بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: " أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى "
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطحاوي
- الكتاب
- شرح مشكل الآثار
- المؤلف
- أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
- الناشر
- مؤسسة الرسالة
- الطبعة
- الأولى - 1415 هـ، 1494 م
- عدد الأجزاء
- 16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
1825 - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ , أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ , حَدَّثَهُ , عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى , يَقُولُونَ: يَثْرِبُ , وَهِيَ الْمَدِينَةُ تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ "
1826 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ , وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ , أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ , حَدَّثَهُمَا أَنَّ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ حَدَّثَهُ , أَنَّهُ.
سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " أُمِرْتُ بَقَرِيَّةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى , يُقَالُ لَهَا يَثْرِبُ , وَهِيَ الْمَدِينَةُ تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ الْخَبَثَ " إِلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
. .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فَوَجَدْنَا قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أُمِرْتُ بَقَرِيَّةٍ " عَلَى مَعْنَى: أُمِرْتُ بِالْهِجْرَةِ إِلَى قَرْيَةٍ , وَوَجَدْنَا قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تَأْكُلُ الْقُرَى " بِمَعْنَى قَوْلِهِ: يَأْكُلُ أَهْلُهَا الْقُرَى , كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112] بِمَعْنَى: وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَ أَهْلُهَا آمَنِينَ مُطْمَئِنِّينَ , وَكَانَ ذِكْرُ الْقَرْيَةِ فِي هَذَا كِنَايَةً عَنْ أَهْلِهَا , وَأَهْلُهَا الْمُرَادُونَ بِمَا ذُكِرَ فِيهَا لَا هِيَ , وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112] , وَالْقَرْيَةُ لَا صُنْعَ لَهَا , وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ﴾ [النحل: 112] وَالْقَرْيَةُ لَا كُفْرَ لَهَا , وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: 112] وَالْقَرْيَةُ لَا تُذَاقُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا , وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ [النحل: 113] فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ مَا قَبْلَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ مُرَادٌ بِهِ أَهْلَ الْقَرْيَةِ لَا الْقَرْيَةَ , كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: 82] بِمَعْنَى: وَاسْأَلْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كُنَّا فِيهَا , وَاسْأَلْ أَهْلَ الْعِيرِ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا.
وَوَجَدْنَا قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تَأْكُلُ الْقُرَى " بِمَعْنَى قَوْلِهِ: تَفْتَحُ الْقُرَى , أَيْ يَفْتَحُ أَهْلُهَا الْقُرَى.
وَوَجَدْنَا قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تَأْكُلُ " بِمَعْنَى: تَقْدِرُ , كَقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: 10] لَيْسَ يَعْنِي بِذَلِكَ آكِلِيهَا دُونَ مُحْتَجِبِيهَا عَنِ الْيَتَامَى: لَا بِأَكْلٍ لَهَا , وَكَقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: 6] بِمَعْنَى قَوْلِهِ: تَغْلِبُوا عَلَيْهَا إِسْرَافًا عَلَى أَنْفُسِكُمْ , وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا , فَيُقِيمُونَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ
فِيهَا , فَيَنْتَزِعُوهَا مِنْكُمْ لِأَنْفُسِهِمْ , فَكَانَ الْأَكْلُ فِيمَا ذَكَرْنَا يُرَادُ بِهِ الْغَلَبَةُ عَلَى الشَّيْءِ , لِأَنَّ كُلَّ آكِلٍ لِشَيْءٍ غَالِبٌ عَلَيْهِ , فَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تَأْكُلُ الْقُرَى " يَعْنِي أَهْلَهَا , هُوَ بِمَعْنَى تَقْدِرُ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى , بِافْتِتَاحِ أَهْلِهَا تِلْكَ الْقُرَى , وَغَلَبَتِهِمْ عَلَيْهَا وَعَلَى أَهْلِهَا , وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ حَتَّى أَظْهَرَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ.
وَقَدْ كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يُفَسِّرُ: " تَأْكُلُ الْقُرَى " بِمِثْلِ مَا فَسَّرْنَاهُ بِهِ.
كَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: قَالَ لَنَا ابْنُ وَهْبٍ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تَأْكُلُ الْقُرَى " قَالَ: تَفْتَحُ الْقُرَى.
فَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلْنَا قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَيْهِ , وَاللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّبَبِ الَّذِي فِيهِ نَزَلَتْ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾
[آل عمران: 188]
1827 - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ , عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ , عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ , أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فَقَالَ مَرْوَانُ , لِرَافِعٍ: فِي أَيِّ شَيْءٍ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: 188] الْآيَةَ؟ قَالَ رَافِعٌ: نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ , كَانُوا إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى سَفَرٍ تَخَلَّفُوا عَنْهُ , فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ اعْتَذَرُوا وَقَالُوا: مَا حَبَسَنَا عَنْكُمْ إِلَّا السَّقَمُ وَالشُّغْلُ , وَلَوَدِدْنَا أَنَّا كُنَّا مَعَكُمْ , فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِيهِمْ , فَكَأَنَّ مَرْوَانَ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَجَزِعَ رَافِعٌ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ:
أَنْشُدُكَ اللهَ , هَلْ تَعْلَمُ مَا أَقُولُ؟ فَقَالَ زَيْدٌ: نَعَمْ , فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ عَنْدِ مَرْوَانَ فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ وَهُوَ يَمْزَحُ مَعَهُ: أَمَا تَحْمَدُنِي كَمَا شَهِدْتُ لَكَ؟ فَقَالَ رَافِعٌ: وَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا , أَحْمَدُكَ أَنْ تَشْهَدَ بِالْحَقِّ؟ فَقَالَ زَيْدٌ: نَعَمْ , قَدْ حَمِدَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْحَقِّ أَهْلَهُ
1828 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ , وَحَلَفُوا وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا , فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: 188]
1829 - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي عَبَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ , أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ , أَخْبَرَهُ.
أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ: اذْهَبْ يَا رَافِعُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْ: لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ مِنَّا فَرِحَ بِمَا أَتَى , وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا , لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعِينَ , فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ الْآيَةِ؟ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ , ثُمَّ تَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 187] الْآيَةَ , ثُمَّ تَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: 188] , قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَأَلَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ , وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ , فَخَرَجُوا وَقَدْ أَرَوْهُ أَنْ أَخْبَرُوهُ بِمَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ , وَاسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ , وَفَرِحُوا بِمَا أَتَوْا مِنْ كِتْمَانِهِمْ إِيَّاهُ مَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ
1830 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ الْأَزْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ , مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ , أَنَّهُ حَدَّثَهُ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِفِنْحَاصَ , وَكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ وَأَحْبَارِهِمْ: اتَّقِ اللهَ وَأَسْلِمْ , فَوَاللهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِ اللهِ , جَاءَكُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِهِ , تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عَنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ , فَقَالَ فِنْحَاصُ: يَا أَبَا بَكْرٍ , وَاللهِ مَا بِنَا إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ فَقْرٍ , وَإِنَّهُ إِلَيْنَا لَيَفْتَقِرُ , وَمَا نَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ كَمَا يَتَضَرَّعُ إِلَيْنَا , وَإِنَّا عَنْهُ لَأَغْنِيَاءُ , وَلَوْ كَانَ عَنَّا غَنِيًّا لَمَا اسْتَقْرَضَنَا أَمْوَالَنَا كَمَا يَزْعُمُ صَاحِبُكُمْ , يَنْهَاكُمْ عَنِ الرِّبَا وَيُعْطِينَاهُ , وَلَوْ كَانَ عَنَّا غَنِيًّا مَا أَعْطَانَا الرِّبَا , فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ فَضَرَبَ وَجْهَ فِنْحَاصَ , فَأَخْبَرَ فِنْحَاصُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ: " مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا
صَنَعْتَ؟ " فَأَخْبَرَهُ , فَجَحَدَ ذَلِكَ فِنْحَاصُ وَقَالَ: مَا قُلْتُ ذَلِكَ , فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: 181] الْآيَةَ , إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: 181] , وَأَنْزَلَ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَمَا بَلَغَهُ مِنْ ذَلِكَ الْغَضَبِ: ﴿وَلَتَسْمَعُنْ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186] وَقَالَ فِي مَا قَالَ فِنْحَاصُ وَأَحْبَارٌ مِنَ الْيَهُودِ مَعَهُ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187] إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 187] , يَعْنِي فِنْحَاصَ , وَأَشْبَعَ وَأَشْبَاهَهُمَا مِنَ الْأَحْبَارِ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا يُصِيبُونَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَا زَيَّنُوا لِلنَّاسِ مِنَ الضَّلَالَةِ , وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا , وَلِيَقُولَ
النَّاسُ: لَهُمْ عِلْمٌ , وَلَيْسُوا بِأَهْلِ عِلْمٍ , لَمْ يَحْمِلُوهُمْ عَلَى هُدًى وَلَا عَلَى خَيْرٍ , وَيُحِبُّونَ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: قَدْ فَعَلُوا , وَلَمْ يَفْعَلُوا فَقَالَ قَائِلٌ: فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ تَضَادٌّ شَدِيدٌ؛ لِأَنَّ فِيهَا عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ قُدُومِهِ مِنْ غَزْوِهِ أَنَّهُمْ لَمْ يُخَلِّفْهُمْ عَنْهُ أَنْ يَكُونُوا مَعَهُ فِي غَزْوِهِ إِلَّا السَّقَمُ وَالشُّغْلُ؛ وَلِأَنَّ فِيهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ , وَأَنَّ الْمُرَادِينَ بِهَا أَهْلُ الْكِتَابِ الَّذِينَ أَخْبَرُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ مَا فِي كِتَابِهِمْ حِينَ سَأَلَهُمْ عَنْهُ فَأَخْبَرُوهُ بِخِلَافِهِ , وَهَذَا تَضَادٌّ شَدِيدٌ.
فَكَانَ جَوَابَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنْ لَا تَضَادَّ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا قَدْ كَانَا , فَكَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا ذَكَرَهُ رَافِعٌ وَأَبُو سَعِيدٍ , وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ , فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي مَا كَانَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا , فَعَلِمَ رَافِعٌ وَأَبُو سَعِيدٍ مَا نَزَلَتْ فِيهِ مِمَّا كَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ , وَعَلِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا نَزَلَتْ فِيهِ مِمَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ , وَلَمْ يَعْلَمْ وَاحِدٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مَا عَلِمَ الْفَرِيقُ الْآخَرُ مَا نَزَلَتْ فِيهِ , فَحَدَّثَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ بِمَا عَلِمَ بِهِ مِمَّا كَانَتِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِيهِ مِنَ السَّبَبَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَ نُزُولُهَا فِيهِمَا , وَكَانَ نُزُولُهَا فِي الْحَقِيقَةِ
فِي السَّبَبَيْنِ جَمِيعًا لَا فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ , فَبَانَ بِحَمْدِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ أَنَّهُ لَمْ يَبِنْ لَنَا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ تَضَادٌّ , وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ