شرح مشكل الآثارصفحات 83-98

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: " لَا يَحِلُّ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ، إِلَّا الْوَالِدَ لِوَلَدِهِ "

صفحات 83-98
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطحاوي
الكتاب
شرح مشكل الآثار
المؤلف
أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
الناشر
مؤسسة الرسالة
الطبعة
الأولى - 1415 هـ، 1494 م
عدد الأجزاء
16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَوَجَدْنَا فِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا

5087 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ الْقَسْمَلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَرَأَى فِي النَّاسِ رِقَّةً، فَقَالَ: " إِنِّي لَأَهُمُّ أَنْ أَجْعَلَ لِلنَّاسِ إِمَامًا، ثُمَّ أَخْرُجَ، فَلَا أَقْدِرُ عَلَى رَجُلٍ تَخَلَّفَ فِي بَيْتِهِ عَنِ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَحْرَقَتْ عَلَيْهِ " فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ نَخْلًا وَشَجَرًا، وَلَيْسَ كُلَّ حِينَ أَقْدِرُ عَلَى قَائِدٍ؛ أَفَأُصَلِّي فِي بَيْتِي؟ قَالَ: " تَسْمَعُ الْإِقَامَةَ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ؛ قَالَ: " فَأْتِهَا "

قَالَ: فَطَعَنَ طَاعِنٌ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَنَفَى أَنْ يَكُونَ سَمَاعًا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ مِنَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَتَأَمَّلْنَا ذَلِكَ، فَوَجَدْنَا عَبْدَ اللهِ بْنَ شَدَّادٍ، قَدْ سَمِعَ مِنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَمَنْ سَمِعَ مِنْ عُمَرَ كَانَ غَيْرَ مُسْتَنْكَرٍ مِنْهُ سَمَاعُهُ مِنَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَذَكَرَ بَعْضُ الطَّاعِنِينَ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ شُعْبَةَ قَدْ رَوَاهُ عَنْ حُصَيْنٍ، فَخَالَفَ عَبْدَ الْعَزِيزِ فِيهِ، وَذَكَرَ:

5088 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ أَبِي عَقِيلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ الرَّصَّاصِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ: أَنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ أَشْيَاءَ، وَرُبَّمَا وَجَدْتُ قَائِدًا، وَرُبَّمَا لَمْ أَجِدْ قَائِدًا، قَالَ: " أَلَسْتَ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟، فَإِذَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ فَامْشِ إِلَيْهَا "، ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ آخَرُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ، فَقَالَ: " إِذَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ، فَآذِنْ "، وَمَا رَخَّصَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: " لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ آتِي أَقْوَامًا لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ " قَالَ هَذَا الطَّاعِنُ: فَهَذَا شُعْبَةٌ، إِنَّمَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ حُصَيْنٍ، فَقَالَ فِيهِ: إِنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ كَمَا قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ

أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ اخْتِلَافِ شُعْبَةَ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى حُصَيْنٍ، لِأَنَّ حُصَيْنًا حَدَّثَ بِهِ مَرَّةً هَكَذَا، وَمَرَّةً هَكَذَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ شُعْبَةَ، وَمَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِمَامٌ حَافَظَ حُجَّةٌ، مِمَّنْ إِذَا تَفَرَّدَ بِشَيْءٍ كَانَ مَقْبُولًا مِنْهُ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا رَوَى مِمَّا قَدْ خُولِفَ فِيهِ بِمِثْلِ مَا قَدْ ذَكَرْنَا، لَا يُحْمَلُ عَلَى الْوَهْمِ مِنْهُ، فِيمَا رَوَى مَا لَمْ تَقُمُ الْحُجَّةُ بِذَلِكَ

5089 - وَقَدْ وَجَدْنَا فِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ يَعْنِي الْوَاسِطِيَّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ يَعْنِي الرَّازِيَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سِنَانٍ يَعْنِي سَعِيدَ بْنَ سِنَانٍ الشَّيْبَانِيَّ الْمَعْرُوفَ بِالْقَزْوِينِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو رَزِينٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ ضَرِيرٌ، شَاسِعُ الدَّارِ، وَلَيْسَ لِي قَائِدٌ يُلَائِمُنِي، أَفَلِي رُخْصَةٌ، أَنْ لَا آتِيَ الْمَسْجِدَ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا "

فَطَعَنَ طَاعِنٌ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا بِأَنْ قَالَ: قَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ بِهِ

5090 - وَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ: " كَانَ رَجُلٌ مِنَّا ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ نَخْلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: " أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ "، فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " فَإِذَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ، فَآذِنْهُ " قَالَ: فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ هَذَا الْحَدِيثِ، إِنَّمَا هُوَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى مُنْقَطِعًا، لَا عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ عَلَيْهِ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَا لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَعْجَلَ بِمَا عَجِلَ بِهِ فِيهِمَا، لِأَنَّ حَدِيثَ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى فِيهِ:

قَالَ: " كَانَ رَجُلٌ مِنَّا ضَرِيرُ الْبَصَرِ "، فَكَانَ ذَلِكَ إِخْبَارًا مِنْهُ عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ يُرِيدُ الْأَنْصَارَ لِأَنَّهُ مِنْهُمْ وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ رَوَاهُ أَبُو سِنَانٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، هُوَ فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، لَا مِنَ الْأَنْصَارِ فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ: أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ فِي رَجُلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، مَعَ وَقُوفِنَا عَلَى ثَبَتِ أَبِي سِنَانٍ هَذَا فِي رِوَايَتِهِ، وَاسْتِقَامَتِهِ فِيهَا، وَقَبُولِ الْأَئِمَّةِ إِيَّاهَا مِنْهُ، ثُمَّ نَظَرْنَا فِي مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ: هَلْ يَتَهَيَّأُ مَنْ مِثْلُهُ لِقَاءُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ، أَمْ لَا؟

5091 - فَوَجَدْنَا أَبَا أُمَيَّةَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرُّوذِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: " قَدِمَ أَبِي مِنَ الشَّامِ وَافِدًا، وَأَنَا مَعَهُ، فَلَقِينَا مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ، فَحَدَّثَ أَبِي عَنْ عِتْبَانِ بْنِ مَالِكٍ، فَقَالَ أَبِي: " احْفَظْ هَذَا الْحَدِيثَ؛ فَإِنَّهُ مِنْ كُنُوزِ الْحَدِيثِ "، فَلَمَّا قَفَلْنَا انْصَرَفْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَإِذَا هُوَ حَيُّ، وَإِذَا شَيْخٌ أَعْمَى، كَأَنَّهُ يَعْنِي عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْحَدِيثِ، فَقَالَ: " نَعَمْ، ذَهَبَ بَصَرِي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ ذَهَبَ بَصَرِي، وَلَا أَسْتَطِيعُ الصَّلَاةَ خَلْفَكَ، فَلَوْ بَوَّأْتَ لِي فِي دَارِي مَسْجِدًا، صَلَّيْتَ فِيهِ، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى قَالَ: " نَعَمْ، فَإِنِّي غَادٍ إِلَيْكَ غَدًا "، فَلَمَّا صَلَّى مِنَ الْغَدِ الْتَفَتَ إِلَيْهِ، وَقَامَ حَتَّى أَتَى، فَقَالَ: " يَا عِتْبَانُ؛ أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُبَوِّئَ لَكَ؟ " قَالَ: فَوَصَفْتُ لَهُ مَكَانًا، فَبَوَّأَ لَهُ

وَصَلَّى فِيهِ " فَإِنْ ثَقُلَ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ لِمَكَانِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ

5092 - فَإِنَّهُ قَدْ حَدَّثَنَاهُ حُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ عِتْبَانِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَقِيتُ عِتْبَانَ فَحَدَّثَنِي بِهِ، فَأَعْجَبَنِي، فَقُلْتُ لِابْنِي: " اكْتُبْهُ "، فَكَتَبَهُ "

فَكَانَ فِي هَذَا عَوْدُ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَى مُوَافَقَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَلِيَّ بْنَ زَيْدٍ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ رِوَايَةُ مَحْمُودٍ إِيَّاهُ، عَنْ عِتْبَانِ غَيْرَ مُسْتَنْكَرَةٍ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ وُجُوبُ الْعُذْرِ لِابْنِ عُيَيْنَةَ، فِيمَا رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودٍ عَلَيْهِ، وَلِمَا قَامَ بِهَذِهِ الْآثَارِ، أَوْ بِمَا قَامَ مِنْهَا، مَا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ وُجُوبِ حُضُورِ الْجَمَاعَاتِ عَلَى الضَّرِيرِ فِي بَصَرِهِ، كَمَا يَجِبُ عَلَى الصَّحِيحِ فِي بَصَرِهِ، وَكَانَ هَذَا الْبَابُ مِمَّا قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بِوُجُوبِ حُضُورِ الْجَمَاعَاتِ عَلَى الضَّرِيرِ كَوُجُوبِهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَجَعَلُوهُ كَمَنْ لَا يُعْرَفُ الطَّرِيقَ، فَلَمْ يُعْذَرْ بِجَهْلِهِ إِيَّاهُ عَنِ التَّخَلُّفِ عَنْ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ لِذَلِكَ، وَقَدْ عَذَرَهُ آخَرُونَ فِي تَرْكِ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ، وَقَدْ رُوِيَ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ غَيْرَ أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَنَا عَنْهُ هُوَ وُجُوبُ حُضُورِهَا عَلَيْهِ، وَإِلَى ذَلِكَ كَانَ يَذْهَبُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَلَا يَحْكِي فِيهِ خِلَافًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَدْ خَاطَبَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ

رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تَلَا عَلَى النَّاسِ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 95] ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [النساء: 95] ، قَبْلَ إِنْزَالِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ فِي الْآيَةِ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: 95] ، بِأَنَ قَالَ لَهُ: " لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ " فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ: إِنَّكَ أَعْمَى، وَلَا فَرَضَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْأَعْمَى وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا يَسْتَطِيعُهُ الْأَعْمَى مِنَ الْعَمَى يَكُونُ فِيهِ كَالصَّحِيحِ الَّذِي لَا عَمَى بِهِ، وَإِذَا كَانَ الْأَعْمَى فِي حُضُورِ الْجَمَاعَاتِ كَمَا ذَكَرْنَا، كَانَ فِي وُجُوبُ الْحَجِّ عَلَيْهِ، إِذَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَوَجَدَ مَا يُبَلِّغُهُ بِهِ مِنْ نَفَقَةٍ، وَمِنْ مُوصِلٍ لَهُ إِلَيْهِ كَغَيْرِ الْأَعْمَى، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: " إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، حَتَّى يَغْسِلَهَا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ، أَوْ فِيمَا بَاتَتْ يَدُهُ "

5093 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ الْبَجَلِيُّ،

5094 - وَحَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، ثُمَّ اجْتَمَعَا فَقَالَا: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، حَتَّى يُفْرِغَ عَلَيْهِمَا مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ فِيمَ بَاتَتْ يَدُهُ "

5095 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، وَفَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ

5096 - وَحَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ

نَوْمِهِ، فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ "

5097 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ

5098 - وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ الْحَنَّاطُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَأَبِي رَزِينٍ

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا "

5099 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي عَلَامَ بَاتَتْ يَدُهُ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ لِنَقِفَ عَلَى الْمُرَادِ بِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَوَجَدْنَا الْمُخَاطَبِينَ بِمَا فِيهِ قَدْ كَانُوا يَبُولُونَ، وَلَا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ، وَيَكْتَفُونَ بِالْمَسْحِ بِمَا كَانُوا يَتَمَسَّحُونَ بِهِ، وَيَتَغَوَّطُونَ، فَلَا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ، وَيَكْتَفُونَ بِالِاسْتِجْمَارِ بِالْحِجَارَةِ، وَكَانَ غَيْرُ مَأْمُونٍ مِنْهُمْ أَنْ يَعْرَقُوا فِي نَوْمِهِمْ، فَتَقَعَ أَيْدِيهِمْ عَلَى مَوْضِعِ الْبَوْلِ مِنْهُمْ، وَعَلَى مَوْضِعِ الْغَائِطِ

مِنْهُمْ، فَتَنْجُسُ أَيْدِيهِمْ بِذَلِكَ، فَأُمِرُوا بِغَسْلِهَا قَبْلَ أَنْ يُدْخِلُوهَا الْآنِيَةَ الَّتِي فِيهَا الْمَاءُ الَّذِي يُحَاوِلُونَ التَّطْهِيرَ بِهِ لِصَلَوَاتِهِمْ، لِيُدْخِلُوهَا فِيهَا عَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ بِطَهَارَتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْعِبَادَةِ الَّتِي تُعُبِّدُوا بِهَا عَلَى الطَّهَارَةِ الَّتِي قَدْ يَتَيَقَّنُونَهَا، حَتَّى يَعْلَمُوا يَقِينًا بِخُرُوجِهَا مِنْ ذَلِكَ إِلَى ضِدِّهِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ يَجِدُ شَيْئًا مِنْ قَوْلِهِ لَهُ: " لَا تَنْصَرِفْ، حَتَّى تَجِدَ رِيحًا، أَوْ تَسْمَعَ صَوْتًا "

5100 - كَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ: " لَا يَنْصَرِفْ، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا " فَكَانَ مِثْلُ ذَلِكَ مَنْ نَامَ عَلَى طَهَارَةٍ مِنْ يَدِهِ مُتَيَقَّنَةٍ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْهَا إِلَى ضِدِّهَا، إِلَّا بِمَا يَعْلَمُ خُرُوجَهُ إِلَى ذَلِكَ خُرُوجًا مُتَيَقِّنًا، فَاحْتُمِلَ

أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ عَلَى الِاخْتِيَارِ، لَا عَلَى الْوُجُوبِ فَقَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ عُورِضَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ بِمَا اسْتَعَاذَ مِنْ شَرِّ مُعَارِضِهِ بِهِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعَهُ حَجَّةٌ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُ مَا عَارَضَهُ بِهِ فِيهِ

5101 - كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي عَلَى مَا بَاتَتْ يَدُهُ "، فَقَالَ لَهُ قَيْنٌ الْأَشْجَعِيُّ: إِذَا أَتَيْنَا مِهْرَاسَكُمْ هَذَا بِاللَّيْلِ، كَيْفَ نَصْنَعُ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شَرِّكَ يَا قَيْنُ، هَكَذَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَ هَذَا الْمُعَارِضُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ بِمَا عَارَضَهُ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَدْ ذَهَبَ عَنْهُ مَعْنَى مَا حَدَّثَ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَكَانَ مَا أَمَرَهُ بِهِ عَلَى الِاخْتِيَارِ، لَا عَلَى الْوُجُوبِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ ضَرُورَةٌ تَدَعُوهُ إِلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فَكَانَ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ هُوَ الْأُولَى بِهِ، لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَكَانَ مَا سِوَاهُ فِيهِ الشَّكُّ، وَكَانَ إِذَا دُفِعَ إِلَى التَّوَضُّؤِ مِنَ الْمِهْرَاسِ الَّذِي لَا يُمْكِنْهُ مَعَهُ الِاخْتِيَارِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، كَانَ مَعْذُورًا فِي تَرْكِهِ الِاخْتِيَارَ، وَكَانَ عَلَى يَقِينِهِ الْأَوَّلِ مِنْ طَهَارَةِ يَدِهِ، كَمَا هُوَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَةِ الْمَاءِ الَّذِي يَدْخُلَا فِيهِ حَتَّى يَعْلَمَ يَقِينًا مَا قَدْ أَخْرَجَ يَدَهُ عَنْ تِلْكَ الطَّهَارَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا، وَمَا يُوجِبُ نَجَاسَةَ الْمَاءِ الَّذِي يُدْخِلُهَا فِيهِ، وَكَانَ لَا شَيْءَ أَوْلَى بِهَذِهِ الْآثَارِ مِمَّا حَمَّلْنَاهَا عَلَيْهِ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ يُوجِبُ نَفْيَ التَّضَادِ عَنْهَا، وَالَّذِي يَطْلُبُ الْمُخَالِفَ لِذَلِكَ هُوَ حَمْلُهَا عَلَى مَا يُوجِبُ تََنََافِِيَهََا، وَتَضَادَّهَا، وَنَعُوذُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هَذَا الْمَذْهَبِ، وَمَنْ قَائِلِيهِ، وَإِيَّاهُ نَسْأَلُ التَّوْفِيقَ

جارٍ التحميل