بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَرَاهِيَةِ ذَهَبِ الْمَعَادِنِ، وَإِخْبَارِهِ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطحاوي
- الكتاب
- شرح مشكل الآثار
- المؤلف
- أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
- الناشر
- مؤسسة الرسالة
- الطبعة
- الأولى - 1415 هـ، 1494 م
- عدد الأجزاء
- 16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
4770 - حَدَّثَنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَفَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَا: حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ , عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو , عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا لَزِمَ غَرِيمًا لَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا عِنْدِي شَيْءٌ أَقْضِيكَهُ الْيَوْمَ، فَقَالَ: وَاللهِ لَا أُفَارِقُكَ حَتَّى تُعْطِيَنِي، أَوْ تَأْتِيَنِي بِحَمِيلٍ يَتَحَمَّلُ عَنْكَ قَالَ: وَاللهِ مَا عِنْدِي قَضَاءٌ، وَمَا أَجِدُ أَحَدًا يَتَحَمَّلُ عَنِّي قَالَ: فَجَرَّهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ , إِنَّ هَذَا لَزِمَنِي، وَاسْتَنْظَرْتُهُ شَهْرًا وَاحِدًا، فَأَبَى حَتَّى أَقْضِيَهُ، أَوْ آتِيَهُ بِحَمِيلٍ، فَقُلْتُ: وَاللهِ مَا عِنْدِي حَمِيلٌ، وَلَا أَجِدُ قَضَاءً الْيَوْمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هَلْ تَسْتَنْظِرُهُ إِلَّا شَهْرًا وَاحِدًا؟ " قَالَ: لَا قَالَ: " فَأَنَا أَحْمِلُ بِهَا عَنْهُ "، فَحَمَلَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، فَأَتَاهُ بِقَدْرِ مَا وَعَدَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَ هَذِهِ الذَّهَبَ؟ " قَالَ: مِنْ مَعْدِنٍ قَالَ: " لَا حَاجَةَ لَنَا بِهَا، لَيْسَ فِيهَا خَيْرٌ "، فَقَضَاهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الذَّهَبِ الَّذِي جَاءَهُ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلِ لَمَّا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ بَعْضِ الْمَعَادِنِ: " أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ " , فَقَالَ قَائِلٌ: وَهَلْ جَمِيعُ الذَّهَبِ الَّذِي فِي أَيْدِي النَّاسِ يَصْرِفُونَهُ فِي زَكَوَاتِهِمْ، وَفِي مُهُورِ نِسَائِهِمْ، وَفِي أَثْمَانِ بِيَاعَاتِهِمْ إِلَّا مِنَ الْمَعَادِنِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا، وَدَفَعَ بِذَلِكَ هَذَا الْحَدِيثَ أَنْ يَكُونَ مَقْبُولًا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أُخِذَ مِنَ الْمَعَادِنِ مَا فِيهِ خِلَافُ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ
4771 - فَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ , عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ , عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَصَابَهَا فِي بَعْضِ الْمَعَادِنِ، فَقَالَ: خُذْهَا يَا رَسُولَ اللهِ , فَوَاللهِ مَا أَصْبَحْتُ أَمْلِكُ غَيْرَهَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَاهُ عَنْ شِمَالِهِ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: " هَاتِهَا " مُغْضَبًا، فَأَخَذَهَا، فَحَذَفَهُ بِهَا حَذْفَةً لَوْ أَصَابَهُ لَشَجَّهُ أَوْ عَقَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: " يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَالِهِ كُلِّهِ، فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ يَتَكَفَّفُ
النَّاسَ، إِنَّهُ لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى "
4772 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ , عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ , عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ حَدِيثَهُ مِنْ فِيهِ، فَذَكَرَ حَدِيثَهُ بِطُولِهِ، وَقَالَ فِيهِ: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كَاتِبْ " فَسَأَلْتُ صَاحِبِي ذَلِكَ، فَلَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى كَاتَبَنِي عَلَى أَنْ أُحْيِيَ لَهُ ثَلَاثَ مِائَةِ نَخْلَةٍ، وَبِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنْ وَرِقٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَعِينُوا أَخَاكُمْ بِالنَّخْلِ " فَأَعَانَنِي كُلُّ رَجُلٍ يَقْدِرُ بِالثَّلَاثِينَ، وَالْعِشْرِينَ، وَالْخَمْسَ عَشْرَةَ، وَالْعَشْرِ، ثُمَّ قَالَ لِي: " يَا سَلْمَانُ، اذْهَبْ فَفَقِّرْ لَهَا، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَضَعَهَا، فَلَا تَضَعْهَا حَتَّى تَأْتِيَ، فَتُؤْذِنَنِي، فَأَكُونُ أَنَا الَّذِي أَضَعُهَا بِيَدِي " فَقُمْتُ فِي تَفْقِيرِي، وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي حَتَّى فَقَّرْنَا شِرْبَهَا ثَلَاثَ مِائَةِ وَدِيَّةٍ، وَجَاءَ كُلُّ
رَجُلٍ بِمَا أَعَانَنِي بِهِ مِنَ النَّخْلِ، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَ يَضَعُهَا بِيَدِهِ، وَجَعَلَ يُسَوِّي عَلَيْهَا تُرَابَهَا وَيُنْزِلُ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا جَمِيعًا، فَلَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا نَفَقَتْ مِنْهَا وَاحِدَةٌ، وَبَقِيَتِ الدَّرَاهِمُ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي أَصْحَابِهِ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِمِثْلِ الْبَيْضَةِ مِنْ ذَهَبٍ أَصَابَهَا مِنْ بَعْضِ الْمَعَادِنِ، فَتَصَدَّقَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا فَعَلَ الْفَارِسِيُّ الْمِسْكِينُ الْمُكَاتَبُ؟ ادْعُوهُ لِي "، فَدُعِيتُ لَهُ، فَجِئْتُ، فَقَالَ: " اذْهَبْ، فَأَدِّهَا عَنْكَ مِمَّا عَلَيْكَ مِنَ الْمَالِ " قُلْتُ: وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ مِمَّا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: " إِنَّ اللهَ سَيُؤَدِّي بِهَا عَنْكَ " فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ لَا نَعْلَمُهُ كَمَا حُكِيَ، إِذْ كَانَ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَالَ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ مَا قَالَهُ فِيهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ الْمَعَادِنُ لِلنَّاسِ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْغَنَائِمِ، وَالْخُمُسُ وَاجِبٌ فِيهَا لِوُجُوبِهِ فِي الْغَنَائِمِ، وَمِمَّنْ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ فِي الْمَعَادِنِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَقَدْ كَانَتِ الْغَنَائِمُ مُحَرَّمَةً عَلَى مَنْ قَبْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الْأُمَمِ، وَعَلَى هَذِهِ
الْأُمَّةِ فِي مُدَّةٍ مِنَ الْإِسْلَامِ حَتَّى أَحَلَّهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ رَحْمَةً مِنْهُ إِيَّاهُمْ، وَتَخْفِيفًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ، فَكَانَتْ قَبْلَ إِحْلَالِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِيَّاهَا لَهُمْ لَا خَيْرَ لَهُمْ فِي الْمَوْجُودِ فِيهَا، وَهِيَ عِنْدَ قَوْمٍ آخَرِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ، وَهُمْ أَهْلُ الْحِجَازِ، فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ فَرْضِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الزَّكَاةَ عَلَى عِبَادِهِ فِي أَمْوَالِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ مَا وُجِدَ مِمَّا إِذَا أَخَذُوهُ مِنَ الْمَعَادِنِ كَانَ مَالًا لَهُمْ فِيهِ خَيْرٌ لِذَلِكَ، ثُمَّ فَرَضَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا الزَّكَاةَ، فَعَادَتْ إِلَى خِلَافِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَصَارَتْ مِمَّا فِيهِ الْخَيْرُ وَالْقُرْبَةُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَدَّى الْمَفْرُوضَ فِي ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَكَانَ مَا ذَكَرْنَا مِمَّا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ فِي حَالِ الْحُكْمِ كَانَ فِيهَا فِي الْمَوْجُودِ فِي الْمَعَادِنِ خِلَافَ الْحُكْمِ فِي الْمَوْجُودِ فِيهَا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَيْضًا وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَانَ قَدْ تَحَمَّلَ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِالدَّيْنِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، صَارَ ذَلِكَ الدَّيْنُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ لِمَنْ هُوَ لَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ الدَّيْنُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ مَضْرُوبَةً، فَلَمَّا جَاءَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْمُتَحَمَّلُ عَنْهُ بِمَا جَاءَهُ بِهِ مِمَّا وَجَدَهُ فِي الْمَعْدِنِ الَّذِي وَجَدَهُ، وَلَيْسَ بِدَنَانِيرَ مَضْرُوبَةٍ، إِنَّمَا هُوَ ذَهَبٌ غَيْرُ مَضْرُوبٍ، وَذَلِكَ عِنْدَ النَّاسِ دُونَ الدَّنَانِيرِ الْمَضْرُوبَةِ مِنْ مِثْلِهِ، وَكَانَ أَدَاءُ ذَلِكَ قَضَاءً عَنْ مَا قَدْ كَانَ، صَارَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَحَمُّلِهِ إِيَّاهُ عَمَّا قَدْ كَانَ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ مِنْ شَرِيعَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً، وَكَانَ هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِذَلِكَ، فَكَانَ أَنْ دَفَعَ إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي يَحْمِلُ لَهُ ذَلِكَ الذَّهَبَ قَضَاءً عَنِ الدَّنَانِيرِ الَّذِي يَحْمِلُ لَهُ بِهَا الْمَضْرُوبَةَ لَمْ يُحْسِنْ قَضَاءَهُ، وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْعَدُ النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ، فَكَرِهَ
أَخْذَهَا لِذَلِكَ، وَأَدَّى إِلَى الَّذِي تَحَمَّلَ لَهُ بِهَا مِنْ مَالِهِ دَنَانِيرَ لَا نَقْصَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَلَا كَرَاهَةَ عِنْدَهُ فِي أَخْذِهِ إِيَّاهَا، وَهَذَا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ، وَكَانَ مَا قَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ مِمَّا حَمَلْنَا مَا رُوِّينَاهُ فِيهِ عَلَى مَا حَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ صَرَفْنَا إِيَّاهُ إِلَى مَا صَرَفْنَاهُ إِلَيْهِ مَا قَدِ انْتَفَى عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِمَّا قَدْ رُوِّينَاهُ عَنْهُ فِيهِ تَضَادٌّ أَوِ اخْتِلَافٌ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الذَّهَبَ الَّذِي كَانَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعَثَ بِهِ إِلَيْهِ مِنَ الْيَمَنِ، فَدَفَعَهُ إِلَى مَنْ دَفْعِهِ إِلَيْهِ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، هَلْ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِيمَا وُجِدَ فِي الْمَعَادِنِ هُوَ الصَّدَقَةُ، أَمْ لَا؟
4773 - حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ أَبِي سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الْيَمَنِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِذَهَبَةٍ مِنْ تُرْبَتِهَا، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ: بَيْنَ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَزَيْدِ الْخَيْرِ الطَّائِيِّ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ، فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ، وَقَالَتْ: يُعْطِي صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّمَا
أُعْطِيهِمْ أَتَأَلَّفُهُمْ "
4774 - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ الْبَجَلِيِّ
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذُهَيْبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا مِنَ الْيَمَنِ، فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةٍ: الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ التَّمِيمِيِّ، وَبَيْنَ عَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ، وَبَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ، وَبَيْنَ زَيْدِ الْخَيْلِ الطَّائِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ قَالَ: فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ وَالْأَنْصَارُ، وَقَالُوا: يُعْطِي صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا فَقَالَ: " إِنِّي أَتَأَلَّفُهُمْ " فَقَالَ قَائِلٌ: فِي صَرْفِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ الذَّهَبَ الْمَوْجُودَ فِي الْمَعْدِنِ إِلَى الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّهُ مِنَ الْمَالِ الَّذِي يُعْطَى مِنْهُ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ، وَهُوَ أَمْوَالُ الزَّكَوَاتِ، فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّهُ لَا دَلِيلَ لَهُ بِذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ يَتَأَلَّفُ قُلُوبَ أُولَئِكَ الْقَوْمِ مِنَ الصَّدَقَاتِ كَمَا قَدْ ذَكَرَ هَذَا الْقَائِلُ، وَقَدْ كَانَ يَتَأَلَّفُهُمْ مِنْ غَيْرِهَا
4775 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ مِائَةً
مِنَ الْإِبِلِ: عُيَيْنَةَ بْنَ بَدْرٍ، وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ وَلَمَّا كَانَ مَا ذَكَرْنَا كَذَلِكَ انْتَفَى أَنْ يَكُونَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ دَلِيلٌ لِهَذَا الْقَائِلِ عَلَى مَا تُوُهِّمَ أَنَّهُ دَلِيلٌ لَهُ عَلَى مَا اسْتَدَلَّ بِهِ فِيهِ، وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَحْكَامِ أَقْوَالِ السَّكْرَانِ وَأَفْعَالِهِ، وَفِي الْحُكْمِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ سَكْرَانًا مَا هُوَ؟ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَوَّلُ مَا نَبْتَدِئُ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43] فَكَانَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ نَهْيُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِيَّاهُمْ فِي الْحَالِ الَّتِي كَانَتِ الْخَمْرُ فِيهَا حَلَالًا لَهُمْ أَنْ يَقْرَبُوا الصَّلَاةَ إِذَا شَرِبُوهَا، حَتَّى صَارُوا لَا يَعْلَمُونَ مَا يَقُولُونَ، وَقَدْ رُوِّينَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا حَدِيثَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ مُنَادِيَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ يُنَادِي: " لَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ " وَفَى هَذَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا قَدْ نُهُوا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ مِنْ هَذَا، قَدْ كَانَتْ بَقِيَتْ مِنْ عُقُولِهِمْ بَقِيَّةٌ يَعْلَمُونَ بِهَا مَا نُهُوا عَنْهُ وَلَا يَدْخُلُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ السَّكْرَانَ الْمُسْتَحِقَّ لِاسْمِ السُّكْرِ لَيْسَ هُوَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ الْأَرْضَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَا الْمَرْأَةَ مِنَ الرَّجُلِ، كَمَا كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُهُ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي مَعَهُ
التَّخْلِيطُ مِنْ أَجْلِ السُّكْرِ الَّذِي قَدْ صَارَ مِنْ أَهْلِهِ فَصَارَ يَلْحَقُهُ بِهِ التَّخْلِيطُ فِي أَقْوَالِهِ، وَفِي أَفْعَالِهِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ مِنْ نَفْسِهِ الِامْتِنَاعَ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا كَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُهُ فيهِ، وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى
4776 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: دَعَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلِيًّا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَأَصَابُوا مِنَ الْخَمْرِ يَعْنِي قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ فَقَدَّمُوا عَلِيًّا فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، فَقَرَأَ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] فَخَلَطَ فِيهَا، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] قَالَ: فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ السُّكْرَ الَّذِي يُسَمَّى صَاحِبُهُ سَكْرَانًا، وَيَدْخُلُ
فِي أَحْكَامِ أَهْلِهِ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ أَبُو يُوسُفَ سَكْرَانًا بِمَا يُحَدِّثُ فِيهِ بِالسُّكْرِ لَا السَّكْرَانُ الْآخَرُ الَّذِي جَعَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ سَكْرَانًا بِالْأَحْوَالِ الَّتِي ذَكَرَهَا مِمَّا يُحَدِّثُ فِيهِ , فَقَالَ قَائِلٌ: هَذَا الْحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ لَيْسَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُحْتَجَّ فِي هَذَا الْبَابِ بِمِثْلِهِ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّهُ
وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا فِي رِوَايَةِ الْفِرْيَابِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، فَإِنَّ غَيْرَهُ مِنْ رُوَاةِ سُفْيَانَ قَدْ رَفَعَهُ مِنْهُمْ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُ، فَذَكَرُوهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ مَرْفُوعًا، كَمَا ذَكَرْنَا
4777 - مِمَّا نَاوَلَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ فِي كِتَابِهِ بِخَطِّهِ أَمَرَنَا بِانْتِسَاخِهِ لِيُحَدِّثَنَا بِهِ، فَكَانَ فِيهِ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ سَعِيدٍ يَعْنِي الرِّبَاطِيَّ، أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ الدَّشْتَكِيَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ يَعْنِي الرَّازِيَّ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ , عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: " صَنَعَ لَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ طَعَامًا، فَدَعَانَا فَأَكَلْنَا، وَسَقَانَا مِنَ الْخَمْرِ، فَأَخَذَتْ فِينَا، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَدَّمُونِي، فَقَرَأْتُ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: 2] وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] فَعَادَ هَذَا الْحَدِيثُ مُتَّصِلَ الْإِسْنَادِ، وَلَمَّا وَقَفْنَا عَلَى السَّكْرَانِ الَّذِي تَزُولُ بِهِ أَحْكَامُهُ عَنْ أَحْكَامِ الْأَصِحَّاءِ، وَيَرْجِعُ إِلَى خِلَافِهَا مِنْ أَحْكَامِ أَضْدَادِهِمْ، الْتَمَسْنَا مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى أَيْضًا
4778 - فَوَجَدْنَا فَهْدَ بْنَ سُلَيْمَانَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ الْغَنَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ , عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ , فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي قَالَ لَهُ: " ارْجِعْ " , فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدَاةِ أَتَاهُ أَيْضًا، فَاعْتَرَفَ عِنْدَهُ بِالزِّنَى، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ارْجِعْ " , ثُمَّ أَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْمِهِ، فَسَأَلَهُمْ عَنْهُ، فَقَالَ: " مَا تَقُولُونَ فِي مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ؟ هَلْ تَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا، أَوْ تُنْكِرُونَ مِنْ عَقْلِهِ شَيْئًا؟ " فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ , مَا نَرَى بِهِ بَأْسًا، وَمَا نُنْكِرُ مِنْ عَقْلِهِ شَيْئًا، ثُمَّ عَادَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّالِثَةَ، فَاعْتَرَفَ عِنْدَهُ بِالزِّنَى، وَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ , طَهِّرْنِي، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَهُمْ عَنْهُ، فَقَالُوا كَمَا قَالُوا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى: مَا نَرَى بِهِ بَأْسًا، وَمَا نُنْكِرُ مِنْ عَقْلِهِ شَيْئًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَقَرَّ عِنْدَهُ بِالزِّنَى، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحُفِرَتْ لَهُ حُفْرَةٌ، فَجُعِلَ فِيهَا إِلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَرْجُمُوهُ قَالَ بُرَيْدَةُ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ بَيْنَنَا أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ لَوْ جَلَسَ فِي رَحْلِهِ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ يَطْلُبْهُ، وَإِنَّمَا رَجَمَهُ عِنْدَ الرَّابِعَةِ
فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُؤَالِهِ قَوْمَ مَاعِزٍ عَنْهُ: " هَلْ تُنْكِرُونَ مِنْ عَقْلِهِ شَيْئًا؟ " وَلَمْ يُخَصِّصْ فِي ذَلِكَ سَبَبًا مِمَّا يُنْكَرُ بِهِ عَقْلُهُ مِنْ سُكْرٍ وَمِنْ غَيْرِهِ، عَقَلْنَا بِذَلِكَ: أَنَّهُ إِذَا أُنْكِرَ مِنْ عَقْلِهِ شَيْءٌ، خَرَجَ بِهِ مِنْ أَحْكَامِ الْأَصِحَّاءِ الْمَقْبُولَةِ إِقْرَارَاتُهُمْ إِلَى مَنْ سِوَاهُمْ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ، وَأَنَّهُ يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْأَسْبَابِ الَّتِي بِهَا يُنْكَرُ مِنْ عُقُولِ أَصْحَابِهَا مَا يُنْكَرُ مِنَ الْجُنُونِ، وَمِنْ غَيْرِهِ، وَفِي ذَلِكَ دُخُولُ السُّكْرِ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَوَجَدْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا فِي أَمْرِ مَاعِزِ مَا يَزِيدُ عَلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ
4779 - وَهُوَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَعْلَى بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَامِعٍ , عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ , عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ , عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ طَهِّرْنِي، فَقَالَ: " وَيْحَكَ، ارْجِعْ، فَاسْتَغْفِرِ اللهَ، وَتُبْ إِلَيْهِ " ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ , طَهِّرْنِي، فَقَالَ: وَيْحَكَ، ارْجِعْ، فَاسْتَغْفِرِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَتُبْ إِلَيْهِ " فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللهِ , طَهِّرْنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مِمَّا أُطَهِّرُكَ؟ قَالَ: مِنَ الزِّنَى، فَسَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَبِهِ جُنُونٌ؟ " فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، فَسَأَلَ: " أَشَرِبْتَ خَمْرًا؟ " , فَقَامَ رَجُلٌ، فَاسْتَنْكَهَهُ، فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ رِيحَ خَمْرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَثَيِّبٌ أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْكَشْفُ عَنْ أَحْوَالِ مَاعِزٍ الَّتِي بِهَا يَنْدَفِعُ
عَنْهُ إِقْرَارٌ بِالزِّنَى، وَوُجُوبُ الْحَدِّ بِهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ السُّكْرَ مِنْهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ السُّكْرَ هُوَ السُّكْرُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، لَا السُّكْرُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ السَّكْرَانَ الَّذِي مَعَهُ التَّخْلِيطُ الَّذِي لَا يَمْلِكُهُ مِنْ نَفْسِهِ يَدْخُلُ بِذَلِكَ فِي أَحْكَامِ مَنْ مَعَهُ ذَلِكَ التَّخْلِيطُ بِالْجُنُونِ، فَيَكُونُ فِي أَحْكَامِهِ فِيمَا كَانَ سَبَبُهُ السُّكْرُ كَالْمَجْنُونِ فِي أَحْكَامِهِ مِمَّا يُشْبِهُ الْجُنُونَ الَّذِي هُوَ بِهِ، ثُمَّ طَلَبْنَا الْوَجْهَ فِي ذَلِكَ مِنْ أَقْوَالِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَوَجَدْنَا الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيَّ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَسَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِسَكْرَانَ , فَقِيلَ: إِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، فَكَانَ رَأْيُ عُمَرَ أَنْ يَجْلِدَهُ، وَأَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَحَدَّثَهُ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ: " لَيْسَ لِلْمَجْنُونِ وَلَا لِلسَّكْرَانِ طَلَاقٌ "، فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا يُخْبِرُنِي عَنْ عُثْمَانَ، فَجَلَدَهُ وَرَدَّ امْرَأَتَهُ قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَذَكَرْتُهُ لِرَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ , فَقَالَ: قَرَأَ عَلَيْنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ كِتَابًا مِنْ مُعَاوِيَةَ فِيهِ السُّنَنُ: أَنَّ كُلَّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَجْنُونِ
فَقَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ رَوَيْتَ عَنْ عُثْمَانَ مَا قَدْ رَوَيْتَهُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَرَوَيْتَ فِيهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ مَا يُخَالِفُهُ فِيهِ، وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ
فَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ , عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: " مَنْ طَلَّقَ أَجَزْنَا طَلَاقَهُ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ "
وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: " كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ "
وَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّ الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَنْ مُعَاوِيَةَ لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِمَا رُوِّينَاهُ عَنْ عُثْمَانَ مِمَّا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الْعَتَهَ قَدْ يَكُونُ مِنَ الْجُنُونِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنَ السُّكْرِ كَمَا يَكُونُ مِنَ الْجُنُونِ، فَعَادَ مَعْنَى قَوْلِهِمَا فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ عُثْمَانَ فِيهِ , فَقَالَ قَائِلٌ: إِنَّ السَّكْرَانِ وَإِنْ كَانَ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ بِسُكْرِهِ فَهُوَ الَّذِي أَدْخَلَ السُّكْرَ عَلَى نَفْسِهِ بِفِعْلِهِ، فَلَمْ يَكُنْ إِذْ كَانَ كَذَلِكَ كَالْمَجْنُونِ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ الْجُنُونُ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّا رَأَيْنَا الْمَجْنُونَ لَا تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُ فِي حَالِ جُنُونِهِ بِاخْتِلَافِ أَسْبَابِ جُنُونِهِ فِي أَنْ يَكُونَ بِأَفْعَالِهِ، وَفِي أَخْذِهِ أَشْيَاءَ كَانَتْ أَسْبَابًا لِذَهَابِ عَقْلِهِ، وَفِي حُدُوثِ الْجُنُونِ بِهِ مِمَّا لَا سَبَبَ لَهُ فِيهِ فِي لُزُومِ أَحْكَامِ الْمَجَانِينَ إِيَّاهُ فِي سُقُوطِ الْفُرُوضِ عَنْهُمْ، وَفِي ارْتِفَاعِ الْعَمْدِ عَنْهُمْ فِي جِنَايَاتِهِمْ فِي الْقَتْلِ حَتَّى لَا يَكُونَ عَلَيْهِمْ فِيهِ قَوَدٌ، وَحَتَّى يَكُونَ دِيَاتُ مَنْ قَتَلُوا عَلَى عَوَاقِلِهِمْ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ الْمُرَاعَى فِي ذَهَابِ عُقُولِ الْأَصِحَّاءِ ذَهَابَ عُقُولِهِمْ لَا الْأَسْبَابَ الَّتِي كَانَتِ أَسْبَابًا لِذَهَابِ عُقُولِهِمْ كَانَ كَذَلِكَ السَّكْرَانُ: يَكُونُ عَلَيْهِ ذَهَابُ عَقْلِهِ لَا السَّبَبُ الَّذِي كَانَ بِهِ ذَهَبَ عَقْلُهُ، فَيَكُونُ بِذَهَابِ عَقْلِهِ لَهُ حُكْمُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ، وَلَا يُرَاعَى فِي ذَلِكَ اخْتِلَافُ أَسْبَابِ ذَهَابِ عَقْلِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا مَا قَدْ أُجْمِعَ
عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ الْمُطِيقِ لِلصَّلَاةِ قَائِمًا الَّذِي فَرَضَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا كَذَلِكَ لَوْ كُسِرَ رِجْلُهُ حَتَّى عَادَ عَاجِزًا عَنِ الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ وَأَنْ يُصَلِّيَهَا كَذَلِكَ أَنَّ فَرْضَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا قَاعِدًا عَلَى مَا يُطِيقُ صَلَاتَهَا عَلَيْهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ حُكْمُهُ فِيهِ فِي الْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ وَصَلَاتِهِ، كَذَلِكَ فِي حُكْمِ الْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ بِمَا يَحِلُّ بِهِ مِمَّا يُعِيدُهُ إِلَى تِلْكَ الْحَالِ مِنْ أَفْعَالِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ بِهِ , ثُمَّ مِنْ أَفْعَالِ عِبَادِهِ مِثْلَهُ بِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّلَاةِ قَائِمًا، وَإِنْ عَادَ إِلَى الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ طَلَاقَ السَّكْرَانِ وَسَائِرَ أَقْوَالِهِ وَسَائِرَ أَفْعَالِهِ يَعُودُ إِلَى أَحْكَامِ أَقْوَالِ ذَاهِبِي الْعُقُولِ سِوَاهُ، وَإِلَى أَحْكَامِ أَفْعَالِ ذَاهِبي الْعُقُولِ سِوَاهُ، وَهَذَا خِلَافُ مَا كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُونَهُ فِيهِ، وَخِلَافُ مَا كَانَ مَالِكٌ يَقُولُهُ فِيهِ مِنْ إِجَازَتِهِمْ طَلَاقَهُ، غَيْرَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: " لَوْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْقِلُ مَا أَجَزْتُ طَلَاقَهُ "، فَكَأَنَّهُ أَعْذَرُ مِنْ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ، لَا أَنَّهُ قَدْ كَانَ يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يُطَلِّقَ بِالشَّكِّ حَتَّى يَعْلَمَ بِالْيَقِينِ وُجُوبَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ مَا عُلِمَ يَقِينًا لَمْ يَرْتَفِعْ إِلَّا بِمَا يُزِيلُهُ يَقِينًا، كَذَلِكَ فَرَائِضُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عِبَادِهِ فِي صَلَوَاتِهِمْ، وَفِيمَا سِوَاهَا مِنْ عِبَادَاتِهِمْ، وَمَا رَأَيْنَا فَقِيهًا مِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ النَّظَرُ مِنْ أَهْلِ الْفِرَقِ إِلَّا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ الْقَوْلُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ، وَلَا يَسَعُ ذَا فَهْمٍ أَنْ يَتَقَلَّدَ غَيْرَهُ وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سُرُورِهِ بِقَوْلِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ فِي زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ ابْنِهِ لَمَّا رَأَى أَقْدَامَهُمَا بَادِيَةً وَوُجُوهَهُمَا مُغَطَّاةً: " إِنَّ هَذِهِ لَأَقْدَامٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ "
4780 - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: " دَخَلَ مُجَزِّزٌ الْمُدْلِجِيُّ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا، وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا , فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ لَأَقْدَامٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسْرُورًا
4781 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ: " أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ " فَقَالَ قَائِلٌ: لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَافَةِ إِلَّا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، لَكَانَ فِيهِ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ مَعَ أَهْلِهَا بِهَا عِلْمًا هَذِهِ مَعَانِي أَلْفَاظِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَلْفَاظُنَا أَلْفَاظَهُ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّا لَمُ نُنْكِرْ أَنَّ مَعَ أَهْلِ الْقِيَافَةِ بِالْقِيَافَةِ عِلْمًا، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي يُقْطَعُ بِهَا فِيمَا تَذْهَبُ أَنْتَ إِلَى أَنَّهُ يُقْطَعُ بِهَا فِيهِ مِنَ الْأَنْسَابِ الْمُدَّعَاةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَإِنَّمَا هِيَ عِنْدَنَا كَعِلْمِ التُّجَّارِ بِالسِّلَعِ الَّتِي يَتَبَايَنُونَ، وَمَنْ سِوَاهُمْ فِي مَعْرِفَةِ أَجْنَاسِهَا، وَفِي مَعْرِفَةِ بُلْدَانِهَا، فَيَقُولُ هَذَا: هِيَ مِنْ بَلَدِ كَذَا، وَيَقُولُ هَذَا: هِيَ مِنْ بَلَدِ كَذَا، فَيَخْتَلِفُونَ فِي بُلْدَانِهَا الَّتِي صُنِعَتْ فِيهَا، وَيَتَبَيَّنُ ذَوُو الْعِلْمِ مِنْهُمْ فِيمَا يَقُولُونَهُ فِي ذَلِكَ بِالْإِضَافَةِ فِيمَا يَقُولُونَهُ فِيهِ، وَحَتَّى يَقُولَ بَعْضُهُمْ: هِيَ مِنْ صَنْعَةِ فُلَانٍ، فَيُصِيبُ
بِذَلِكَ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ بِهِ حُكْمٌ، وَلَكِنَّهُ عِلْمٌ يَعْلَمُهُ قَوْمٌ، وَيَجْهَلُهُ آخَرُونَ فَمِثْلُ ذَلِكَ الْقِيَافَةُ الَّتِي يَتَبَايَنُ النَّاسُ فِيهَا، فَيَعْلَمُهَا بَعْضُهُمْ وَيَجْهَلُهَا بَعْضُهُمْ، وَيُضِيفُهَا بَعْضُهُمْ إِلَى صَانِعٍ بِعَيْنِهِ، كَمَا يُضِيفُ الْقَائِفُ الْوَلَدَ إِلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، وَكَمَا كَانَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَحْكُمَ بِالسِّلْعَةِ الْمُدَّعَاةِ بِشَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ أَنَّهَا مِنْ عَمَلِ فُلَانٍ أَحَدُ مَنْ يَدَّعِيهَا بِغَيْرِ حُضُورٍ مِنْهُ لِوُقُوعِهِ عَلَى عَمَلِهِ إِيَّاهَا، فَمِثْلُ ذَلِكَ الْوَلَدِ لَا يَجِبُ أَنْ يُحْكَمَ بِهِ بِقَوْلِ الْقَافَةِ: إِنَّهُ مِنْ نُطْفَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَرَهْ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ إِقْرَارًا بِمَا أَضَافَهُ إِلَيْهِ يَكُونُ مَا يَقُولُهُ فِي ذَلِكَ عِلْمًا يَتَبَيَّنُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَا عَلِمَ مَعَهُ بِمِثْلِهِ، وَيَجُوزُ لِمَنْ يَقَعُ فِي قَلْبِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، أَوْ مَنْ قَدْ عَلِمَ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ أَنْ يُسِرَّ بِهِ، وَلَا يَكُونُ مَعَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ، وَلَا وُجُوبُ الْحُكْمُ بِهِ، وَلَوْ وَجَبَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرْنَا، لَوَجَبَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِي قَفْوِ الْآثَارِ الَّتِي يَتَبَيَّنُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِهَا بِمَا يَعْلَمُونَ مِنْهَا، فَيَكُونُ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ دَخَلْتَ مَوْضِعَ كَذَا الْيَوْمَ، فَأَنْتَ حُرٌّ، فَيَدَّعِي الْعَبْدُ بَعْدَ مُضِيِّ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّهُ قَدْ كَانَ دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَيُكَذِّبُهُ مَوْلَاهُ فِي ذَلِكَ، وَيَشْهَدُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِقَفْوِ الْآثَارِ عَلَى أَثَرِ قَدَمٍ يُرَى فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَنَّهَا قَدَمُ ذَلِكَ الْعَبْدِ أَنْ يَحْكُمُوا بِقَوْلِهِمْ، وَأَنْ يَعْتِقُوهُ عَلَى مَوْلَاهُ بِذَلِكَ، أَوْ يَكُونُ مَوْلَاهُ قَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ دَخَلْتَ هَذِهِ الدَّارَ قَبْلَ قُولِي هَذَا، فَأَنْتَ حُرٌّ، فَيَدَّعِي الْعَبْدُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ دَخَلَهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَيُنْكِرُ ذَلِكَ مَوْلَاهُ، وَيَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقَافَةِ، فَيَشْهَدُونَ: أَنَّ هَذِهِ قَدَمُهُ أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ، وَأَنْ يَعْتِقُوهُ عَلَى مَوْلَاهُ
فَمِمَّا قَدْ رُوِيَ مِمَّا كَانَ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ قَفْوُ الْآثَارِ
4782 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ النَّهْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ , عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللهِ نَفَرٌ مِنْ حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ بَنِي فُلَانٍ فَأَسْلَمُوا وَبَايَعُوهُ، وَقَدْ وَقَعَ الْمُومُ، وَهُوَ الْبِرْسَامُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ , هَذَا الْوَجَعُ قَدْ وَقَعَ، فَلَوْ أَذِنْتَ لَنَا خَرَجْنَا إِلَى الْإِبِلِ، فَكُنَّا فِيهَا، فَقَالَ لَهُمْ: " اخْرُجُوا، فَكُونُوا فِيهَا " فَخَرَجُوا، فَقَتَلُوا أَحَدَ الرَّاعِيَيْنِ، وَذَهَبُوا بِالْإِبِلِ، وَجَاءَ الْآخَرُ قَدْ جُرِحَ , فَقَالَ: قَدْ قَتَلُوا صَاحِبِي وَذَهَبُوا بِالْإِبِلِ قَالَ: وَعِنْدَهُ شَبَابٌ مِنَ الْأَنْصَارِ قَرِيبٌ مِنْ عِشْرِينَ، فَأَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِمْ، وَبَعَثَ مَعَهُمْ قَائِفًا يَقْتَصُّ أَثَرَهُمْ، فَأَتَاهُمْ، " فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ "
قَالَ: وَفِي إِجْمَاعِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَعْمِلُونَ أَقْوَالَ الْقَافَةِ فِيمَا ذَكَرْنَا مَا قَدْ يَلْزَمُهُمْ بِهِ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلُوا أَقْوَالَهُمْ فِيمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ اسْتَعْمَلَ أَقْوَالَهُمْ فِي الْأَنْسَابِ، وَقَضَى بِهَا فِيهَا