شرح مشكل الآثاربَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطحاوي
الكتاب
شرح مشكل الآثار
المؤلف
أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
الناشر
مؤسسة الرسالة
الطبعة
الأولى - 1415 هـ، 1494 م
عدد الأجزاء
16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

1381 - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي أَوْ مَا نَذَرُ؟ قَالَ: " احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُكَ " قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ قَالَ: " فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ " قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا قَالَ: " فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ "

1382 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ , فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ , غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " فَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحْظُرْ عَلَى الرِّجَالِ سَتْرَ عَوْرَاتِهِمْ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ وَلَا مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ

1383 - وَقَدْ حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ مُوسَى قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيُّ ثُمَّ الْخَطْمِيُّ عَنْ مَوْلَاةٍ لِعَائِشَةَ عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: " مَا رَأَيْتُ فَرْجَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُّ "

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهَا فِيهِ , وَذَلِكَ عِنْدَنَا , وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ فِي سُنَّتِهِ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مَحْظُورٍ عَلَيْهِ تَرَكَهُ وَاسْتَعْمَلَ سُنَنَ نَفْسِهِ مِنْهُ , وَذَلِكَ لِمَا أَعْلَى اللهُ مِنْ مَنْزِلَتِهِ وَرَفَعَ مِنْ قَدْرِهِ , وَجَعَلَ رُتْبَتَهُ الرُّتْبَةَ الْمُتَجَاوِزَةَ لِرُتَبِ سَائِرِ خَلْقِهِ سِوَاهُ، فَكَانَ فِيمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ مِنَ السِّتْرِ عَلَى مَا يَكُونُ عَلَيْهِ مَنْ هَذِهِ مَنْزِلَتُهُ , وَكَانَ مَنْ سِوَاهُ مِنَ النَّاسِ عَلَى حُكْمِ سُنَّتِهِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنْهُ.
فَقَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا عَنْ عَائِشَةَ وَأَنْتُمْ تَرْوُونَ وَعِنْدَكُمْ عَنْهَا مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَذَكَرَ

1384 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ الشَّجَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنِيَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي، فَأَتَاهُ فَقَرَعَ عَلَيْهِ الْبَابَ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُرْيَانًا، وَاللهِ مَا رَأَيْتُهُ عُرْيَانًا قَبْلَهُ فَقَبَّلَهُ وَاعْتَنَقَهُ "

فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّ حَدِيثَ عُرْوَةَ هَذَا عَنْ عَائِشَةَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِحَدِيثِ مَوْلَاتِهَا عَنْهَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ; لِأَنَّ الَّذِي فِي هَذَا إخْبَارُهَا أَنَّهَا رَأَتْهُ عُرْيَانًا , وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ عُرْيًا لَيْسَ فِيهِ انْكِشَافُ عَوْرَةٍ وَأَطْلَقَتْ عَلَيْهِ فِيهِ الْعُرْيَ ; لِأَنَّ أَكْثَرَ بَدَنِهِ كَانَ كَذَلِكَ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قِيَامِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ لِيَلْقَى رَجُلًا لَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَلْقَاهُ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ , فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْعُرْيَ الَّذِي لَقِيَهُ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ انْكِشَافُ عَوْرَةٍ لَهُ وَعَادَ بِذَلِكَ مَا رَأَتْهُ عَائِشَةُ مِنْهُ حِينَئِذٍ إِلَى مَا يَصْلُحُ أَنْ يَرَاهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ بَدَنِهِ.
وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّهَا لَمْ تَرَ لَهُ حِينَئِذٍ عَوْرَةً , وَفِي ذَلِكَ إثْبَاتُ مَا رَوَتْهُ مَوْلَاةُ عَائِشَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِمَّا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ

بَابُ طَلَاقِِ الرِّجَالِ نِسَاءَهُمُ اللَّاتِي يُكْرِهُهُنَّ آبَاؤُهُمْ بِذَلِكَ، هَلْ ذَلِكَ مِمَّا عَلَيْهِمْ فِي بِرِّ آبَائِهِمْ أَمْ لَا؟ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ كَانَ هَذَا الْمَعْنَى أُشْكِلَ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَتَّى قَالَ فِي ذَلِكَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْهُ

1385 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءٌ وَهُوَ ابْنُ السَّائِبِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنَّا أَمَرَتْهُ أُمُّهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ، فَلَمَّا تَزَوَّجَ أَمَرَتْهُ أَنْ يُفَارِقَهَا , فَارْتَحَلَ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي آمُرُكَ أَنْ تُطَلِّقَ , وَمَا أَنَا بِالَّذِي آمُرُكَ أَنْ تُمْسِكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " الْوَالِدَةُ أَوْسَطُ بَابِ الْجَنَّةِ فَاحْفَظْ ذَلِكَ الْبَابَ أَوْ ضَيِّعْهُ " أَوْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الشَّكُّ مِنَ ابْنِ مَرْزُوقٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ

أَشْكَلَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ فِيمَا سُئِلَ عَنْهُ مِنْ هَذَا.
فَكَانَ جَوَابُهُ فِي ذَلِكَ جَوَابًا لَمْ يُقْطَعْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ إمْسَاكٍ , وَمِنْ فِرَاقٍ فَنَظَرْنَا هَلْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ فِيهِ حَقِيقَةُ الْوَاجِبِ فِي هَذَا الْمَعْنَى مَا هِيَ؟

1386 - فَوَجَدْنَا بَحْرَ بْنَ نَصْرِ بْنِ سَابِقٍ الْخَوْلَانِيَّ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ أُحِبُّهَا وَكَانَ أَبِي يَكْرَهُهَا فَأَمَرَنِي أَنْ أُطَلِّقَهَا، فَأَبَيْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " يَا عَبْدَ اللهِ طَلِّقِ امْرَأَتَكَ " فَطَلَّقْتُهَا

1387 - وَوَجَدْنَا إِبْرَاهِيمَ بْنَ مَرْزُوقٍ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.

1388 - وَوَجَدْنَا الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ وَسُلَيْمَانَ بْنَ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيَّ قَدْ حَدَّثَانَا قَالَا: أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.

فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ مِنْ حَقِّ الْوَالِدِ فِي هَذَا عَلَى ابْنِهِ إجَابَتَهُ أَبَاهُ إِلَى مَا يَسْأَلُهُ إِيَّاهُ مِنْ هَذَا , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ حَقِّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ كَانَ مِنْ حَقِّ وَالِدَةٍ عَلَى وَلَدِهَا أَوْجَبَ , وَلِوَلَدِهَا أَلْزَمَ ; لِأَنَّ حَقَّ الْوَالِدَةِ عَلَى الْوَلَدِ يَتَجَاوَزُ حَقَّ الْوَالِدِ عَلَيْهِ وَسَيَجِيءُ بِذَلِكَ مَنْصُوصًا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْضِعِهِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللهُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالَّذِي يُؤْمَرُ بِهِ الْوَلَدُ فِي هَذَا غَيْرُ مُبِيحٍ لَهُ فِيهِ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي نَهَاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ طَلَاقِهَا فِيهِ , وَإِنَّمَا هُوَ طَلَاقُهُ إِيَّاهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَبَاحَ اللهُ الطَّلَاقَ فِيهِ لَا فِي ضِدِّهِ وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ

بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُبَادَرَةِ بِالْمَوْتِ النَّشْوَ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ يُقَدِّمُونَ أَحَدَهُمْ لِيُغَنِّيَهُمْ , وَإِنْ كَانَ أَقَلَّهُمْ فِقْهًا

1389 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ , قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , قَالَ أَخْبَرَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ , عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَيْرٍ , عَنْ زَاذَانَ أَبِي عُمَرَ , عَنْ عُلَيْمٍ , قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عَلَى سَطْحٍ مَعَنَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَزِيدُ: لَا أَعْلَمُهُ إلَّا قَالَ عَبْسٌ الْغِفَارِيُّ وَالنَّاسُ يَخْرُجُونَ فِي الطَّاعُونِ.
فَقَالَ عَبْسٌ يَا طَاعُونُ خُذْنِي، ثَلَاثًا يَقُولُهَا.
قَالَ عُلَيْمٌ: لِمَ تَقُولُ هَذَا؟ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ فَإِنَّهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ عَمَلِهِ وَلَا يُرَدُّ فَيُسْتَعْتَبَ؟ " قَالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " بَادِرُوا بِالْمَوْتِ سِتًّا: إمْرَةَ السُّفَهَاءِ , وَكَثْرَةَ الشُّرَطِ , وَبَيْعَ الْحُكْمِ , وَاسْتِخْفَافًا بِالدَّمِ , وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ , وَنَشْئًا يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ يُقَدِّمُونَ أَحَدَهُمْ لِيُغَنِّيَهُمْ , وَإِنْ كَانَ أَقَلَّهُمْ فِقْهًا "

1390 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ , قَالَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ , قَالَ ثَنَا شَرِيكٌ , عَنْ أَبِي الْيَقْظَانِ , عَنْ زَاذَانَ , عَنْ عُلَيْمٍ , قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْسٍ الْغِفَارِيِّ عَلَى سَطْحٍ فَرَأَى قَوْمًا يَتَحَمَّلُونَ مِنَ الطَّاعُونِ فَقَالَ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قِيلَ: يَتَحَمَّلُونَ مِنَ الطَّاعُونِ قَالَ: يَا طَاعُونُ خُذْنِي، يَا طَاعُونُ خُذْنِي، فَقَالَ ابْنُ عَمٍّ ذُو صُحْبَةٍ: لِمَ تَتَمَنَّى الْمَوْتَ , وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ " لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ فَإِنَّهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ عَمَلِهِ؟ " فَقَالَ لَهُ عَبْسٌ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ، ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ

فَقَالَ قَائِلٌ كَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ رَوَيْتُمْ لَنَا قَبْلَهُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّهُ قَالَ " مَا يَأْذَنُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِشَيْءٍ مَا يَأْذَنُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ "؟ وَفِي ذَلِكَ حَضُّ النَّاسِ عَلَى تَحْسِينِ أَصْوَاتِهِمْ بِالْقُرْآنِ , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْمَرُونَ بِهِ فِي أَنْفُسِهِمْ كَانَ دَلِيلًا عَلَى إبَاحَتِهِمُ اسْتِمَاعَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ كَمِثْلِ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: أَنْبَأَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إذَا رَأَى أَبَا مُوسَى قَالَ: ذَكِّرْنَا يَا أَبَا مُوسَى فَيَقْرَأُ عِنْدَهُ وَكَانَ أَبُو مُوسَى حَسَنَ الصَّوْتِ.
قَالَ: وَفِيمَا رَوَيْتُمُوهُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ كَانَ جَوَابَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ وَعَوْنِهِ أَنَّ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْمُبَادَرَةِ بِالْمَوْتِ النَّشْوَ الْمَذْكُورَ فِيهِ، إنَّمَا هُوَ لِاتِّخَاذِهِمْ أَئِمَّةً فِي الصَّلَاةِ لِأَصْوَاتِهِمْ

وَلَيْسُوا لِلْإِمَامَةِ بِمَوْضِعٍ إذْ كَانَتِ السُّنَّةُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَؤُمَّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ , فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً , فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ , فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً , فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ فِي مَوْضِعِهِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى فَكَانَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَؤُمَّ الْقَوْمَ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ كَانَ مَعَهُ حُسْنُ صَوْتٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ حُسْنُ صَوْتٍ، وَكَانَ مَنْ رَغِبَ عَنْ ذَلِكَ إلَى مَا سِوَاهُ مِنْ حُسْنِ الصَّوْتِ رَاغِبًا عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَذْمُومًا فِي اخْتِيَارِهِ مِمَّنْ يَجِبُ أَنْ يُبَاشِرَ الْمَوْتُ أَمْثَالَهُ , وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّنْ يُحَسِّنُ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ لِيَرِقَّ لَهُ قَلْبُهُ , أَوْ لِيَرِقَّ لَهُ قُلُوبُ سَامِعِيهِ مِنْهُ فِي شَيْءٍ , وَلَوِ اجْتَمَعَ اثْنَانِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى فَكَانَا بِذَلِكَ مُسْتَحِقَّيْنِ لِلْإِمَامَةِ مِنْ حَيْثُ ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِحْقَاقَهُمَا لَهَا بِهِ مَا كَانَ مَكْرُوهًا أَنْ يُقَدَّمَ لَهَا مِنْهُمَا أَحْسَنُهُمَا صَوْتًا عَلَى الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ حُسْنُ صَوْتٍ، وَلَا يَكُونُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُعَنَّفًا فَبَانَ بِحَمْدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنْ لَا تَضَادَّ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَوَهَّمَهُ هَذَا الْجَاهِلُ فِي أَحَادِيثِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ , وَقَدْ وَصَفَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّهُ ﴿مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إنْ هُوَ إلَّا وَحْي يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: 4] وَاللهَ سُبْحَانَهُ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ

بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ " مِمَّا يَنْفَرِدُ بِهِ بَعْضُ رُوَاتِهِ بِأَنَّهُ قَالَ فَمَا يَزَالُ عَلَيْهَا حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُشَرِّكَانِهِ

1391 - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ " ثُمَّ يَقُولُ: اقْرَءُوا ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: 30] "

1392 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْجِيزِيُّ , قَالَ حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى , قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ هَلْ يَكُونُ فِيهَا جَدْعَاءُ "

1393 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ , قَالَ حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ , قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ , عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ أَبِيهِ ,

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُشَرِّكَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ وَيُكَفِّرَانِهِ " قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ: الَّذِي يَمُوتُ حِينَ يُولَدُ؟ قَالَ: " اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَكُلُّ مَا رَوَيْنَا مِنْ هَذِهِ فَمَرْجِعُهُ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ

1394 - وَقَدْ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ , قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ الْهِلَالِيُّ , قَالَ حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى , عَنِ الْحَسَنِ , قَالَ حَدَّثَ الْأَسْوَدُ بْنُ سَرِيعٍ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَصَّ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَ غَزَوَاتٍ فَتَنَاوَلَ أَصْحَابُهُ الذُّرِّيَّةَ بَعْدَمَا قَتَلُوا الْمُقَاتِلَةَ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: " أَلَا مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَتَلُوا الْمُقَاتِلَةَ ثُمَّ تَنَاوَلُوا الذُّرِّيَّةَ؟ " فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَيْسُوا أَبْنَاءَ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنَّ أَخْيَارَكُمْ أَبْنَاءُ الْمُشْرِكِينَ أَمَا إنَّهُ لَيْسَتْ تُولَدُ نَسَمَةٌ إلَّا وُلِدَتْ عَلَى الْفِطْرَةِ فَمَا يَزَالُ عَلَيْهَا حَتَّى يَبِينَ عَنْهَا لِسَانُهَا فَأَبَوَاهَا يُهَوِّدَانِهَا أَوْ يُنَصِّرَانِهَا "

1395 - حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ أَخْبَرَنِي السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى , ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: غَيْرَ أَنَّا لَمَّا , تَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ وَجَدْنَا فِيهِ قَالَ حَدَّثَ الْأَسْوَدُ بْنُ سَرِيعٍ قَالَ كُنَّا فِي غَزَاةٍ لَنَا فَأَصَبْنَا وَقَتَلْنَا فِي الْمُشْرِكِينَ حَتَّى بَلَغَ بِهِمُ الْقَتْلُ إلَى أَنْ يَقْتُلُوا الذُّرِّيَّةَ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ " مَا بَالُ أَقْوَامٍ بَلَغَ بِهِمُ الْقَتْلُ إلَى أَنْ قَتَلُوا الذُّرِّيَّةَ أَلَا لَا تَقْتُلُنَّ ذُرِّيَّةً أَلَا لَا تَقْتُلُنَّ ذُرِّيَّةً " قِيلَ: لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ أَلَيْسُوا أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: أَوَلَيْسَ أَخْيَارُكُمْ أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ

1396 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ , قَالَ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ يُونُسَ الزَّيَّاتُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهُوَ الْكُوفِيُّ وَهُوَ مَشْهُورٌ ثِقَةٌ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ , قَالَ حَدَّثَنَا الْأَشْعَثُ , عَنِ الْحَسَنِ , أَنَّ الْأَسْوَدَ بْنَ سَرِيعٍ , حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ جَيْشًا فَأَفْرَطُوا فِي قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى تَنَاوَلُوا الذُّرِّيَّةَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا بَالُ أَقْوَامٍ أَفْرَطُوا فِي الْقَتْلِ حَتَّى تَنَاوَلُوا الذُّرِّيَّةَ " فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَلَيْسُوا أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَوَلَيْسَ خِيَارُكُمْ أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ؟ "

فَبَانَ لَنَا بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْحَسَنَ حَدَّثَ بِمَا فِيهِمَا وَبِمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ الْأَسْوَدِ عَنِ الْأَسْوَدِ سَمَاعًا

1397 - وَقَدْ حَدَّثَنَا الْهَرَوِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إيَاسٍ , قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ , عَنْ قَتَادَةَ , عَنِ الْحَسَنِ , عَنِ الْأَسْوَدِ , عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " كُلُّ نَسَمَةٍ تُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهَا لِسَانُهَا فَأَبَوَاهَا يُهَوِّدَانِهَا وَيُنَصِّرَانِهَا " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَتَأَمَّلْنَا مَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ فَوَجَدْنَا عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَدْ أَجَازَ لَنَا عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ عَنْ تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ يَعْنِي: حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ , فَقَالَ كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ وَقَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ الْمُسْلِمُونَ بِالْجِهَادِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ كَأَنَّهُ يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُهَوِّدَهُ أَبَوَاهُ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ مَا وَرِثَاهُ ; لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَهُمَا كَافِرَانِ وَلَمَا جَازَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُسْبَى فَلَمَّا نَزَلَتِ الْفَرَائِضُ وَجَرَتِ السُّنَنُ بِخِلَافِ

ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَوْلُودٌ عَلَى دِينِهِمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَمَّا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فَبَلَغَنِي أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَأْوِيلِهِ , فَقَالَ تَأْوِيلُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: " اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ " يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُمْ يُولَدُونَ عَلَى مَا يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِنْ إسْلَامٍ أَوْ كُفْرٍ , فَمَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا فَإِنَّهُ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ , وَمَنْ كَانَ عِلْمُهُ فِيهِ أَنَّهُ يَصِيرُ كَافِرًا يَمُوتُ كَافِرًا، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَحَدُ التَّفْسِيرَيْنِ قَرِيبٌ مِنَ الْآخَرِ

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَتَأَمَّلْنَا مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مِمَّا جَنَحَ إلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ فَوَجَدْنَا فِي حَدِيثِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ الَّذِي رَوَيْنَاهُ مِمَّا قَدْ دَفَعَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ مُحَمَّدًا أَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ قَبْلَ أَنْ يُفْتَرَضَ الْجِهَادُ , وَفِي حَدِيثِ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ كَانَ فِي غَزْوَةٍ مِنْ غَزَوَاتِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي هِيَ الْجِهَادُ ثُمَّ لَمَّا اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا , وَقَالُوا فِي تَأْوِيلِهِ مَا قَدْ وَصَفْنَا بَعْدَ جَعْلِنَا إيَّاهُ كُلَّهُ حَدِيثًا وَاحِدًا وَأَثْبَتْنَا فِيهِ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا يَزَالُ عَلَيْهَا حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ اعْتَبَرْنَا مَا جَاءَ مِنْ ذِكْرِ الْفِطْرَةِ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَوَجَدْنَا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أَيْ: خَالِقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَذَلِكَ حَدَّثَنَا وَلَّادٌ النَّحْوِيُّ عَنِ

الْمَصَادِرِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ أَيْضًا: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: 22] أَيِ: الَّذِي خَلَقَنِي , وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30] أَيْ: مِلَّةَ اللهِ الَّتِي خَلَقَ النَّاسَ عَلَيْهَا , وَكَذَلِكَ أَيْضًا حَدَّثَنَا وَلَّادٌ النَّحْوِيُّ عَنِ الْمَصَادِرِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي أَشْيَاءَ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي وَكَانَتِ الْفِطْرَةُ فِطْرَتَيْنِ: فِطْرَةً يُرَادُ بِهَا الْخِلْقَةُ الَّتِي لَا تَعَبُّدَ مَعَهَا وَفِطْرَةً مَعَهَا التَّعَبُّدُ الْمُسْتَحَقُّ بِفِعْلِهِ الثَّوَابُ وَالْمُسْتَوْجِبُ بِتَرْكِهِ الْعِقَابَ , وَكَانَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ " يُرِيدُ الْفِطْرَةَ الْمُتَعَبِّدَ أَهْلُهَا الْمُثَابُونَ وَالْمُعَاقَبُونَ فَكَانَ أَهْلُهَا الَّذِينَ هُمْ كَذَلِكَ مَا كَانُوا غَيْرَ بَالِغِينَ مِمَّنْ خُلِقَ لِلْعِبَادَةِ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] , وَإِنْ كَانُوا قَبْلَ بُلُوغِهِمْ مَرْفُوعًا عَنْهُمُ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ غَيْرَ أَنَّهُمْ إذَا عَبَّرَتْ عَنْهُمْ أَلْسِنَتُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ إيمَانٍ أَوْ مِنْ كُفْرٍ كَانُوا مِنْ أَهْلِهِ , وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُثَابِينَ عَلَى مَحْمُودِهِ وَغَيْرَ مُعَاقَبِينَ عَلَى مَذْمُومِهِ , كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَمَا يَزَالُ عَلَيْهَا حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ " وَلِذَلِكَ

قَبِلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إسْلَامَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ وَأَدْخَلَهُ فِي جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ , وَفِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ خُرُوجَ مَنْ كَانَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِالرِّدَّةِ فِي تِلْكَ الْحَالِ مِنَ الْإِسْلَامِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ بِذَلِكَ الْمَنْعَ مِنَ الْمِيرَاثِ مِنْ أَبَوَيْهِ الْمُسْلِمَيْنِ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُشَرِّكَانِهِ " أَيْ: بِتَهْوِيدِهِمَا أَوْ بِنَصْرَانِيَّتِهِمَا أَوْ بِشِرْكِهِمَا فَيَكُونُ سَبْيًا إنْ كَانَ أَبَوَاهُ حَرْبِيَّيْنِ , وَمَأْخُوذًا بَعْدَ بُلُوغِهِ عَاقِلًا بِالْجِزْيَةِ إنْ كَانَ أَبَوَاهُ ذِمِّيَّيْنِ , فَهَذَا عِنْدَنَا تَأْوِيلُ مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ

جارٍ التحميل