بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ زَرْعًا عَلَى مُزَارَعَةٍ فَاسِدَةٍ كَيْفَ الْحُكْمُ فِيهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطحاوي
- الكتاب
- شرح مشكل الآثار
- المؤلف
- أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
- الناشر
- مؤسسة الرسالة
- الطبعة
- الأولى - 1415 هـ، 1494 م
- عدد الأجزاء
- 16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
فَبَيَّنَ لَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ الْمُحَاقَلَةَ مَا هِيَ وَأَنَّهَا خِلَافُ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنَ الْأَجْزَاءِ الْمَعْلُومَةِ، وَأَمَّا الْمُخَابَرَةُ الْمَذْكُورُ نَهْيُهُ عَنْهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَأَنَّهَا عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ مِنْ بَيَاضِ الْأَرْضِ , فَذَلِكَ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَهُ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْهُ يُضِيفُونَهُ إِلَيْهَا مِمَّا يُفْسِدُهَا.
وَقَالَ قَائِلٌ آخَرُ: أُجِيزُ الْمُعَامَلَةَ عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَيْنَ النَّخْلِ الَّتِي لَا يُوصَلُ إِلَى الِانْتِفَاعِ بِهَا إِلَّا مَعَ الْعَمَلِ فِي النَّخْلِ وَلَا أُجِيزُ الْمُعَامَلَةَ عَلَيْهَا وَحْدَهَا، فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَحَدُ مَنْ رَوَى عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَامَلَتَهُ الْيَهُودَ فِي نَخْلِ خَيْبَرَ وَأَرْضِهَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي الْمُعَامَلَةِ عَلَى الْأَرْضِ دُونَ النَّخْلِ أَنَّهُ جَائِزٌ
كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ كُلَيْبِ بْنِ وَائِلٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: آتِي رَجُلًا لَهُ أَرْضٌ وَمَاءٌ وَلَيْسَ لَهُ بَذْرٌ وَلَا بَقَرٌ أَحْرُثُ أَرْضَهُ بِالنِّصْفِ , فَزَرَعْتُهَا بِبَذْرِي وَبَقَرِي فَنَاصَفْتُهُ؟ فَقَالَ: " حَسَنٌ "
فَهَذَا ابْنُ عُمَرَ قَدْ أَجَازَ الْمُعَامَلَةَ عَلَى الْأَرْضِ وَحْدَهَا بِنِصْفِ مَا يَخْرُجُ كَمَا عَامَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى نَخْلِ خَيْبَرَ وَعَلَى أَرْضِهَا بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهُمَا , وَقَدْ عَمِلَ بِذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ بَعْدَهُ
كَمَا حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ الْحَسَنِ السَّقَلِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ حَصِيرَةَ، عَنْ صَخْرِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ صَلِيعٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا عَمَدَ إِلَى أَرْضٍ , فَزَرَعَهَا فَدَعَا عَلِيٌّ بِالرَّجُلِ , فَقَالَ: أَخَذْتُهَا بِالنِّصْفِ مِنْ صَاحِبِهَا أَكْرِيهَا وَأُعَالِجُهَا وَمَا خَرَجَ مِنْ شَيْءٍ فَلَهُ النِّصْفُ وَلِي النِّصْفُ , فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْحَدِيثُ حَسَنُ الْإِسْنَادِ.
ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ عَمْرَو بْنَ صَلِيعٍ بَصْرِيٌّ مِنْ مُحَارِبِ بْنِ خَصَفَةَ , وَأَنَّ لَهُ صُحْبَةً رَوَى عَنْهُ صَخْرُ بْنُ الْوَلِيدِ وَذَكَرَ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ حَصِيرَةَ أَزْدِيٌّ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ فِيهِ لِشُهْرَتِهِ وَقَبُولِ النَّاسِ رِوَايَتَهُ غَيْرَ أَنَّهُ أَوْرَدْنَاهُ لِذِكْرِهِ قَبِيلَتَهُ
وَكَمَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: أَقْطَعَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَسَعْدَ بْنَ مَالِكٍ، وَأُسَامَةَ وَكَانَ جَارَايَ مِنْهُمْ سَعْدٌ، وَابْنُ مَسْعُودٍ يَدْفَعَانِ أَرْضَهُمَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ
وَكَمَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ قَالَ: سَأَلْتُ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ عَنِ الْمُزَارَعَةِ , فَقَالَ: أَقْطَعَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَبْدَ اللهِ أَرْضًا، وَأَقْطَعَ سَعْدًا أَرْضًا، وَأَقْطَعَ خَبَّابًا أَرْضًا، وَأَقْطَعَ صُهَيْبًا أَرْضًا , فَكِلَا جَارَيَّ كَانَا يُزَارعَانِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَكَمَا حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ , عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بِنَحْوِهِ , وَزَادَ: وَخَبَّابٌ
وَفِي ذَلِكَ مَا هُوَ أَعْلَى مِنْ هَذَا وَهُوَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ بِالْيَمَنِ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ عَامِلًا عَلَيْهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
كَمَا حَدَّثَنَا بَكَّارٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ أَنَّ مُعَاذًا قَدِمَ الْيَمَنَ وَهُمْ يُخَابِرُونَ , فَأَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ
وَكَمَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ: أَنْ مُعَاذًا لَمَّا قَدِمَ الْيَمَنَ كَانَ يُكْرِي الْأَرْضَ أَوِ الْمَزَارِعَ عَلَى الثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ، أَوْ قَالَ: قَدِمَ وَهُمْ يَفْعَلُونَهُ فَأَمْضَى ذَلِكَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالتَّابِعُونَ فَمُخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ كَاخْتِلَافِ مَنْ بَعْدَهُمْ فِيهِ , فَأَمَّا مَنْ أَجَازَ مُزَارَعَةَ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مَعَ الْمُسَاقَاةِ فِي النَّخْلِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُجِيزَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ كَمَا يُجِيزُهَا مَعَ صَاحِبَتِهَا؛ لِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ قَدْ وَقَعَتْ فِي كُلِّ
وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حُكْمُهَا، وَإِذَا كَانَ حُكْمُهَا مَعَ صَاحِبَتِهَا الْجَوَازَ كَانَ حُكْمُهَا عَلَى الِانْفِرَادِ كَذَلِكَ أَيْضًا، فَأَمَّا مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَمَّا مَالِكٌ , فَكَانَ مَذْهَبُهُ إِجَازَةَ الْمُسَاقَاةِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَإِبْطَالَ الْمُزَارَعَةِ الَّتِي وَصَفْنَا، فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، وَزُفَرُ فَكَانَ مَذْهَبُهُمَا إِبْطَالَهُمَا جَمِيعًا، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَكَانَ يُجِيزُهُمَا إِذَا اجْتَمَعَتَا فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ ذَاتِ نَخْلٍ، وَيُجِيزُ الْمُسَاقَاةَ فِي النَّخْلِ بِلَا أَرْضٍ، وَلَا يُجِيزُ الْمُعَامَلَةَ فِي الْأَرْضِ بِجُزْءِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْقُدْوَةُ وَقَدْ كَانَ مِنْهُ فِي خَيْبَرَ الْمُعَامَلَةُ فِي الْأَرْضِ وَالْمُسَاقَاةُ فِي النَّخْلِ جَمِيعًا وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّ الْمُحَاقَلَةَ الَّتِي نَهَى عَنْهَا مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ إِذْ كَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَهُوَ مِمَّنْ رُوِيَ ذَلِكَ النَّهْيَ عَنْهُ قَدْ قَالَ لَنَا: إِنَّهَا بَيْعُ الزَّرْعِ الْقَائِمِ عَلَى أُصُولِهِ بِالطَّعَامِ , وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ