بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: " الْحَسَنُ , وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ "
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطحاوي
- الكتاب
- شرح مشكل الآثار
- المؤلف
- أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
- الناشر
- مؤسسة الرسالة
- الطبعة
- الأولى - 1415 هـ، 1494 م
- عدد الأجزاء
- 16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
1967 - حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ الْبَجَلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْحَسَنُ , وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ , إِلَّا ابْنَيِ الْخَالَةِ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَيَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَقَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مَعَ عِلْمِكُمْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ كَانَ مِنْهُ وَالْحَسَنُ , وَالْحُسَيْنُ يَوْمَئِذٍ طِفْلَانِ لَيْسَا
بِشَابَّيْنِ , وَإِنَّمَا هَذَا الْقَوْلُ إِخْبَارٌ أَنَّهُمَا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ , وَلَيْسَا حِينَئِذٍ مِنَ الشَّبَابِ؟ . فَكَذَا جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ وَعَوْنِهِ: أَنَّهُمَا قَدْ كَانَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْقَوْلُ فِيهِمَا لَيْسَا بِشَابَّيْنِ , كَمَا ذَكَرْتَ , وَلَكِنْ بِمَعْنَى أَنَّهُمَا سَيَكُونَانِ شَابَّيْنِ سَيِّدَيْ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ , وَكَانَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَمًا مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُمَا يَكُونَانِ شَابَّيْنِ فِي الْمُسْتَأْنَفِ , وَذَلِكَ لَا يَكُونُ مِنْهُ إِلَّا بِإِعْلَامِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِيَّاهُ أَنَّهُ سَيَكُونُ وَيَكُونَانِ بِهِ كَمَا قَالَ , وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا قَالَ فِيهِمَا ذَلِكَ الْقَوْلَ , إِذْ كَانَا لَوْلَا ذَلِكَ الْقَوْلُ قَدْ يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يَمُوتَا قَبْلَ أَنْ يَكُونَا شَابَّيْنِ , أَوْ يَمُوتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ , وَلَمَا كَانَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ لَهُمَا ذَلِكَ الْقَوْلَ , فَكَانَ فِيهِ حَقِيقَةُ بُلُوغِهِمَا أَنْ يَكُونَا كَمَا قَالَ , عَقَلْنَا أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا جَازَ لَهُ لِإِعْلَامِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِيَّاهُ أَنَّهُ كَائِنٌ فِيهِمَا.
فَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِلَّا ابْنَيِ الْخَالَةِ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَيَحْيَى " فَلِاسْتِثْنَائِهِ إِيَّاهُمَا يَوْمَئِذٍ مِنْ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِتَحْقِيقِهِ الشَّبَابَ لَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا خَرَجَا مِنَ الدُّنْيَا وَهُمَا كَذَلِكَ , وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: " ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ آمَنَ بِنَبِيِّهِ ثُمَّ أَدْرَكَهُ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بِهِ , وَعَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللهِ وَحَقَّ مَوْلَاهُ , وَرَجُلٌ أَدَّبَ جَارِيَةً فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا "
1968 - حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيُّ , وَيُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ , قَالَا: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَنْبَأَنَا صَالِحُ بْنُ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيُّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ الشَّعْبِيِّ فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرٍو , إِنَّ مَنْ قَبْلَنَا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ يَقُولُونَ: إِذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَهُوَ كَالرَّاكِبِ بَدَنَتَهُ؟ قَالَ الشَّعْبِيُّ: أَخْبَرَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى , عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ ثُمَّ أَدْرَكَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ , فَلَهُ أَجْرَانِ , وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ يُؤَدِّي حَقَّ اللهِ تَعَالَى وَحَقَّ سَيِّدِهِ عَلَيْهِ , فَلَهُ أَجْرَانِ , وَرَجُلٌ لَهُ أَمَةٌ فَغَذَّاهَا فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا , ثُمَّ أَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا , ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا , فَلَهُ أَجْرَانِ " , ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ لِلْخُرَاسَانِيِّ: خُذْ هَذَا
الْحَدِيثَ بِغَيْرِ شَيْءٍ , فَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ إِلَى الْمَدِينَةِ فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْهُ
1969 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ , عَنْ صَالِحٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ أَبِي بُرْدَةَ , عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَأَدَّبَهَا , فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا , وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا , ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا , فَلَهُ أَجْرَانِ , وَأَيُّمَا عَبْدٍ مَمْلُوكٍ أَدَّى حَقَّ اللهِ عَلَيْهِ , وَحَقَّ مَوَالِيهِ , فَلَهُ أَجْرَانِ , وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ , ثُمَّ أَسْلَمَ فَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَهُ أَجْرَانِ ".
1970 - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ , عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ إِلَى عَامِرٍ , ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ صَالِحٍ وَحَدِيثِهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ , عَنْ هُشَيْمٍ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: " وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ ثُمَّ آمَنَ بِي كَانَ لَهُ أَجْرَانِ ".
1971 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ يَعْنِي الدَّوْرَقِيَّ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ , عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ , عَنْ عَامِرٍ , عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى , عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ , غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " وَمُؤْمِنُ أَهْلِ الْكِتَابِ " وَلَمْ يَذْكُرْ كَلَامَ الشَّعْبِيِّ الَّذِي فِي آخِرِهِ.
1972 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ غُلَيْبٍ الْأَزْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ , عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيِّ أَبِي حَسَنِ بْنِ حَيٍّ , ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ يُوسُفَ , عَنْ حَجَّاجٍ , عَنْ أَبِي عَوَانَةَ , سَوَاءً
1973 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ الرَّازِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ , عَنْ فِرَاسٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ أَبِي بُرْدَةَ , عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ آمَنَ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَالْكِتَابِ الْآخِرِ , وَرَجُلٌ لَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا , ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا , وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ , وَنَصَحَ لِسَيِّدِهِ ". أَوْ كَمَا قَالَ.
1974 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ رَوْحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ , عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ أَبِي بُرْدَةَ , عَنْ أَبِيهِ , ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ يُوسُفَ بْنِ يَزِيدَ , عَنْ حَجَّاجٍ , عَنْ أَبِي عَوَانَةَ , عَنْ صَالِحٍ.
1975 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ خُلَيْدٍ الْكِنْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ , وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ , ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الَّذِي جِئْنَا بِهَذِهِ الْآثَارِ مِنْ أَجْلهِ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: " وَرَجُلٌ آمَنَ بِنَبِيِّهِ ثُمَّ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بِهِ " ; لِأَنَّا عَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ مَا أَرَادَ مَنْ دَخَلَ مِنْ أَهْلِ دِينِ النَّبِيِّ الَّذِي كَانَ قَبْلَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِهِ فِي دِينِ النَّبِيِّ.
وَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَقِبِهِ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ هُوَ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ اسْتَحَقَّ أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ , وَإِنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِدُخُولِهِ فِي دِينِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَجْرًا وَاحِدًا , وَهُوَ أَجْرُ دُخُولِهِ فِي دِينِهِ.
فَأَمَّا مَا كَانَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ دِينِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ
دِينَ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ طَرَأَ عَلَى دِينِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَتَّبِعْهُ , فَخَرَجَ بِذَلِكَ مِنْ دِينِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ اتَّبَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ كَانَ قَبْلِ اتِّبَاعِهِ إِيَّاهُ عَلَى غَيْرِ مَا كَانَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ تَعَبَّدَهُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مِنْ دِينِ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَعَقَلْنَا بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الَّذِي يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ بِإِيمَانِهِ كَانَ بِنَبِيِّهِ , ثُمَّ بِإِيمَانِهِ كَانَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , هُوَ الَّذِي أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى مَا تُعُبِّدَ عَلَيْهِ مِنْ دِينِ النَّبِيِّ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ , وَهُوَ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , حَتَّى دَخَلَ مِنْهُ فِي دِينِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمِمَّا يُؤَكِّدُ مَا قَدْ ذَكَرْنَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ
1976 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ , وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ , جَمِيعًا قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ , وَيَزِيدُ أَخُو مُطَرِّفٍ , - وَرَجُلَانِ آخَرَانِ نَسِيَ هَمَّامٌ أَسْمَاءَهُمَا - أَنَّ مُطَرِّفًا حَدَّثَهُمْ.
أَنَّ عِيَاضَ بْنَ حِمَارٍ حَدَّثَهُ , أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: " إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اطَّلَعَ عَلَى عِبَادِهِ فَمَقَتَهُمْ عَجَمَهُمْ وَعَرَبَهُمْ , إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ".
فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي مَقْتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمْ عِنْدَنَا - وَاللهُ أَعْلَمُ - الَّذِينَ بَقَوْا عَلَى مَا بُعِثَ بِهِ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ لَمْ يُبَدِّلْهُ , وَلَمْ يُدْخِلْ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ , وَبَقِيَ عَلَى مَا تَعَبَّدَهُ اللهُ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ هَذَا الْقَوْلَ , وَاللهَ تَعَالَى نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا خَاطَبَ بِهِ قَيْصَرَ فِي كِتَابِهِ إِلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ: " أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ , وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَعَلَيْكَ إِثْمُ الْأَرِيسِيِّينَ "
1977 - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ بْنِ أَبِي خَلِيفَةَ الرُّعَيْنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الْأَزْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأُوَيْسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ , عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ , أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ , مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ: أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا لَهُمْ بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ: " بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ , مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ , سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى , أَمَّا بَعْدُ , فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ , أَسْلِمْ تَسْلَمْ , وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ , فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ إِثْمُ الْأَرِيسِيِّينَ , ﴿وَيَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ إِلَى
قَوْلِهِ: ﴿بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64] " فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ ارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ عِنْدَهُ , وَكَثُرَ اللَّغَطُ , فَأَمَرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا.
فَقُلْتُ: لِأَصْحَابِي , لَقَدْ عَظُمَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ , إِنَّهُ لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ , فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا بِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ.
1978 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ الْبَرْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْأَبْرَشُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.
1979 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ , وَاللَّيْثُ بْنُ عَبْدَةَ , قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.
1980 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ رِجَالٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , ثُمَّ ذَكَرَ
بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَاحْتَجْنَا أَنْ نَعْلَمَ , مَنِ الْأَرِيسِيُّونَ الْمَذْكُورُونَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ؟ فَوَجَدْنَا أَبَا عُبَيْدٍ قَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ: كِتَابَ الْأَمْوَالِ , مِمَّا كَتَبَ بِهِ إِلَيَّ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُحَدِّثْنِيهِ بِهِ عَنْهُ قَالَ: هُمُ الْخَدَمُ وَالْخَوَلَةُ , قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: كَأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ يَكُونُ عَلَيْهِ إِثْمُهُمْ لِصَدِّهِ إِيَّاهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ بِمَلَكَتِهِ لَهُمْ , وَرِيَاسَتِهِ عَلَيْهِمْ , كَمِثْلِ مَا حَكَى الله عَزَّ وَجَلَّ عَمَّنْ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: 67] , وَكَمِثْلِ قَوْلِ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ , لِفِرْعَوْنَ لَمَّا قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ لِمُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْآيَةِ الْمُعْجِزَةِ الَّتِي جَاءَهُمْ بِهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِمَّا لَا يَجِيءُ مِنَ السَّحَرِ مِثْلُهُ: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه: 73] أَيِ: اسْتَعْمَلْتَنَا فِيهِ , وَأَجْرَيْتَنَا عَلَيْهِ , قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: وَهَكَذَا يَقُولُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ , يَعْنِي مَا يَقُولُونَهُ مِنَ الْأَرِيسِيِّينَ وَالصَّحِيحُ: الْأَرِيسِينَ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا عِنْدَنَا بِخِلَافِ مَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ مِمَّا حَكَاهُ عَنْهُمْ هُوَ عَلَى نِسْبَتِهِ إِيَّاهُمْ إِلَى رَئِيسٍ
يُقَالُ لَهُ أَرِيسٌ , فَيُقَالُ فِي جَرِّهِ وَنَصْبِهِ: الْأَرِيسِيِّينَ , وَيُقَالُ فِي رَفْعِهِ: الْأَرِيسِيُّونَ , كَمَا يُقَالُ لِلْقَوْمِ إِذَا كَانُوا مَنْسُوبِينَ إِلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ يَعْقُوبُ: الْيَعْقُوبِيِّينَ فِي نَصْبِ ذَلِكَ وَفِي جَرِّهِ , وَتَقُولُ فِي رَفْعِهِ: هَؤُلَاءِ الْيَعْقُوبِيُّونَ , فَمِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرْنَا الْأَرِيسِيِّينَ وَالْأَرِيسِيُّونَ , وَإِذَا أَرَدْتَ بِذَلِكَ الْجَمْعَ لِلْأَعْدَادِ لَا الْإِضَافَةَ إِلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ يَعْقُوبُ قُلْتَ فِي الْجَرِّ وَالنَّصْبِ: الْيَعْقُوبِيِّينَ , وَقُلْتَ فِي الرَّفْعِ: الْيَعْقُوبِيُّونَ , فَبَانَ بِحَمْدِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ أَنَّ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ لَمْ يُخْطِئُوا فِيمَا ادَّعَى عَلَيْهِمْ أَبُو عُبَيْدٍ الْخَطَأَ فِيهِ , وَأَنَّهُمْ قَالُوا مُحْتَمِلًا لِمَا قَالُوهُ , وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِهَذِهِ الْمَعَانِي أَنَّ فِي رَهْطِ هِرَقْلَ فِرْقَةً تُعْرَفُ بِالْأَرُوسِيَّةِ , تُوَحِّدُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ , وَتَعْتَرِفُ بِعُبُودِيَّةِ الْمَسِيحِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ , وَلَا تَقُولُ فِيهِ شَيْئًا مِمَّا تَقُولُهُ النَّصَارَى فِي رُبُوبِيَّتِهِ , وَمِنْ بُنُوَّةٍ , وَأَنَّهَا مُتَمَسِّكَةٌ بِدِينِ الْمَسِيحِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مُؤْمِنَةٌ بِمَا فِي إِنْجِيلِهِ , جَاحِدَةٌ لِمَا تَقُولُهُ النَّصَارَى سِوَى ذَلِكَ , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يُقَالَ لِهَذِهِ الْفِرْقَةِ: الْأَرِيسِيُّونَ , فِي الرَّفْعِ , وَالْأَرِيسِيِّينَ فِي النَّصْبِ وَالْجَرِّ , كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ , وَجَازَ بِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْفِرْقَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الَّذِي قَدْ رَوَيْنَاهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا , وَجَازَ أَنْ يَكُونَ قَيْصَرُ كَانَ حِينَ كَتَبَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا كَتَبَ إِلَيْهِ عَلَى مِثْلِ مَا هِيَ عَلَيْهِ , فَجَازَ بِذَلِكَ
إِذَا اتَّبَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَخَلَ فِي دِينِهِ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ , وَجَازَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْفِرْقَةُ عَلِمَتْ بِمَكَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِدِينِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَهُ قَيْصَرُ فَلَمْ يَتَّبِعُوهُ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِيهِ , وَلَمْ يُقِرُّوا بِنُبُوَّتِهِ , وَفِي كِتَابِ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَارَتُهُ بِهِ , كَمَا قَدْ حَكَى الله عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6] فَخَرَجُوا بِذَلِكَ مِنْ دِينِ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ هُوَ عِيسَى الَّذِي بَشَّرَ بِأَحْمَدَ لَا عِيسَى سِوَاهُ , فَكَتَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَيْصَرَ: " إِنَّكَ إِنْ تَوَلَّيْتَ فَعَلَيْكَ إِثْمُ الْأَرِيسِيِّينَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ مِلَّةِ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ". فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ: وَكَيْفَ يَكُونُ عَلَيْهِ إِثْمُ غَيْرِهِ؟ فَكَانَ جَوَابَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّ الْإِثْمَ الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ إِنْ تَوَلَّى إِنَّمَا هُوَ مِثْلُ إِثْمِ الْأَرِيسِيِّينَ لَا إِثْمُ الْأَرِيسِيِّينَ بِعَيْنِهِ , وَهَذَا كَمِثْلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] لَيْسَ أَنَّهُ يَكُونُ عَلَيْهِنَّ شَيْءٌ مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي يَكُونُ عَلَى الْمُحْصَنَاتِ , وَلَكِنَّهُ مِثْلُ نِصْفِ الْعَذَابِ الَّذِي يَكُونُ عَلَى الْمُحْصَنَاتِ , فَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَعَلَيْكَ إِثْمُ الْأَرِيسِيِّينَ " إِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ: فَعَلَيْكَ مِثْلُ إِثْمِ الْأَرِيسِيِّينَ , فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ: فَقَدْ رَوَيْتَ لَنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِكَ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ , وَقَوْلُهُ مَعَ ذَلِكَ: " فَإِنِّي
أَخَافُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ " وَفِيمَا رَوَيْتَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كِتَابُهُ إِلَى قَيْصَرَ بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ مِمَّا يَقَعُ فِي يَدِهِ بَعْدَ وُصُولِ كِتَابِهِ إِلَيْهِ.
فَكَانَ جَوَابَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِخِلَافٍ لِنَهْيِهِ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ , وَخَوْفِ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ , وَإِنَّمَا هَذَا عَلَى السَّفَرِ بِبَعْضِهِ إِلَى الْعَدُوِّ وَمَا قَبْلَهُ عَلَى السَّفَرِ بِكُلِّهِ إِلَى الْعَدُوِّ , فَتَصْحِيحُهَا إِبَاحَةُ السَّفَرِ بِالْأَحْرَازِ الَّتِي فِيهَا مِنَ الْقُرْآنِ مَا يَكُونُ فِي أَمْثَالِهَا , وَالْكَرَاهَةُ لِلسَّفَرِ بِكُلِّيَّتِهِ إِلَيْهِمْ عِنْدَ خَوْفِهِمْ عَلَيْهِ , وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ