بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَسْبَابِ الْمَحَبَّةِ , وَأَسْبَابِ الْبِغْضَةِ , فِي قُلُوبِ النَّاسِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطحاوي
- الكتاب
- شرح مشكل الآثار
- المؤلف
- أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
- الناشر
- مؤسسة الرسالة
- الطبعة
- الأولى - 1415 هـ، 1494 م
- عدد الأجزاء
- 16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
3816 - وَحَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ , وَسَعِيدُ بْنُ بِشْرٍ الْأَزْدِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ , ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ
3817 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ , عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ , عَنْ رِبْعِيُّ بْنِ حِرَاشٍ , عَنْ أَبِي الْيَسَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا , أَوْ وَضَعَ عَنْهُ , أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ "
3818 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ , عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو , عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ , عَنِ ابْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ , عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللهِ , أَوْ غَارِمًا فِي عُسْرَتِهِ , أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ , أَظَلَّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ "
3819 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ قَاضِي كَرْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ , عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ , عَنْ عَبْدِ اللهِ َبْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ , أَنَّ سَهْلًا , حَدَّثَهُ , عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِثْلَهُ
3820 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ , عَنْ مُعَتِّبٍ , مَوْلَى أَسْمَاءَ ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ , أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ السُّلَمِيَّ يَقُولُ: " سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا , أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ "
3821 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ , عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ , عَنْ أَبِي الْيَسَرِ الْبَدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُظِلَّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ظِلِّهِ , وَأَشَارَ بِيَدِهِ فَوْقَ حَاجِبَيْهِ , فَلْيُنْظِرْ مُعْسِرًا , أَوْ يَضَعْ لَهُ "
3822 - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ يَحْيَى الْهَمْدَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ , عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ , عَنْ نَافِعٍ قَالَ: " كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتَقَاضَى رَجُلًا فَتَوَارَى عَنْهُ , فَنَادَاهُ: أَتَحْبِسُنِي , وَتَوَارَى عَنِّي؟ " , فَقَالَ: مَا فَعَلْتُ ذَلِكَ إِلَّا أَنِّي لَا أَجِدُ مَا أَقْضِيكَ قَالَ: " آللَّهِ؟ " , قَالَ: آللَّهِ , فَأَخَذَ صَكَّهُ فَمَحَاهُ , ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " أَظَلَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ رَجُلًا يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ , أَنْسَأَ مُعْسِرًا إِلَى مَيْسَرَتِهِ , أَوْ مَحَا عَنْهُ "
3823 - وَحَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ , حَدَّثَهُ , أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُدَايِنُ النَّاسَ , فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ عَلَى مُعْسِرٍ , فَتَجَاوَزْ عَنْهُ , لَعَلَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا , فَلَقِيَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ "
3824 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.
3825 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ , عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَكَانَ الظِّلُّ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْآثَارِ مُحْتَمِلًا أَنْ يَكُونَ أُرِيدُ بِهِ مَا يُظِلُّ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَتَأَذَّى بَنُو آدَمَ مِنْ أَمْثَالِهَا فِي الدُّنْيَا كَالشَّمْسِ , فَيُظِلُّ مِنْ أَمْثَالِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا يُظِلُّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مِنْ ظِلِّهِ الَّذِي لَا ظِلَّ يَوْمَئِذٍ سِوَاهُ , وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: " فِي ظِلِّهِ "؛ أَيْ:
فِي كَنَفَهِ , أَوْ فِي سِتْرِهِ , وَمَنْ كَانَ فِي كَنَفِ اللهِ , أَوْ فِي سِتْرِهِ وُقِيَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمَكْرُوهَةِ , وَمِثْلُ مَا يُقَالُ فِي الدُّنْيَا: فُلَانٌ فِي ظِلِّ فُلَانٍ؛ أَيْ: فِي كَنَفِهِ , وَفِي كِفَايَتِهِ إِيَّاهُ الْأَشْيَاءَ الَّتِي يَطْلُبُهَا غَيْرُهُ بِالنَّصَبِ , وَالتَّعَبِ , وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا.
فَقَالَ قَائِلٌ: وَأَيْ ثَوَابٍ لِمَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا؟ إِنَّمَا لَوْ طَالَبَهُ بِهِ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ مِنْهُ , وَإِنَّمَا يَكُونُ الثَّوَابُ لِمَنْ تَرَكَ مَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ , فَأَمَّا مَا عَجَزَ عَنْ أَخْذِهِ , فَمَعْقُولٌ أَنْ لَا ثَوَابَ لَهُ فِي تَرْكِهِ.
فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّ الْإِعْسَارَ قَدْ يَكُونُ عَلَى الْعُدْمِ الَّذِي لَا يُوصَلُ مَعَهُ إِلَى شَيْءٍ , وَقَدْ يَكُونُ عَلَى الْقِلَّةِ الَّتِي يُوصَلُ مَعَهَا , مَا إِذَا أَخَذَ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَدَحَهُ وَكَشَفَهُ , وَأَضَرَّ بِهِ , وَالْعُسْرَةُ تَجْمَعُهُمَا جَمِيعًا , غَيْرَ أَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِيهَا , فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا بِهَا مُعْدَمًا , وَلَا يَكُونُ الْآخَرُ مِنْهُمَا بِهَا مُعْدَمًا , وَكُلُّ مُعْدِمٍ مُعْسِرٌ , وَلَيْسَ كُلُّ مُعْسِرٍ مُعْدَمًا , فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُعْسِرُ الْمَقْصُودُ بِمَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ إِلَيْهِ هُوَ الْمُعْسِرُ الَّذِي يَجِدُ مَا إِنْ أُخِذَ مِنْهُ فَدَحَهُ , وَكَشَفَهُ , وَأَضَرَّ بِهِ , فَمَنْ أَنْظَرَ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ , فَقَدْ آثَرَهُ عَلَى نَفْسِهِ , وَاسْتَحَقَّ مَا لِلْمُؤْثِرِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ , وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَعْدِ الَّذِي ذَكَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ , فَبَانَ بِحَمْدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ , أَنْ لَا اسْتِحَالَةَ فِي شَيْءٍ مِمَّا رُوِّينَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ , وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَقْتُولِ فِي الْغَزْوِ مِمَّا نَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّهُ أَرَادَ إِذَا كَانَ مُجْتَعَلًا فِي غَزْوَةٍ أَنَّهُ الْأَجِيرُ إِلَى أَقْصَى قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ
3826 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْهَرَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا دُحَيْمُ بْنُ الْيَتِيمِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ سُلَيْمَانَ بْنِ سُلَيْمٍ , عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ , عَنِ ابْنِ أَخِي أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو أَيُّوبَ: " إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمُ الْأَمْصَارُ , وَيُضْرَبُ عَلَيْكُمْ بُعُوثٌ يَكْرَهُهَا الرَّجُلُ مِنْكُمْ , فَيُرِيدُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهَا , فَيَأْتِي الْقَبَائِلَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ , وَيَقُولُ: مَنْ أَكْفِيهِ بَعْثَ كَذَا وَكَذَا , أَلَا فَذَلِكُمُ الْأَجِيرُ إِلَى أَقْصَى قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ "
3827 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الشَّيْزَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ سُلَيْمَانَ بْنِ سُلَيْمٍ الْكِنَانِيِّ - يَعْنِي كِنَانَةَ كَلْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ , عَنِ ابْنِ أَخِي أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ , فَعَقَلْنَا أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الِاجْتِعَالَ عَلَى الْخُرُوجِ فِي الْغَزْوِ عَنِ الْجَاعِلِينَ , وَفِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الثَّوَابُ فِي ذَلِكَ الْغَزْوِ لِلْجَاعِلِ , وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا فِي حَدِيثِ شُفَيٍّ الْأَصْبَحِيِّ , أَنَّ لِلْجَاعِلِ أَجْرَ الْجَاعِلِ وَأَجْرَ الْغَازِي , وَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ نَفَى أَنْ يَكُونَ لِلْغَازِي عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا , إِذْ كَانَ إِنَّمَا غَزَا بِمَا أَخَذَهُ عِوَضًا عَلَى غَزْوِهِ مِنَ الْجُعَلِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِ , فَإِذَا قُتِلَ فِي ذَلِكَ فَقَدْ قُتِلَ أَجِيرًا , فِيمَا لَا ثَوَابَ لَهُ فِيهِ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ , إِذْ كَانَ ثَوَابُهُ فِيهِ مَا قَدْ أَخَذَ مِنَ الْجُعَلِ مِمَّنْ أَخَذَهُ لِيَكُونَ غَزْوُهُ بِمَا يَأْخُذُهُ مِنْ ذَلِكَ الْجُعَلِ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنْهُ , وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُكْمِ مَا بَيْنَ الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ , وَبَيْنَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ: هَلْ هُوَ مَوْضِعُ كَلَامٍ , أَوْ مَوْضِعُ سُكُوتٍ؟
3828 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ , وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَارِثِ الْبَاغَنْدِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ , عَنِ الْمُغِيرَةِ , عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ عَلْقَمَةَ , عَنْ قَرْثَعٍ , عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تَدْرُونَ مَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ؟ " قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ , ثُمَّ قَالَ: " تَدْرُونَ مَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ؟ " , قُلْتُ: اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: قُلْتُ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ: هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي جُمِعَ فِيهِ أَبُوكَ أَوْ أَبُوكُمْ قَالَ: " لَكِنِّي أُخْبِرُكَ بِخَبَرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ , مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَطَهَّرُ ثُمَّ يَمْشِي إِلَى الْمَسْجِدِ , ثُمَّ يُنْصِتُ حَتَّى يَقْضِيَ الْإِمَامُ صَلَاتَهُ إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا , مَا اجْتَنَبَتِ الْمَقْتَلَةَ "
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى الْإِنْصَاتِ بَيْنَ الْخُطْبَةِ لِلْجُمُعَةِ , وَبَيْنَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ , وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ , وَقَدْ خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ , مِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ , وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ , فَلَمْ يَرَوْا بِالْكَلَامِ بَيْنَ الْخُطْبَةِ , وَبَيْنَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بَأْسًا , فَتَأَمَّلْنَا مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ.
3829 - فَوَجَدْنَا إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُنْقِذٍ الْعُصْفُرِيَّ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ , ح وَوَجَدْنَا هَارُونَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْعَسْقَلَانِيَّ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ الْأُبُلِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ , ثُمَّ اجْتَمَعَا , فَقَالَا: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُبَّمَا نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ , وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ , فَيَعْرَضُ لَهُ الرَّجُلُ فَيُحَدِّثُهُ طَوِيلًا , ثُمَّ يَتَقَدَّمُ إِلَى الصَّلَاةِ " فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَلَامُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْخُطْبَةِ لِلْجُمُعَةِ وَبَيْنَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ , فَتَأَمَّلْنَا ذَلِكَ , هَلْ يُخَالِفُ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ , أَمْ لَا؟ , فَوَجَدْنَاهُ مُحْتَمِلًا أَنْ يَكُونَ مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ وَأَكْثَرُ ثَوَابًا , لَيْسَ عَلَى أَنَّهُ كَالسُّكُوتِ فِي الْخُطْبَةِ لِلْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ فِي الْخُطْبَةِ لِلْجُمُعَةِ فَرْضٌ , وَالْكَلَامُ فِيهَا لَغْوٌ , وَأَنْ يَكُونَ السُّكُوتُ فِيمَا بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ , وَلَا لَهُ مِنَ الْوُجُوبِ مَا لِلسُّكُوتِ فِي
الْخُطْبَةِ , وَلَكِنَّهُ مَحْضُوضٌ عَلَيْهِ , وَمُبَاحٌ تَرْكُهُ , وَيَكُونُ كَلَامُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ تَسْهِيلًا عَلَى النَّاسِ , وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَفْضَلَ مِنْهُ , كَمَا تَوَضَّأَ مَرَّةً , وَالْوُضُوءُ مَرَّتَيْنِ أَفْضَلُ مِنْهُ , وَالْوُضُوءُ ثَلَاثًا أَفْضَلُ مِنْهُمَا , فَتَرَكَ الْأَفْضَلَ وَاسْتَعْمَلَ مَا هُوَ دُونَهُ إِعْلَامًا مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ أَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُمْ , غَيْرُ مَحْظُورٍ عَلَيْهِمْ , فَثَبَتَ بِتَصْحِيحِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا صَحَّحْنَاهُمَا.
فَقَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ رُوِيَ فِيمَا كَانَ النَّاسُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
فَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ الْقُرَظِيُّ أَنَّ جُلُوسَ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقْطَعُ الْكَلَامَ , وَكَلَامُهُ يَقْطَعُ الْكَلَامَ , وَقَالَ: " إِنَّهُمْ كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ حِينَ يَجْلِسُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى يَسْكُتَ الْمُؤَذِّنُ , فَإِذَا قَامَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ لَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ حَتَّى يَقْضِيَ خُطْبَتَيْهِ كِلْتَيْهِمَا , ثُمَّ إِذَا نَزَلَ عُمَرُ عَنِ الْمِنْبَرِ وَقَضَى خُطْبَتَيْهِ تَكَلَّمُوا "
قَالَ: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ جَمِيعًا فِي ذَلِكَ هُوَ الْكَلَامُ.
فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّ ذَلِكَ مُحْتَمِلًا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى التَّوْسِعَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا , لَا عَلَى مَا سِوَاهَا لِيَقْتَدِيَ بِهِمُ النَّاسُ , وَإِنْ كَانَ غَيْرُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنْ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْهُ , وَأَعْظَمَ أَجْرًا , وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.