بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اللَّطْمَةِ: هَلْ فِيهَا قِصَاصٌ أَمْ لَا؟
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطحاوي
- الكتاب
- شرح مشكل الآثار
- المؤلف
- أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
- الناشر
- مؤسسة الرسالة
- الطبعة
- الأولى - 1415 هـ، 1494 م
- عدد الأجزاء
- 16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
3526 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ , عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَقَعَ فِي أَبٍ لِلْعَبَّاسِ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ , فَلَطَمَهُ الْعَبَّاسُ , فَجَاءَ قَوْمَهُ فَقَالُوا: وَاللهِ لَنَلْطِمَنَّهُ كَمَا لَطَمَهُ.
فَلَبِسُوا السِّلَاحَ , فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ , أَيُّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ؟ " , قَالُوا: أَنْتَ , قَالَ: " فَإِنَّ الْعَبَّاسَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ , فَلَا تَسُبُّوا أَمْوَاتَنَا , فَتُؤْذُوا أَحْيَاءَنَا " , فَجَاءَ الْقَوْمُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ , نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ غَضَبِكَ , فَاسْتَغْفِرْ لَنَا "
فَقَالَ قَائِلٌ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ قَوْمَ الْمَلْطُومِ طَلَبُوا الْقِصَاصَ مِنَ اللَّطْمَةِ الَّتِي كَانَتْ مِنَ الْعَبَّاسِ إِلَى صَاحِبِهِمْ , وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ , فَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي اللَّطْمَةِ , وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ ذَلِكَ فِي جُمْلَتِكُمْ , وَلَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ سِوَاكُمْ.
وَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: " لَا قِصَاصَ فِي اللَّطْمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى مَا حَدُّهَا " قَالَ: وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى خُرُوجِكُمْ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ , لَا إِلَى حَدِيثٍ مِثْلِهِ.
فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: إِنَّا مَا خَرَجْنَا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا تَرَكْنَاهُ , وَمَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْنَا فِي دَفْعِنَا الْقِصَاصَ مِنَ اللَّطْمَةِ , بَلْ هُوَ حُجَّةٌ لَنَا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَوْ كَانَ فِيهَا وَاجِبًا لَأَبَاحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْذَهُ مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ لِمَنْ وَجَبَ لَهُ , وَلَمَا مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ جَلَالَةُ مَنْزِلَةِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ , كَمَا لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ فَاطِمَةَ الَّتِي هِيَ إِلَيْهِ أَقْرَبُ مِنَ الْعَبَّاسِ بِأَنْ قَالَ: " وَاللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا " , وَلَكِنَّهُ لَمْ يَرَ اللَّطْمَةَ الَّتِي كَانَتْ مُوجِبَةً شَيْئًا , فَتَرَكَ لِذَلِكَ أَخْذَ شَيْءٍ بِهَا مِنَ الْعَبَّاسِ لِلَّذِي كَانَ مِنْهُ إِلَيْهِ , وَمَعْقُولٌ فِي نَفْسِ الْفِقْهِ أَنَّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا عَمْدًا يُوجِبُ أَخْذُهُ عَلَيْهِ شَيْئًا , أَنَّهُ إِذَا أَخَذَهُ غَيْرَ عَمْدٍ , وَجَبَ عَلَيْهِ فِي أَخْذِهِ إِيَّاهُ شَيْءٌ , إِمَّا مِثْلُهُ , وَإِمَّا غَيْرُهُ , مِنْ ذَلِكَ أَنَّ
رَجُلًا لَوِ اسْتَهْلَكَ لِرَجُلٍ مَالًا عَلَى خَطَأٍ كَانَ مِنْهُ أَنَّ عَلَيْهِ لَهُ مِثْلَهُ إِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ , أَوْ قِيمَتَهُ إِنْ كَانَ لَا مِثْلَ لَهُ , وَأَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ عَمْدًا لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ , وَلَوْ قَتَلَهُ خَطَأً وَجَبَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ , فَكَانَ مِثْلَ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ اللَّطْمَةِ الَّتِي لَمْ تَجْرَحْ , وَلَمْ تُؤَثِّرْ فِي وَجْهِ الْمَلْطُومِ أَثَرًا , لَا شَيْءَ فِيهَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ خَطَأً , فَمِثْلُ ذَلِكَ إِذَا كَانَتْ عَمْدًا لَا شَيْءَ فِيهَا , وَلِهَذَا الْمَعْنَى , وَاللهُ أَعْلَمُ , تَرَكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذَ لِلَّذِي لَطَمَهُ الْعَبَّاسُ مِنَ الْعَبَّاسِ لِلَطْمَتِهِ إِيَّاهُ شَيْئًا مِنْ قَوَدٍ , وَمِنْ غَيْرِهِ.
فَقَالَ: فَقَدْ رُوِّيتُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
3527 - فَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى , عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَكِّيِّ , عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ , عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ , عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ , وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ , حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ , حَتَّى اللَّطْمَةُ " , قُلْنَا: وَكَيْفَ , وَإِنَّا إِنَّمَا نَأْتِي اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قَالَ: " بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ "
قَالَ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَأْخُذُ فِي الْآخِرَةِ اللَّطْمَةَ لِمَنْ لَطَمَهَا فِي الدُّنْيَا مِمَّنْ لَطَمَهُ إِيَّاهَا فِيهَا.
وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ , كَانَ عَلَيْهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا.
فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّهُ لَا حُجَّةَ عَلَيْنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا , إِذْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ رَفَعَ عَنِ اللَّاطِمِ فِي الدُّنْيَا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فِي لَطَمَتِهِ فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ مِنْ قِصَاصٍ , وَمِنْ غَيْرِهِ لِلَّذِي لَطَمَهَا إِيَّاهُ , إِذْ كَانَ حَدُّهَا غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ , وَالْحُكُومَةُ فِيهَا غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهَا , فَرَفَعَ ذَلِكَ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا , وَكَانَ
عَزَّ وَجَلَّ فِي الْآخِرَةِ قَادِرًا عَلَى الْوُقُوفِ عَلَى حَدِّهَا , إِذْ كَانَ فِي الْآخِرَةِ يَتَوَلَّى الْحُكْمَ فِيهَا , وَكَانَ الْمُتَوَلِّي لِلْحُكْمِ فِيهَا غَيْرَهُ مِنْ عِبَادِهِ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ مِنْهَا.
فَقَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ وَجَدْنَا عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِي اللَّطْمَةِ
فَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ , عَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ الْأَحْمَسِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ طَارِقَ بْنَ شِهَابٍ قَالَ: " لَطَمَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رَجُلًا , فَقَالُوا: وَاللهِ مَا رَأَيْنَا كَالْيَوْمِ قَطُّ , مَا رَضِيَ أَنْ يَمْنَعَهُ حَتَّى لَطَمَهُ , فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إِنَّ هَذَا أَتَانِي يَسْتَحْمِلُنِي فَحَمَلْتُهُ , ثُمَّ أَتَانِي يَسْتَحْمِلُنِي فَحَمَلْتُهُ , ثُمَّ أَتَانِي يَسْتَحْمِلُنِي فَحَمَلْتُهُ , وَإِذَا يَبِيعُهَا , فَحَلَفْتُ أَنْ لَا أَحْمِلَهُ , ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ لَأَحْمِلَنَّهُ , ثُمَّ وَاللهِ لَأَحْمِلَنَّهُ , ثُمَّ وَاللهِ لَأَحْمِلَنَّهُ , ثُمَّ قَالَ: اقْتَصَّ مِنِّي , فَعَفَا الْآخَرُ عَنْهُ "
وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسَ , عَنْ شُعْبَةَ , عَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ الْأَحْمَسِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ طَارِقَ بْنَ شِهَابٍ يَقُولُ: " لَطَمَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَجُلًا ,
فَقَالُوا: مَا رَضِيَ أَنْ يَمْنَعَهُ حَتَّى لَطَمَهُ , فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِلرَّجُلِ: " اقْتَصَّ مِنِّي " , فَعَفَا عَنْهُ الرَّجُلُ فَكَانَ جَوَابُنَا فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ أَبَاحَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ , لَا بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ , وَلَكِنْ تَوَاضُعٍ مِنْهُ , وَكَرَاهَةٍ لِمَا كَانَ مِنْهُ مِنَ الِاسْتِعْلَاءِ عَلَى غَيْرِهِ بِلَطْمِهِ إِيَّاهُ.
وَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ , عَنْ مُخَارِقٍ , عَنْ طَارِقٍ قَالَ: " كَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي الْجَزِيرَةِ , فَلَطَمَ ابْنُ أَخٍ لَهُ رَجُلًا , فَقَالَ عَمُّ الرَّجُلِ: إِنَّمَا فَضَّلَ اللهُ قُرَيْشًا بِالنُّبُوَةِ , فَأَقَادَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْهُ , فَعَفَا عَنْهُ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ يَكُونُ أَيْضًا هَذَا كَانَ مِنْ خَالِدٍ تَوَاضُعًا وَأَدَبًا مِنْهُ لِابْنِ أَخِيهِ , وَزَجْرًا مِنْهُ إِيَّاهُ عَنْ مُعَاوَدَتِهِ لِذَلِكَ , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ عَنْ عُمَرَ مِنْ بَعْدِهِ.
3528 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ يَحْيَى الْهَمْدَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْجُرَيْرِيُّ , عَنْ أَبِي نَضْرَةَ , عَنْ أَبِي فِرَاسٍ: "
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: " إِنِّي وَاللهِ مَا أَبْعَثُ إِلَيْكُمْ عُمَّالِي لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَكُمْ , وَيَأْخُذُوا أَمْوَالَكُمْ , وَلَكِنِّي إِنَّمَا بَعَثْتُهُمْ لِيُعَلِّمُوكُمْ دِينَكُمْ وَسُنَّتَكُمْ , فَمَنْ فَعَلَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ فَلْيَرْفَعْهُ إِلَيَّ , فَوَاللهِ لَأُقِصِّنَّ مِنْهُ " , فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ كَانَ رَجُلٌ عَلَى طَائِفَةٍ , فَأَدَّبَ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ , إِنَّكَ تُقِصُّ مِنْهُ؟ فَقَالَ: " وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ , لَأُقِصَّنَّ مِنْهُ , وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقِصُّ مِنْ نَفْسِهِ " , ثُمَّ قَالَ: " لَا تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ فَتُذِلُّوهُمْ , وَلَا تَمْنَعُوهُمْ حُقُوقَهُمْ فَتُكَفِّرُوهُمْ , وَلَا تُجَمِّرُوهُمْ فِي الْغَزْوِ فَتَفْتِنُوهُمْ , وَلَا تُنْزِلُوهُمُ الْغِيَاضَ فَتُضَيِّعُوهُمْ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَكَانَ هَذَا عِنْدَنَا أَيْضًا مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَاضُعًا مِنْهُ لَا بِوَاجِبٍ , وَمَا كَانَ مِمَّا كَانَ مِنْ عُمَرَ تَأْدِيبًا لِمَنْ أَوْعَدَهُ لِذَلِكَ , وَتَحْذِيرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَأْخُذُ مِنْهُ أَدَبًا مَا أَوْعَدَهُ بِأَخْذِهِ إِيَّاهُ مِنْهُ , وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي كَانَ مِنَ الْأَعْرَابِيِّ إِلَيْهِ فِي جَرِّهِ رِدَاءَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ حَتَّى حَمَّرَهَا , وَمِنْ طَلَبِهِ مِنْهُ الْقَوَدَ فِي ذَلِكَ
3529 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْجِيزِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِلَالٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: " كُنَّا نَقْعُدُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى إِذَا قَامَ قُمْنَا , فَقَامَ يَوْمًا وَقُمْنَا مَعَهُ , حَتَّى لَمَّا بَلَغَ وَسَطَ الْمَسْجِدِ أَدْرَكَهُ الْأَعْرَابِيُّ , فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ مِنْ وَرَائِهِ , وَكَانَ رِدَاؤُهُ خَشِنًا , فَحَمَّرَ رَقَبَتَهُ , فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ احْمِلْ لِي عَلَى بَعِيرَيَّ هَذَيْنِ , فَإِنَّكَ لَا تَحْمِلُ لِي مِنْ مَالِكَ , وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيكَ , فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا أَحْمِلُ لَكَ حَتَّى تُقِيدَنِي مِمَّا جَبَذْتَ بِرَقَبَتِي " , فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: وَاللهِ لَا أُقِيدُكَ , فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ , كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: وَاللهِ لَا أُقِيدُكَ , فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَ الْأَعْرَابِيِّ , أَقْبَلْنَا إِلَيْهِ سِرَاعًا , فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " عَزَمْتُ عَلَى مَنْ سَمِعَ كَلَامِي أَنْ لَا يَبْرَحَ مَقَامَهُ حَتَّى آذَنَ لَهُ ". فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ مِنَ الْقَوْمِ: " احْمِلْ لَهُ عَلَى بَعِيرٍ شَعِيرًا , وَعَلَى بَعِيرٍ تَمْرًا " , ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " انْصَرِفُوا "
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَقَالَ قَائِلٌ: مِنْ أَيْنَ وَسِعَكُمُ الْقَوَدُ فِي مِثْلِ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَتَّى خَالَفْتُمُوهُ جَمِيعًا , لَا إِلَى حَدِيثٍ مِثْلِهِ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ , أَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَوَدُ الَّذِي طَلَبَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيِّ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ مِنَ الْقِصَاصِ , وَلَكِنَّهُ كَانَ عَلَى أَنْ يَعُودَ مُتَوَاضِعًا بِالْبَذْلِ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ مِثْلَ الَّذِي فَعَلَهُ , حَتَّى يَكُونَ بِذَلِكَ عَلَى مِثْلِ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ فِي التَّوَاضُعِ عِنْدَ مِثْلِ هَذَا , كَمَا كَانَ مِنْ تَوَاضُعِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ الَّذِي ذَكَرْنَا , ثُمَّ مِنْ تَوَاضُعِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الَّذِي رُوِّينَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ , وَيَكُونُ ذِكْرُهُ الْقَوَدَ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ , كَمَا تَسْتَعِيرُ الْعَرَبُ الْكَلِمَةَ لِلْمَعْنَى الَّذِي فِيهَا مِمَّا اسْتَعَارُوهَا مِنْهُ , مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: هُرَاقَ فُلَانٌ مُهْجَةَ فُلَانٍ , لَيْسَ لِأَنَّ الْمُهْجَةَ مُهْرَاقَةٌ , وَإِنَّمَا الْمُهْرَاقُ الدَّمُ , وَهُوَ مَا وَصَفَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قِصَّةِ مُوسَى وَصَاحِبِهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: 77] , فَذَكَرَهُ بِالْإِرَادَةِ , وَالْجِدَارُ لَا إِرَادَةَ
لَهُ , وَلَكِنَّهُ كَانَ مِنْهُ مَا يَكُونُ مِنْ ذَوِي الْإِرَادَةِ عِنْدَ إِرَادَتِهِمْ إِلْقَاءَ أَنْفُسِهِمْ إِلَى الْأَرْضِ , فَمِثْلُ ذَلِكَ مَا أَرَادَ مِنَ الْأَعْرَابِيِّ أَنْ يَبْذُلَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ مِثْلَ الَّذِي يُبْذَلُ بِالْقَوَدِ , وَفِيمَا ذَكَرْنَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنْ لَا حُجَّةَ لِهَذَا الْمُتَأَوِّلِ عَلَيْنَا فِيمَا احْتَجَّ بِهِ عَلَيْنَا مِنْ تَأْوِيلِهِ هَذَا , وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمَوَالِي: " لَيُقَاتِلُنَّكُمْ عَلَى هَذَا الدِّينِ عَوْدًا كَمَا قَاتَلْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ بَدْءًا "
3530 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ , عَنْ سُلَيْمَانَ - يَعْنِي الْأَعْمَشَ , عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو , عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ , وَصَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ حَاضِرٌ عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ آجُرٍّ , فَجَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ حَتَّى كَلَّمَهُ بِشَيْءٍ , فَانْتَهَرَهُ , وَلَا أَدْرِي مَا قَالَ لَهُ , ثُمَّ جَاءَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ حَتَّى دَنَا مِنْهُ , فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , غَلَبَتْنَا هَذِهِ الْحَمْرَاءُ عَلَى وَجْهِكَ , يَعْنِي - الْمَوَالِيَ - , فَضَرَبَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ عَلَى ظَهْرِي , وَقَالَ: " لَيُبْدِيَنَّ مِنْ أَمْرِ الْعَرَبِ أَمْرًا قَدْ كَانَ يَكْتُمُهُ , ثُمَّ قَالَ: " مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ هَذِهِ الضَّيَاطِرَةِ , يَتَقَلَّبُ أَحَدُهُمْ عَلَى حَشَايَاهُ , وَيُهَجِّرُ قَوْمٌ لِذِكْرِ اللهِ , تَأْمُرُونِي أَنْ أَطْرُدَهُمْ فَأَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ , وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ , وَبَرَأَ النَّسَمَةَ , لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " لَيَضْرِبُنَّكُمْ عَلَى الدِّينِ عَوْدًا كَمَا ضَرَبْتُمُوهُمْ بَدْءًا "
3531 - حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ النَّخَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي الْمِنْهَالُ , عَنْ عَبَّادٍ الْأَسَدِيِّ , أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ: بَيْنَا عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَخْطُبُنَا يَوْمَ جُمُعَةٍ عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ آجُرٍّ , وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ خَلْفِي , إِذْ رَأَى رَجُلًا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ , حَتَّى دَنَا فَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ , فَغَضِبَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ غَضَبًا شَدِيدًا , حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ , ثُمَّ جَاءَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ حَتَّى دَنَا , فَقَالَ: " غَلَبَتْنَا هَذِهِ الْحَمْرَاءُ عَلَى وَجْهِكَ , فَغَضِبَ عَلِيٌّ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ , ثُمَّ قَالَ: " مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ هَذِهِ الضَّيَاطِرَةِ , يَتَضَجَّعُونَ عَلَى فُرُشِهِمْ , وَيَرُوحُ أَقْوَامٌ إِلَى ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ , فَيَأْمُرُونِي أَنْ أَطْرُدَهُمْ فَأَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ , وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ , وَبَرَأَ النَّسَمَةَ , لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " لَيَضْرِبُنَّكُمْ عَلَى الدِّينِ عَوْدًا كَمَا ضَرَبْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ بَدْءًا " فَضَرَبَ زَيْدٌ عَلَى
مَنْكِبِيَّ , ثُمَّ قَالَ: لَيُظْهِرَنَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْعَرَبِ الْيَوْمَ أَمْرًا كَانَ يَكْتُمُهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ لِنَقِفَ عَلَى الْمُرَادِ بِمَا فِيهِ إِنْ شَاءَ اللهُ , فَكَانَ مَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ الْحَمْرَاءِ يُرَادُ بِهَا الْمَوَالِي , وَمِنْهُ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
3532 - مِمَّا قَدْ حَدَّثَنِي الْمُزَنِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا , وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ , وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ , وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ , وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ " قَالَ لَنَا الْمُزَنِيُّ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: ثُمَّ جَلَسْتُ إِلَى سُفْيَانَ , فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ , فَقَالَ الزُّهْرِيُّ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَوْ سَعِيدٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , ثُمَّ ذَكَرَهُ.
وَكَانَ فِيهِ مِنَ الضَّيَاطِرَةِ الْمَذْكُورِينَ فِيهِ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِمُ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ الْأَسْوَاقَ بِلَا مَالٍ مَعَهُمْ , يُحْضَرُ بِهِ الْأَسْوَاقُ , وَيُنْتَفَعُ بِهِ فِي حُضُورِهَا , وَكَانَ مَنْ يَحْضُرُهَا كَذَلِكَ كَمَنْ لَمْ يَحْضُرْهَا , فَمِثْلُهُ مَنْ يَحْضُرُ غَيْرَهَا بِلَا مَنْفَعَةٍ فِي حُضُورِهِ لِمَا يُحْضِرُهُ , وَالْوَاحِدُ مِنَ الضَّيَاطِرَةِ ضَيْطَارٌ.
ثُمَّ تَأَمَّلْنَا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِيهِ عَنْهُ , فَكَانَ الْعَرَبُ بَدْءًا هُمُ الَّذِينَ قَاتَلُوا الْعَجَمَ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ فِي الْإِسْلَامِ , كَمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ
3533 - مِمَّا قَدْ حَدَّثَنَا الْكَيْسَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْخَصِيبُ بْنُ نَاصِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ , عَنْ كَثِيرِ بْنِ أَبِي الْأَعْيَنِ قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو الطُّفَيْلِ قَالَ: ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى اسْتَغْرَبَ , فَقَالَ: " أَلَا تَسْأَلُونِي مِمَّ ضَحِكْتُ؟ " قَالُوا: مِمَّ ضَحِكْتَ , يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " عَجِبْتُ مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلَاسِلِ , وَهُمْ يَتَقَاعَسُونَ عَنْهَا , فَمَا يُكَرِّهُهَا إِلَيْهِمْ " , قَالُوا: وَكَيْفَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " قَوْمٌ مِنَ الْعَجَمِ يَسْبِيهِمُ الْمُهَاجِرُونَ لِيُدْخِلُوهُمْ فِي الْإِسْلَامِ وَهُمْ كَارِهُونَ "
3534 - وَكَمَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْمِنْقَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ , عَنْ كَثِيرِ بْنِ أَعْيَنَ أَبِي مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي
أَبُو الطُّفَيْلِ , بِمَكَّةَ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ قَالَ: ضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى اسْتَغْرَبَ , ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ
3535 - وَمَا حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي كَثِيرٌ أَبُو مُحَمَّدٍ , حَدَّثَنِي أَبُو الطُّفَيْلِ قَالَ: ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ قَالَ: " أَلَا تَسْأَلُونِي مِمَّ ضَحِكْتُ؟ " ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ فَكَانَ الْعَرَبُ الَّذِينَ أَدْخَلُوا الْعَجَمَ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى صَارُوا مِنْ أَهْلِهِ , وَحَتَّى صَارَ فِيهِمْ مَنْ عَلِمَ وَعَقَلَ عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَعَنْ رَسُولِهِ شَرَائِعَ دِينِهِ , حَتَّى صَارَتْ إِلَيْهِ مُطَالَبَةُ مَنْ خَرَجَ عَمَّا عَلَيْهِ مِنْهُ إِلَى ضِدِّهِ بِالرُّجُوعِ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ , فَكَانَ ذَلِكَ قِتَالَهُمْ عَلَى مَا قَاتَلُوهُمْ بَدْءًا , حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ بِذَلِكَ فِيمَا أَدْخَلُوهُمْ فِيهِ , وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مِنَ الْعَجَمِ مَنْ قَدْ وَصَفَهُ بِطَلَبِ الْعِلْمِ , حَتَّى قَالَ فِيهِ: " لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالثُّرَيَّا , أَوْ: لَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِالثُّرَيَّا , لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ ".
فَنَظَرْنَا هَلْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا؟
3536 - فَوَجَدْنَا إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ قَزَعَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَحْيَى الْأَسْلَمِيُّ , عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ , عَنْ أَبِيهِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ , فَأَخَذَ الْكَرْزَنَ فَحَفَرَ بِهِ , فَصَادَفَ حَجَرًا فَضَحِكَ , فَسُئِلَ: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " مِنْ نَاسٍ يُؤْتَى بِهِمْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ بِالْكُبُولِ يُسَاقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ وَهُمْ كَارِهُونَ " فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَرَادَ مِنَ الْعَجَمِ , بِمَا قَالَهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا , الْعَجَمَ الَّذِينَ كَانُوا بِنَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ , وَهُمْ أَبْنَاءُ فَارِسَ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَهَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ , وَدَخَلُوا فِي قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: 3] ؛ أَيْ: يَلْحَقُونَ بِالْمَذْكُورِينَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ , وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: 2] , وَبِاللهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.