بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّىَ اللهُ عَلَيِهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ " لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ وَتَمَسَّكُوا بِحِلْفِ الْجَاهِلِيَّةِ "
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطحاوي
- الكتاب
- شرح مشكل الآثار
- المؤلف
- أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
- الناشر
- مؤسسة الرسالة
- الطبعة
- الأولى - 1415 هـ، 1494 م
- عدد الأجزاء
- 16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
1614 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ , وَابْنُ أَبِي مَرْيَمَ , جَمِيعًا قَالَا: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى , قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إلَّا شِدَّةً "
1615 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ , قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ الطَّرَسُوسِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ , عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ , عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ , عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ
فَاخْتَلَفَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا وَإِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ عَلَى زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرنَا فِي اخْتِلَافِهِمَا فِيهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ الَّذِي تَمِيلُ إلَيْهِ الْقُلُوبُ فِيهِ مَا رَوَاهُ عَلَيْهِ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا لِثَبْتِهِ وَحِفْظِهِ وَجَلَالَةِ مِقْدَارِهِ فِي الْعِلْمِ، حَتَّى لَقَدْ قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ فِيهِ مَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ سُرَيْجٍ النَّقَّالُ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: مَا بِالْكُوفَةِ أَحَدٌ أَثْقَلَ عَلَيَّ خِلَافًا مِنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا وَكَفَى بِرَجُلٍ يَقُولُ فِيهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ
1616 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى , قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ , عَنْ مُغِيرَةَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ شُعْبَةَ بْنِ التَّوْأَمِ الضَّبِّيِّ , قَالَ: سَأَلَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحِلْفِ قَالَ: " لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَكِنْ تَمَسَّكُوا بِحِلْفِ الْجَاهِلِيَّةِ "
فَقَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا وَأَنْتُمْ تَرْوُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ حَالَفَ فِي الْإِسْلَامِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَالْأَنْصَارِ
1617 - فَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَاهُ الْمُزَنِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ , عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ , قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: حَالَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي دَارِنَا , فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ " فَقَالَ: حَالَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي دَارِنَا قَالَ سُفْيَانُ: فَسَّرَتْهُ الْعُلَمَاءُ آخَى بَيْنَهُمْ قَالَ: فَلَمْ يَلْتَفِتْ هَذَا الْمُعَارِضُ الَّذِي ذَكَرنَا إلَى مَا حَكَيْنَاهُ لَهُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ حَكَاهُ عَنْهُمْ وَقَالَ: قَدْ جَاءَ كِتَابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا يُخْبِرُ أَنَّهُ قَدْ كَانَتْ مُحَالَفَةٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَذَكَرَ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33] فَكَانَ جَوَابَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّ الَّذِي تَلَاهُ عَلَيْنَا مِنْ كِتَابِ اللهِ كَمَا تَلَاهُ، وَلَكِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ نَسَخَهُ وَذَلِكَ أَنَّ
أَحْمَدَ بْنَ شُعَيْبٍ حَدَّثَنَا قَالَ أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَهُوَ الْحَمَّالُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي إدْرِيسُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتَوْهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33] قَالَ: " كَانَ الْمُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ تُوَرَّثُ الْأَنْصَارَ دُونَ رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: 33] نَسَخَتْهَا ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33] مِنَ النَّصْرِ وَالنَّصِيحَةِ وَالرِّفَادَةِ وَيُوصِي لَهُ وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ "
فَأَخْبَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ قَدْ نَسَخَهَا غَيْرُهَا يَعْنِي أَنَّهُ نَسَخَهَا قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾ [الأحزاب: 6] فَأَخْبَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّ الَّذِي بَقِيَ لَهُمْ يَعْنِي الْأَحْلَافَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، هُوَ النَّصْرُ وَالنَّصِيحَةُ وَالْوَصِيَّةُ وَأَنَّ الْمِيرَاثَ قَدْ ذَهَبَ، قَالَ: فَإِذَا جُمِعَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ دَلَّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ هُنَاكَ تَحَالُفٌ، وَوَكَّدَ ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 33] قَالَ: فَفِي هَذَا مَا قَدْ خَالَفَ مَا قَدْ رَوَيْتُمُوهُ أَنْ لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ , قِيلَ لَهُ: مَا خَالَفَهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ " إنَّمَا كَانَ مِنْهُ عِنْدَ فَتْحِهِ مَكَّةَ
1618 - كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ , قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ , عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو , قَالَ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ قَامَ خَطِيبًا , فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ , إنَّهُ مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي
الْجَاهِلِيَّةِ , فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَزِدْهُ إلَّا شِدَّةً , وَلَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ "
1619 - وَكَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ , قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَهْبِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ , عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ فَأَخْبَرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ إنَّمَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَالَّذِي كَانَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ رُضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ , مِنَ الْمُؤَاخَاةِ بَيْنَهُمُ الَّتِي حَالَفَ بَيْنَهُمْ فِيهَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ الَّذِي كَانَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مِمَّا ذَكَرَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو نَاسِخًا لِذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ قَوْلِهِ " لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ " حِلْفٌ إلَى أَنْ قَبَضَهُ اللهُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ
فَقَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33] خِلَافُ مَا رَوَيْتُمُوهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ وَذَكَرَ
مَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33] قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: " إنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لِلَّذِينَ يَتَبَنَّوْنَ رِجَالًا غَيْرَ آبَائِهِمْ , فَيُوَرِّثُونَهُمْ , فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ أَنْ يُجْعَلَ لَهُمْ نَصِيبٌ فِي الْوَصِيَّةِ , وَجَعَلَ الْمِيرَاثَ لِلرَّحِمِ وَالْعَصَبَةِ، وَأَبَى الله عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَجْعَلَ لِلْمُدَّعِينَ مِيرَاثًا , مِمَّنِ ادَّعَاهُمْ وَتَبَنَّاهُمْ , وَلَكِنْ جَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا فِي الْوَصِيَّةِ , مَكَانَ مَا تَعَاقَدُوا فِيهِ مِنَ الْمِيرَاثِ , الَّذِي رَدَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ أَمْرَهُمْ " فَكَانَ جَوَابَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ , بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ , أَنَّ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ عِنْدِنَا أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ , وَاللهُ أَعْلَمُ بَلْ فِي الْآيَةِ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى مَا قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ , وَعَلَى خِلَافِ مَنْ
خَالَفَهُ ; لِأَنَّ فِيهَا ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 33] وَقَدْ كَانَ التَّحَالُفُ فِيهِ أَيْمَانٌ وَالتَّدَعِّي وَالتَّبَنِّي لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا أَيْمَانٌ , فَكَانَ ذَلِكَ مَعْقُولًا بِهِ أَنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ فِي تَأْوِيلِهَا , وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ
بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يُفْعَلُ عَلَى الْمُزَاحِ مِمَّا يُرَوِّعُ الْمَفْعُولَ بِهِ هَلْ هُوَ مُبَاحٌ لِفَاعِلِهِ؟ أَوْ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ؟
1620 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ , وَأَبُو أُمَيَّةَ , جَمِيعًا قَالَا: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ , قَالَ: حَدَّثَنَا زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ , يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ وَهْبِ بْنِ زَمْعَةَ , عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ , رَضِيَ اللهُ عَنْهُ خَرَجَ تَاجِرًا إلَى بُصْرَى وَمَعَهُ نُعَيْمَانُ وَسُوَيْبِطُ بْنُ حَرْمَلَةَ , وَكَانَ سُوَيْبِطٌ عَلَى الزَّادِ فَجَاءَهُ نُعَيْمَانُ , فَقَالَ: أَطْعِمْنِي قَالَ: لَا، حَتَّى يَأْتِيَ أَبُو بَكْرٍ , وَكَانَ نُعَيْمَانُ رَجُلًا مِضْحَاكًا مَزَّاحًا , فَقَالَ: لَأُغِيظَنَّكَ فَذَهَبَ إلَى أُنَاسٍ جَلَبُوا ظَهْرًا , فَقَالَ: ابْتَاعُوا مِنِّي غُلَامًا عَرَبِيًّا فَارِهًا , وَهُوَ رَعَّادٌ وَلِسَّانٌ , وَلَعَلَّهُ يَقُولُ: أَنَا حُرٌّ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَارِكِيهِ لِذَلِكَ فَدَعُوهُ لِي، لَا تُفْسِدُوا عَلَيَّ غُلَامِي , فَقَالُوا: بَلْ نَبْتَاعُهُ مِنْكَ بِعَشْرَةِ قَلَائِصَ , فَأَقْبَلَ بِهَا يَسُوقُهَا , وَأَقْبَلَ بِالْقَوْمِ حَتَّى عَقَلَهَا , ثُمَّ قَالَ: دُونَكُمْ هَذَا، فَجَاءَ الْقَوْمُ فَقَالُوا: قَدِ اشْتَرَيْنَاكَ فَقَالَ: سُوَيْبِطٌ: هُوَ كَاذِبٌ , أَنَا رَجُلٌ حُرٌّ قَالُوا: قَدْ أَخْبَرَنَا خَبَرَكَ , فَطَرَحُوا الْحَبْلَ فِي عُنُقِهِ وَأَخَذُوهُ , فَذَهَبُوا بِهِ , فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ , فَذَهَبَ هُوَ وَأَصْحَابٌ
لَهُ , فَرَدَّ الْقَلَائِصَ وَأَخَذُوهُ , قَالَ: فَضَحِكَ مِنْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا " فَقَالَ قَائِلٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ , مِمَّا ذُكِرَ فِيهِ مِمَّا فَعَلَهُ نُعَيْمَانُ بِسُوَيْبِطٍ حَوْلًا فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَةِ تَرْوِيعِ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ عَلَى الْمُزَاحِ بِمِثْلِ هَذَا قَالَ: هَذَا الْقَائِلُ: وَمِثْلُ هَذَا مَا قَدْ رُوِيَ عَنِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ
1621 - فَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ , قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ , قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ ,
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ عَلْقَمَةَ بْنَ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيَّ عَلَى خَيْبَرَ , فَبَعَثَ سَرِيَّةً , وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَبْدَ اللهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ , وَكَانَ رَجُلًا فِيهِ دُعَابَةٌ، وَبَيْنَ أَيْدِيهِمْ نَارٌ قَدْ أُجِّجَتْ , فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَلَيْسَ طَاعَتِي عَلَيْكُمْ وَاجِبَةً قَالُوا: بَلَى قَالَ: فَقُومُوا فَاقْتَحِمُوا هَذِهِ النَّارَ , فَقَامَ رَجُلٌ حَتَّى يَدْخُلَهَا , فَضَحِكَ وَقَالَ: إنَّمَا كُنْتُ أَلْعَبُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَضَحِكَ، فَقَالَ: " أَمَا إذَا قَدْ فَعَلُوا هَذَا فَلَا تُطِيعُوهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ "
1622 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ , قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ إبْرَاهِيمَ , قَالَ: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو , فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ , غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: عَلْقَمَةُ بْنُ مُحَزِّزٍ بِالْحَاءِ قَالَ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مِثْلُ مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ , وَلَمْ يُنْكِرْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَاعِلِهِ , فَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى إبَاحَةِ مِثْلِهِ عَلَى الْمُزَاحِ
فَكَانَ جَوَابَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ , أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ إبَاحَةٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا ذُكِرَ فِيهِمَا أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَهُ أَحَدٌ بِأَحَدٍ , وَإِنَّمَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا , ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ , مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ حَوْلًا كَمِثْلِ مَا قَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ بِأُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ , فَيَضْحَكُ أَصْحَابُهُ مِنْ ذَلِكَ بِمَحْضَرِهِ مِنْ غَيْرِ نَهْيٍ مِنْهُ إيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْأَفْعَالُ لَيْسَ بِمُبَاحٍ لَهُمْ فِعْلُ مِثْلِهَا فِي الْإِسْلَامِ
1623 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ , عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ , عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ , قَالَ: جَالَسْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ , فَكَانَ أَصْحَابُهُ يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ وَيَذْكُرُونَ أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَرُبَّمَا يَتَبَسَّمُ مَعَهُمْ " وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنْعِ مِنْ تَرْوِيعِ الْمُسْلِمِ
1624 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ , عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ , عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ , أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " لَا يَأْخُذْ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ
صَاحِبِهِ لَاعِبًا، وَإِذَا أَخَذَ أَحَدُكُمْ عَصَا صَاحِبِهِ فَلْيَرُدَّهَا إلَيْهِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالسَّائِبُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ السَّائِبِ هَذَا هُوَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ الْكِنْدِيُّ أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ حَلِيفٌ فِي قُرَيْشٍ وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ النَّمِرِ فَقَالَ قَائِلٌ: فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى نَسْخِ أَحَدِ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ بِالْآخَرِ مِنْهُمَا؟ فَكَانَ جَوَابَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ , أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى الْمَنْسُوخِ مِنْهُ
1625 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا فِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ , عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَسَارٍ الْجُهَنِيِّ ,
عَنْ أَبِي لَيْلَى الْأَنْصَارِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ فَأَخَذَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ كِنَانَةَ رَجُلٍ , فَغَيَّبُوهَا لِيَمْزَحُوا مَعَهُ , فَطَلَبَهَا الرَّجُلُ , فَفَقَدَهَا , فَرَاعَهُ ذَلِكَ , فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ مِنْهُ , فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا أَضْحَكَكُمْ؟ قَالُوا: لَا، وَاللهِ إلَّا أَنَّا أَخَذْنَا كِنَانَةَ فُلَانٍ لِنَمْزَحَ مَعَهُ فَرَاعَهُ ذَلِكَ , فَذَلِكَ الَّذِي أَضْحَكَنَا فَقَالَ: " لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا " فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ذَكَرَ مَا فَعَلَهُ الرَّجُلُ الْمَذْكُورُ فِيهِ مِنْ أَخْذِ كِنَانَةِ صَاحِبِهِ لِيَرْتَاعَ بِفَقْدِهَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ مُبَاحٌ لَهُ , فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ: " لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا " فَكَانَ قَوْلُهُ ذَلِكَ لَهُ بَعْدَ فِعْلِهِ مَا فَعَلَهُ , مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا كَانَ فَعَلَهُ نُعَيْمَانُ بِسُوَيْبِطٍ , وَمَا كَانَ فَعَلَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ فِي حَدِيثِ عَلْقَمَةَ الْمُدْلِجِيِّ بِأَصْحَابِهِ لِيَضْحَكُوا مِنْ ذَلِكَ , فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي لَيْلَى لِفَاعِلِ
مَا ذَكَرَ فِعْلَهُ إيَّاهُ فِيهِ: " لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا " فَكَانَ ذَلِكَ تَحْرِيمًا مِنْهُ لِمِثْلِ ذَلِكَ، وَنَسْخًا لِمَا كَانَ قَدْ تَقَدَّمَهُ , مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ , مِمَّا تَعَلَّقَ بِهِ مَنْ تَعَلَّقَ مِمَّنْ يَذْهَبُ إلَى إبَاحَةِ مِثْلِهِ , إنْ كَانَ مُبَاحًا حِينَئِذٍ , وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ
بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾
1626 - حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ , عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , عَنِ ابْنِ مَرْجَانَةَ , قَالَ: ذُكِرَ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ , تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ [البقرة: 284] فَبَكَى ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ لَئِنْ آخَذَنَا اللهُ بِهَا لَنَهْلِكَنَّ , فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " يَرْحَمُ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَدْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا حِينَ نَزَلَتْ مَا وَجَدَ , فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنَزَلَتْ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286] مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَكَانَ حَدِيثُ النَّفْسِ مِمَّا لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ "
1627 - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , عَنْ سَعِيدِ ابْنِ مَرْجَانَةَ , يُحَدِّثُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ الْآيَةَ فَقَالَ: وَاللهِ لَئِنْ آخَذَنَا اللهُ بِهَذَا لَنَهْلِكَنَّ , ثُمَّ بَكَى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ حَتَّى سُمِعَ نَشِيجُهُ , فَقَالَ ابْنُ مَرْجَانَةَ: فَقُمْتُ حَتَّى أَتَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ , فَذَكَرْتُ لَهُ مَا تَلَا ابْنُ عُمَرَ وَمَا فَعَلَ حِينَ تَلَاهَا , فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " يَغْفِرُ اللهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ , لَعَمْرِي لَقَدْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا حِينَ أُنْزِلَتْ مِثْلَ مَا وَجَدَ ابْنُ عُمَرَ , فَأَنْزَلَ اللهُ بَعْدَهَا ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286] إلَى آخِرِ السُّورَةِ " فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَتْ هَذِهِ
الْوَسْوَسَةُ مِمَّا لَا طَاقَةَ لِلْمُسْلِمِينَ بِهَا , فَصَارَ الْأَمْرُ إلَى أَنْ قَضَى الله عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ لِلنَّفْسِ مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ مَرْجَانَةَ يُحَدِّثُ , فَأَوْقَعَ ذَلِكَ فِي الْقُلُوبِ أَنْ يَكُونَ ابْنُ شِهَابٍ لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ عَنِ ابْنِ مَرْجَانَةَ سَمَاعًا , فَنَظَرْنَا إلَى ذَلِكَ لِنَقِفَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فِيهِ , إنْ شَاءَ اللهُ
1628 - فَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنَ حَمَّادٍ التُّجِيبِيَّ أَبَا جَعْفَرٍ قَدْ حَدَّثَنَا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعُثْمَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , عَنْ مَنْ حَدَّثَهُ، عَنْ سَعِيدِ ابْنِ مَرْجَانَةَ , ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ هَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ إنَّمَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ مَرْجَانَةَ بَلَاغًا , وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ عَنْهُ سَمَاعًا , فَبَطَلَ بِذَلِكَ هَذَا الْحَدِيثُ لِبُطْلَانِ إسْنَادِهِ ثُمَّ نَظَرْنَا , هَلْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فِي هَذَا السَّبَبِ حَدِيثٌ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ
1629 - فَوَجَدْنَا إبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي دَاوُدَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ الضَّرِيرُ , قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ , عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ الْآيَةَ جَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: لَا نُطِيقُ لَا نَسْتَطِيعُ , كُلِّفْنَا مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا نُطِيقُ، وَلَا نَسْتَطِيعُ فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: 285] إلَى قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285] فَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] قَالَ: " نَعَمْ ": ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286] الْآيَةَ , قَالَ: " نَعَمْ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ أَحْسَنَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ وَأَصَحَّ إسْنَادًا , ثُمَّ تَأَمَّلْنَاهُ فَوَجَدْنَا فِيهِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَوْلَهُمْ: لَا نُطِيقُ , لَا نَسْتَطِيعُ , كُلِّفْنَا مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا نُطِيقُ , وَمَا لَا نَسْتَطِيعُ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ عِنْدَنَا وَاللهُ أَعْلَمُ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ يُؤَاخِذُهُمْ بِخَوَاطِرِ قُلُوبِهِمْ , الَّتِي لَا يَسْتَطِيعُونَهَا وَلَا يَمْلِكُونَهَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ , فَبَيَّنَ لَهُمْ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا أَنْزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ , فَقَالَ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286] أَيْ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا مَا لَا تَمْلِكُهُ , وَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إنَّمَا كَانَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ [البقرة: 284] إنَّمَا هُوَ مَا يُخْفُونَهُ مِمَّا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ لَا يُخْفُوهُ وَمَا يُبْدُونَهُ مِمَّا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُخْفُوهُ , لَا الْخَوَاطِرُ الَّتِي لَا يَسْتَطِيعُونَ فِيهَا إبْدَاءً وَلَا إخْفَاءً، وَلَا يَمْلِكُونَهَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ ابْنِ مَرْجَانَةَ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلٌ يُخَالِفُ هَذَا الْقَوْلَ
كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو قُرَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرُّعَيْنِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: 284] الْآيَةَ قَالَ: " مِنَ الشَّهَادَةِ "
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَكَانَ هَذَا التَّأْوِيلُ عِنْدَنَا غَيْرَ صَحِيحٍ , وَكَانَ التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أَوْلَاهُمَا بِالْآيَةِ ; لِأَنَّ كِتْمَانَ الشَّهَادَةِ مِمَّا لَا يُغْفَرُ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ مِنَ الْمَشْهُودِ لَهُ وَفِي الْآيَةِ مَا قَدْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ , وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 284] ، وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ
بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا كَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ رُضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ , عِنْدَمَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: 285] إلَى آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَمَا كَانَ مِنَ اللهِ مِمَّا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ جَوَابًا لَهُمْ
حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ الْأَسَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُدَيْنَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: 285] إلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ اللهُ: قَدْ فَعَلْتُ ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: 286] , قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ , قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286] قَالَ: اللهُ: قَدْ فَعَلْتُ , ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ [البقرة: 286] الْآيَةَ، قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ , قَالَ اللهُ: قَدْ فَعَلْتُ
1630 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْهَرَوِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إيَاسٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: 285] قَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا قَالَ: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة: 285] قَالَ: اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ فَلَمَّا قَالَ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَا أُؤَاخِذْكُمْ فَلَمَّا قَالَ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: 286] قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا أَحْمِلُ عَلَيْكُمْ قَالَ: فَلَمَّا قَالَ: عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286] قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَا أُحَمِّلُكُمْ فَلَمَّا قَالَ: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ [البقرة: 286] قَالَ اللهُ: قَدْ عَفَوْتُ عَنْكُمْ فَلَمَّا قَالَ: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [البقرة: 286] قَالَ: قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ فَلَمَّا قَالَ: ﴿وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: 286] قَالَ: قَدْ رَحِمْتُكُمْ فَلَمَّا قَالَ: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286] قَالَ: قَدْ نَصَرْتُكُمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَسَأَلَ سَائِلٌ عَنِ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] وَقَالَ: النِّسْيَانُ لَيْسَ مِمَّا يَمْلِكُونَهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ , فَكَيْفَ يَسْأَلُونِ أَنْ لَا يُؤَاخَذُوا بِهِ؟ فَكَانَ جَوَابَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ , أَنَّ النِّسْيَانَ الَّذِي لَا يَمْلِكُونَهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ هُوَ النِّسْيَانُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي هِيَ أَضْدَادٌ لِلذِّكْرِ لَهَا , فَذَلِكَ مِمَّا لَا يُؤَاخَذُونَ بِهِ , وَمِمَّا لَا يَجُوزُ مِنْهُمْ سُؤَالُهُمْ رَبَّهُمْ أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُمْ بِهِ وَأَمَّا النِّسْيَانُ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ , فَإِنَّمَا هُوَ التَّرْكُ عَلَى الْعَمْدِ بِذَلِكَ , كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67] فِي مَعْنَى تَرَكُوا اللهَ فَتَرَكَهُمْ قَالَ: فَمَا الْمُرَادُ بِقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ حِكَايَةً ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] وَالْخَطَأُ فَهْمٌ غَيْرُ مَأْخُوذِينَ بِهِ كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5] فَكَانَ جَوَابَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ , بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ , أَنَّ الْخَطَأَ الَّذِي فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلَاهَا عَلَيْنَا الَّذِي لَا جُنَاحَ فِيهِ , هُوَ ضِدُّ مَا يَتَعَمَّدُونَهُ كَمَا قَالَ: عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5] وَالْخَطَأُ الَّذِي فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلَوْنَاهَا نَحْنُ عَلَيْهِ , هُوَ الْخَطَأُ الَّذِي يَفْعَلُهُ مَنْ يَفْعَلُهُ , عَلَى أَنَّهُ بِهِ مُخْطِئٌ فِي اخْتِيَارِهِ لَهُ , وَفِي قَصْدِهِ إلَيْهِ , وَفِي عَمَلِهِ بِهِ وَمِنْهُ قِيلَ: خَطِئْتُ فِي كَذَا مَهْمُوزٌ أَيْ عَمِلْتُ كَذَا خَطِيئَةً , فَذَلِكَ مِمَّا عَامِلُهُ مَأْخُوذٌ بِهِ مُعَاقَبٌ عَلَيْهِ , أَوْ مَعْفُوٌّ لَهُ عَنْهُ , إنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُعْفَى لَهُ عَنْ مِثْلِهِ , فَبَانَ بِحَمْدِ اللهِ أَنَّهُمْ رُضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ سَأَلُوا رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْضِعِ سُؤَالٍ , وَأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ غَفَرَ لَهُمْ فِي شَيْئَيْنِ قَدْ كَانَ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ أَخْذُهُمْ بِهَا , وَعُقُوبَتُهُمْ عَلَيْهَا , وَهُوَ الْمَحْمُودُ عَلَى فَضْلِهِ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ , وَرَحْمَتِهِ لَهُمْ , وَإِيَّاهُ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ
بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: " تَجَاوَزَ اللهُ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَنْطِقْ بِهِ لِسَانٌ أَوْ تَعْمَلْهُ يَدٌ "