٍ وَمِنْ قَوْلٍ.
فَفِيمَا ذَكَرْنَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى نَسْخِ مَا وَصَفْنَا مِمَّا هُوَ مِنْ أَضْدَادِ ذَلِكَ، وَدَلِيلٌ عَلَى مَا كَانَ مِنْ أَضْدَادِ ذَلِكَ كَانَ فِي حَالِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ مُبَاحَةً فِيهَا، ثُمَّ حُظِرَتْ بَعْدَهَا، وَجَرَى الْعَمَلُ عَلَى مَا جَرَى عَلَيْهِ مِمَّا يُخَالِفُهَا وَيُوَافِقُ مَا بَيَّنَّا رِوَايَتَهُ، وَلَمْ يَكُنِ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَجْمَعُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضَلَالٍ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذَا الْبَابِ كِفَايَةٌ، وَاللهُ الْمُوَفِّقُ
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: " مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ "
5928 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، وَأَبُو أُمَيَّةَ قَالَا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ وَاللَّفْظُ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي طَارِقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ - وَأَبُوهُ كَعْبٌ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى هَذِهِ السَّارِيَةِ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَبُوكَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وأَخُوكَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ قُعُودًا عِنْدَ هَذِهِ السَّارِيَةِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ الرَّجُلَ يَحْلِفُ عَلَى مَالِ الرَّجُلِ، فَيَقْتَطِعُهُ بِيَمِينِهِ كَاذِبًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَيُّمَا رَجُلٍ حَلَفَ بِمَالٍ كَاذِبًا، فَاقْتَطَعَهُ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الْجَنَّةُ، وَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ " فَقَالَ أَخُوكَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا؟ قَالَ: فَقَلَبَ مِسْوَاكًا بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ وَقَالَ: " وَإِنْ كَانَ سِوَاكًا مِنْ أَرَاكٍ، وَإِنْ كَانَ عُودًا مِنْ أَرَاكٍ "
5929 - وَحَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَعْبَدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ ". قَالُوا: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا؟ قَالَ: " وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ "، قَالَهَا ثَلَاثًا
5930 - وَحَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا جَامِعٌ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ، سَمِعَا أَبَا وَائِلٍ، يُحَدِّثُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ "، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 77] الْآيَةَ "
5931 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَنَّادٍ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ "
5932 - وَحَدَّثَنَا فَهْدٌ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الرِّيَاحِيُّ أَبُو حَفْصٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ الْبَرْصَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَمْشِي بَيْنَ نَمِرَتَيْنِ مِنَ الْحِجَازِ: " مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ مَالِ أَخِيهِ بِيَمِينٍ فَاجِرَةٍ، فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْتًا فِي النَّارِ "
5933 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي الْخُوَارِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَارِثَ بْنَ مَالِكِ بْنِ الْبَرْصَاءِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: - وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ عُبَيْدَ بْنَ جُرَيْجٍ -: " مَنِ اقْتَطَعَ مِنْ مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ لَقِيَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ "
فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ اقْتِطَاعُ الرَّجُلِ بِيَمِينِهِ كَاذِبًا مَالَ أَخِيهِ.
فَسَأَلَ سَائِلٌ عَنْ ذَلِكَ الِاقْتِطَاعِ، مَا هُوَ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الِاقْتِطَاعَ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا، وَاللهُ أَعْلَمُ، هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَصَبَ رَجُلًا شَيْئًا، كَانَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يُطَالِبَ بِهِ غَاصِبَهُ إِيَّاهُ، وَكَانَ عَلَى غَاصِبِهِ إِحْضَارُهُ إِيَّاهُ، وَكَانَ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ لَا يُحِيلَ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يُعِينَهُ عَلَى الَّذِي يَدَّعِي عَلَيْهِ وَيُحْلِفُهُ، وَإِذَا حَلَفَ لَهُ عَلَيْهِ خَلَّى الْحَاكِمُ بَيْنَ الْمَطْلُوبِ وَبَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَصَرَّفَ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ مُقْتَطِعًا.
وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لِلطَّلَبِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ عَلَيْهِ فِيهِ كَانَ مَوْضِعًا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى النُّكُولِ عَنِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّهُ قَدْ وَجَبَتْ بِذَلِكَ حُجَّةٌ لِمُدَّعِيهِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
فَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ تَقُولُ: هِيَ الْقَضَاءُ لَهُ بِهِ حَتَّى يَسْتَحِقَّهُ الْمَقْضِيُّ لَهُ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَمِمَّنْ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَنْ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى قَوْلِهِمَا.
وَطَائِفَةٌ تَقُولُ: هِيَ وُجُوبُ الْحَلِفِ لِلْمُدَّعِي حَتَّى يَسْتَحِقَّهُ بِذَلِكَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَحَتَّى يُقْضَى لَهُ بِهِ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ نُكُولِ
الْمَطْلُوبِ عَنِ الْيَمِينِ لَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ بِحَلِفِهِ، وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّهُ بِذَلِكَ بَعْدَ نُكُولِ الْمَطْلُوبِ عَنِ الْيَمِينِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ نُكُولَ الْمَطْلُوبِ عَنِ الْيَمِينِ لِلطَّالِبِ حُجَّةٌ لِلطَّالِبِ كَانَ الْمَعْقُولُ أَنَّ مَنْ قَامَتْ لَهُ حُجَّةٌ لَا يُسْأَلُ مَعَهَا حُجَّةً أُخْرَى، كَمَا إِذَا أَقَرَّ لَهُ الْمُدَّعِي بِمَا ادَّعَاهُ عَلَيْهِ، قُضِيَ لَهُ بِهِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُسْأَلْ إِقَامَةَ حُجَّةٍ عَلَيْهِ سِوَى ذَلِكَ الْإِقْرَارِ، وَكَمَا إِذَا أَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً فِي الشَّيْءِ الَّذِي ادَّعَاهُ عَلَيْهِ، قُضِيَ لَهُ بِهِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُسْأَلْ مَعَ الْبَيِّنَةِ الَّتِي هِيَ لَهُ عَلَيْهِ حُجَّةَ إِقَامَةِ حُجَّةٍ أُخْرَى مَعَهَا عَلَى مَا يَدَّعِيهِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ النُّكُولُ عَنِ الْيَمِينِ حُجَّةً لِلْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَجَبَ أَنْ يُقْضَى لَهُ بِحُجَّتِهِ، وَلَا يُكَلَّفُ إِقَامَةَ حُجَّةٍ أُخْرَى سِوَاهَا.
كَمَا لَا يُكَلَّفُ إِقَامَةَ حُجَّةٍ مَعَ الْإِقْرَارِ الَّذِي هُوَ لَهُ حُجَّةٌ، وَمَعَ الْبَيِّنَةِ الَّتِي هِيَ لَهُ حُجَّةٌ.
وَقَدْ وَجَدْنَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ.
كَمَا حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ رِجَالٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالَحٍ حَدَّثَنَا قُدَامَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ الْمَدِينِيُّ مَوْلَى أَشْجَعَ، حَدَّثَنَا مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ رَبِيعَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ عَلْقَمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَوْفٍ مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ يَقُولُ: أَمَرَتِ امْرَأَةٌ وَلِيدَةً لَهَا أَنْ تَضْطَجِعَ عِنْدَ زَوْجِهَا، فَحَسِبَ أَنَّهَا جَارِيَتُهُ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ.
فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ: " أَحْلِفُوهُ لَمَا شَعَرَ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ فَارْجُمُوهُ، وَإِنْ حَلَفَ فَاجْلِدُوهُ مِائَةَ
جَلْدَةٍ، وَاجْلِدُوا امْرَأَتَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَاجْلِدُوا الْوَلِيدَةَ الْحَدَّ " فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ حَكَمَ عُثْمَانُ لِإِبَائِهِ الْحَلِفَ بِحُكْمِ الْإِقْرَارِ، وَلَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافًا مِنْهُمْ إِيَّاهُ فِي ذَلِكَ، وَلَا إِنْكَارًا مِنْهُمْ إِيَّاهُ عَلَيْهِ، وَفِي ذَلِكَ شَدُّ مَا وَصَفْنَا، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ الْوَاجِبِ فِيمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ بَقَاءِ السَّحْرِ، هَلْ يَعْمَلُ شَيْئًا، وَمِنْ بُطْلَانِهِ حَتَّى لَا يَعْمَلَ، مِمَّا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ
5934 - حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: " سُحِرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُخَيَّلُ أَنَّهُ لِيَفْعَلُ شَيْئًا وَمَا فَعَلَهُ.
قَالَتْ: فَدَعَا فِي بَيْتِي، ثُمَّ قَالَ لِي: " يَا عَائِشَةُ، أَشَعَرْتِ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟ جَاءَنِي رَجُلَانِ فَقَعَدَ وَاحِدٌ عِنْدَ رَأْسِي، وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ، قَالَ: وَفِيمَا سَحَرَهُ؟ قَالَ: فِي مُشْطِ وَمُشَاقَةٍ، وَجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ، قَالَ: أَيْنَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ، فَأَتَيْتُهَا فَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَكَأَنَّ رُءُوسُ نَخْلِهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ، فَأَمَرْتُ بِهَا، فُطُمَّتْ ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ أَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: " لَا، قَدْ عَافَانِي اللهُ " وَكَرِهْتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرًّا "
5935 - وَحَدَّثَنَا فَهْدٌ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: سَحَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَاشْتَكَى، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَقَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ سَحَرَكَ، وَالسِّحْرُ فِي بِئْرِ فُلَانٍ، فَأَرْسَلَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَجَاءَ بِهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَحِلَّ الْعُقَدَ، وَيَقْرَأَ آيَةً، فَجَعَلَ يَقْرَأُ وَيَحِلُّ، حَتَّى قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَمَا ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ الْيَهُودِيِّ شَيْئًا مِمَّا صَنَعَ، وَلَا رَآهُ فِي وَجْهِهِ "
فَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى بَقَاءِ عَمَلِ السَّحْرِ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ سُحِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ، وَإِذَا جَازَ بَقَاؤُهُ إِلَى ذَلِكَ الزَّمَانِ، جَازَ بَقَاؤُهُ بَعْدَ ذَلِكَ
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ الْوَاجِبِ فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ مَا بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا، بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
5936 - حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، سَمِعْتُ فُلَانًا يُثْنِي عَلَيْكَ خَيْرًا، وَيَقُولُ خَيْرًا، زَعَمَ أَنَّكَ أَعْطَيْتَهُ دِينَارَيْنِ، قَالَ: " لَكِنَّ فُلَانًا مَا يَقُولُ ذَلِكَ، لَقَدْ أَصَابَ مِنِّي مَا بَيْنَ مِائَةٍ إِلَى عَشْرَةٍ " ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ أَحَدَكُمْ لِيَخْرُجُ مِنْ عِنْدِي بِمَسْأَلَتِهِ يَتَأَبَّطُهَا، أَوْ نَحْوَهُ، وَمَا هِيَ لَهُ إِلَّا نَارٌ " فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: فَلِمَ تُعْطِيهِ؟ قَالَ: " فَمَا أَصْنَعُ، يَسْأَلُونِي، وَيَأْبَى الله عَزَّ وَجَلَّ لِيَ الْبُخْلَ "
فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَقَدْ أَصَابَ مِنِّي مَا بَيْنَ مِائَةٍ إِلَى عَشْرَةٍ "، وَهَذَا يَدْخُلُ فِي بَابٍ مِنَ الْفِقْهِ قَدْ تَنَازَعَ أَهْلُهُ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ: لَكَ عَلَيَّ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إِلَى عَشْرَةِ دَرَاهِمَ.
فَقَالَ قَائِلُونَ مِنْهُمْ: يَقُولُونَ: عَلَيْهِ تِسْعَةُ دَرَاهِمَ، مِنْهُمْ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَائِلُونَ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: لَهُ ثَمَانِيَةُ دَرَاهِمَ، مِنْهُمْ زُفَرُ، وَقَائِلُونَ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: لَهُ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ، مِنْهُمْ: أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَقَائِلُونَ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: لَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمَا بَيْنَ الدِّرْهَمِ الْوَاحِدِ، وَبَيْنَ الْعَشَرَةِ كُلِّهَا، وَلَا شَيْءَ بَيْنَهُمَا.
وَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي رُوِّينَا دَفَعَ هَذَا الْقَوْلَ الْأَخِيرَ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَعْطَى ذَلِكَ الرَّجُلَ عَطِيَّةً يَسْتَحِقُّ بِهَا الشُّكْرَ، فَلَمْ يَشْكُرْهَا، وَهُوَ صَلَّى الله عَلَيْهِ أَفْصَحُ النَّاسِ.
وَكَانَ الَّذِي وَجَدْنَاهُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ مُوَافِقًا لِلْمَعْنَى الَّذِي يُوجِبُ دَفْعَ ذَلِكَ، لَأَنَّا قَدْ وَجَدْنَاهُمْ فِيمَا ذَكَرَهُ الْفَرَّاءُ عَنْهُمْ يَقُولُونَ: مُطِرْنَا مَا زُبَالَةَ فَالثَّعْلَبِيَّةَ يَا هَذَا، وَلَهُ عِشْرُونَ مَا نَاقَةً فَجَمَلًا، يُرِيدُونَ مَا
بَيْنَ نَاقَةٍ وَجَمَلٍ، وَالْعَدَدُ عِشْرُونَ، أَيْ: عَدَدُ الَّذِي لَهُ مِنْ ذَيْنِكَ الْجِنْسَيْنِ عِشْرُونَ.
وَمَنْ ذَلِكَ مَا حَكَاهُ الْكِسَائِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَعْرَابِيًّا، وَرَأَى الْهِلَالَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا إِهْلَالُكَ إِلَى سَرَارِكَ.
وَالْإِهْلَالُ وَالْإِسْرَارُ جَمِيعًا دَاخِلَانِ فِيمَا ذَكَرَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ أَيْضًا: الشَّنْقُ مَا خَمْسًا إِلَى خَمْسٍ، يُرِيدُونَ مَا بَيْنَ خَمْسٍ إِلَى خَمْسٍ، مَعَ إِدْخَالِهِمُ الْخَمْسَ الَّتِي ابْتَدَءُوا بِذِكْرِهَا وَالْخَمْسَ الَّتِي خَتَمُوا بِذِكْرِهَا فِي ذَلِكَ، فَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَقَدْ أَعْطَيْتُهُ مَا بَيْنَ مِائَةٍ إِلَى عَشْرَةٍ "، فَدَخَلَ فِيهِ الْمِائَةُ مَعَ دُخُولِ الْعَشَرَةِ الَّتِي هِيَ مِنْهَا فِيهَا.
وَفِيمَا ذَكَرْنَا ثُبُوتُ مَا كَانَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَذْهَبَانِ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ رَأَيْنَاهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ قَالَ: لِفُلَانٍ مَا بَيْنَ هَذَا الْحَائِطِ إِلَى هَذَا الْحَائِطِ: أَنَّ لَهُ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْحَائِطَيْنِ شَيْءٌ، مَعَ وُقُوفِهِمْ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي أَوْجَبَ الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَهَذَانِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الَّذِيَ ذُكِرَ فِي الْحَائِطَيْنِ عَلَى شَيْئَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ، أَقَرَّ بِمَا بَيْنَهُمَا، فَدَخَلَ مَا بَيْنَهُمَا فِي إِقْرَارِهِ، وَالْإِقْرَارُ بِمَا ذَكَرْنَا سِوَى ذَلِكَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، إِنَّمَا هُوَ إِقْرَارٌ بِشَيْءٍ لَمْ يَعْتَمِدِ الْمُقِرُّ فِيهِ عِنْدَ إِقْرَارِهِ إِلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، فَيُحْمَلُ إِقْرَارُهُ إِلَى مَا بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَإِنَّمَا أَقَرَّ بِمَا بَيْنَ شَيْئَيْنِ مُرْسَلَيْنِ، وَفِي مِثْلِهِمَا مَا قَدْ رُوِّينَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِمَا
ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ.
وَالْغَايَاتُ لِلْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ مِنْهَا لَيْسَتْ بِأَعْيَانٍ، وَقَدْ وَجَدْنَاهَا لَا تَدْخُلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ بِهَا، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] ، وَاللَّيْلُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي ذَلِكَ، وَوَجَدْنَاهَا تَدْخُلُ فِيهَا، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ، وَكَانَتِ الْمَرَافِقُ وَالْكَعْبَانِ دَاخِلَةً فِي ذَلِكَ، وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ يُدْخِلُونَ مَا يَجْعَلُونَهُ غَايَةً فِيمَا قَدْ جَعَلُوهُ غَايَةً لَهُ، وَقَدْ لَا يُدْخِلُونَهُ فِيهِ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، رَحِمَهُ اللهُ، فِي الدِّرْهَمِ الْعَاشِرِ: إِنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ دَخَلَ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ دَخَلَ، لَمْ يُدْخِلْهُ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ مَعَ ذَلِكَ فِي رَجُلٍ بَاعَ عَبْدَهُ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ إِلَى غَدٍ: إِنَّهُ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَمْضِيَ غَدٌ، لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ دُخُولَ غَدٍ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِيهِ، فَلَمْ يُوجِبِ الْبَيْعَ حَتَّى عَلِمَ وُجُوبَهُ.
فَأَمَّا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْلِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى الَّذِي جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ قَدْ أَغْنَانَا عَنِ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَالَ: أَحَدَّثَكَ فُلَانٌ بِكَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
أَنَّهُ يَكُونُ بِذَلِكَ فِي حُكْمِ الْمُبْتَدِئِ بِهِ، النَّاطِقِ بِجَمِيعِهِ
5937 - حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: شَهِدْتُ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْفِطْرِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يُجَلِّسُ الرَّجُلَ بِيَدِهِ.
قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ يَشُقُّهُمْ حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: 12] ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 173] فَقَالَ حِينَ فَرَغَ: " أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكَ؟ " فَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، لَمْ تُجِبْهُ غَيْرُهَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، لَا يَدْرِي حَسَنٌ مَنْ هِيَ، قَالَ: " فَتَصَدَّقْنَ " قَالَ: فَبَسَطَ بِلَالٌ ثَوْبَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُنَّ: أَلْقِينَ، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخَ وَالْخَاتَمَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ "
فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اكْتِفَاءُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهَا: نَعَمْ، أَرَادَ مِنْهُنَّ أَنْ يَكُنَّ عَلَيْهِ حِينَ أَقَامَهُنَّ بِذَلِكَ مَقَامَ النَّاطِقَاتِ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى
5938 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرِ بْنِ سَابِقٍ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، أَخْبَرَكَ أَبُوكَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: " بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ؟، وَرَسُولُ اللهِ مُتَّكِئٌ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: الرَّجُلُ الْأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَدْ أَجَبْتُكَ " فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَيْ مُحَمَّدُ، إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ، فَقَالَ: " سَلْ مَا بَدَا لَكَ ". فَقَالَ الرَّجُلُ: نَشَدْتُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللهُمَّ نَعَمْ ". قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: " اللهُمَّ نَعَمْ ". قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قَالَ: " اللهُمَّ نَعَمْ ". قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا، فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللهُمَّ نَعَمْ "، فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ
قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ "
5939 - وَكَمَا حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَكَمِ الْحَبَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نُهِينَا فِي الْقُرْآنِ أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ، وَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الْعَاقِلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَيَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّهُ كَانَ أَجْرَأَ عَلَى ذَلِكَ مِنَّا.
فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ، فَزَعَمَ أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرْسَلَكَ.
قَالَ: " نَعَمْ صَدَقَ "، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: " اللهُ "، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: " اللهُ ". قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ؟ قَالَ: " اللهُ ". قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ، وَخَلَقَ الْأَرْضَ، وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: " نَعَمْ "، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرٍ فِي سَنَتِنَا؟ قَالَ " صَدَقَ ". قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: " نَعَمْ "، فَوَلَّى الرَّجُلُ وَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ
شَيْئًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَئِنْ صَدَقْتَ لَتَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ " فَفِيمَا رُوِّينَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْجَوَّابَ: بِنَعَمْ، تَصْدِيقٌ فِيمَا ذَكَرَ لِكَلَامِ الْمُجِيبِ بِتِلْكَ الْأَشْيَاءِ بِلِسَانِهِ.
وَقَدْ وَجَدْنَا فِي هَذَا الْبَابِ مَا هُوَ فَوْقَ هَذَا، وَهُوَ مَا فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: 44] ، فَكَانُوا بِقَوْلِهِمْ: نَعَمْ، كَمَعْنَاهُ لَوْ قَالُوا: قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا.
وَفِي هَذَا مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ الْمَقْرُوءَ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ بِخِطَابِ الْقَارِئِ إِيَّاهُ بِهِ، وَقَوْلِهِ لَهُ: أَسَمِعْتَ فُلَانًا؟، أَخْبَرَكَ فُلَانٌ؟، أَحَدَّثَكَ فُلَانٌ بِكَذَا؟، قَالَ: نَعَمْ، كَأَنَّهُ يَقُولُ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ بِلِسَانِهِ حَتَّى يَقُولَ: سَمِعْتُ مِنْهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ: نَعَمْ، لِلَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُشْهِدَهُ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَشْهَدَنِي بِكَذَا، وَأَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا