شرح مشكل الآثارصفحات 319-322

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ

صفحات 319-322
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطحاوي
الكتاب
شرح مشكل الآثار
المؤلف
أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
الناشر
مؤسسة الرسالة
الطبعة
الأولى - 1415 هـ، 1494 م
عدد الأجزاء
16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَيْضًا مِثْلَ ذَلِكَ.
ثُمَّ تَأَمَّلْنَا نَحْنُ ذَلِكَ , فَوَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا ظَاهِرُهُ يَدْفَعُ ذَلِكَ , وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: 8] , فَأَعْلَمَنَا عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ نَفْخَهُ فِيهِ الرُّوحَ , إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ أَنْ يُسَوِّيَهُ , وَإِنَّمَا تَسْوِيَتُهُ يَكُونُ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ.

كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ الصَّائِغُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: 11] قَالَ: " خَلَقْنَاكُمْ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ , ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ "

وَكَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو , عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ ,

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: 11] قَالَ: " خُلِقُوا فِي ظَهْرِ آدَمَ , ثُمَّ صُوِّرُوا فِي الْأَرْحَامِ " فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ نَفْخَ الرُّوحِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ التَّصْوِيرِ , وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى إِبْطَالِ قَوْلِ مَنْ قَالَ فِي النُّطْفَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ , وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ , مِمَّا سَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا , فِيمَا هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ , وَسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ , عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ , عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ , ذَكَرَ نَفْخَ الرُّوحِ بَعْدَ التَّصْوِيرِ لِلنُّطْفَةِ , وَبَعْدَمَا يَكُونَ عَلَقَةً , ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً.
فَقَالَ قَائِلٌ: فَمَا مَعْنَى مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَزْلِ؟ .

3700 - فَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ الْجُمَحِيُّ , أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ , أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ , إِنَّا نُصِيبُ سَبْيًا فَنُحِبُّ الْأَثْمَانَ , فَكَيْفَ تَرَى فِي الْعَزْلِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَوَإِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ لَا عَلَيْكُمُ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَلِكُمْ , فَإِنَّهَا لَيْسَتْ نَسَمَةٌ كَتَبَ اللهُ عَزَّ

وَجَلَّ أَنْ تَخْرُجَ إِلَّا وَهِيَ خَارِجَةٌ "

3701 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ , عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ , أَنَّ ابْنَ مُحَيْرِيزٍ , حَدَّثَهُ , أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَهُ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ كَلَّمُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَأْنِ الْعَزْلِ , وَذَلِكَ لِشَأْنِ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ , فَأَصَابُوا سَبَايَا وَكَرِهُوا أَنْ يَلِدْنَ مِنْهُمْ , فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَعْزِلُوا , فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدَّرَ مَا هُوَ خَالِقٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ "

3702 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , أَنَّ مَالِكًا , حَدَّثَهُ , عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ , فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ

3703 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْخَصِيبُ بْنُ نَاصِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ , عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ , ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ

3704 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ , عَنْ مُطَرِّفٍ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ أَصَبْنَا سَبْيًا , فَكُنَّا نَعْزِلُ عَنْهُنَّ , فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: أَتَفْعَلُونَ هَذَا وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جَنْبِكُمْ لَا تَسْأَلُونَهُ؟ , فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: " لَيْسَ مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ , إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ , فَلَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَعْزِلُوا "

3705 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ,

عَنْ شُعْبَةَ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْوَدَّاكِ , يُحَدِّثُ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَمَّا أَصَبْنَا سَبْيَ خَيْبَرَ سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْعَزْلِ , فَقَالَ: " لَيْسَ مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ , وَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ " فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ , فَإِذَا كَانَ الْعَزْلُ مُبَاحًا , فَكَيْفَ جَازَ أَنْ يُقَالَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ: " إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ " , وَالْخَلْقُ فَإِنَّمَا يَكُونُ مِنَ النُّطْفَةِ الَّتِي تَصِيرُ إِلَى الرَّحِمِ , فَإِذَا لَمْ تَصِلْ إِلَيْهِ كَانَ مُحَالًا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ قَدَرٌ يَمْنَعُ مِنْ وَلَدٍ.
فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ مَعَ لَطِيفِ قُدْرَتِهِ قَدْ يَجُوزُ إِذَا كَانَ قَدْ قَدَّرَ أَنْ يَكُونَ مِنْ نُطْفَةٍ وَلَدٌ , أَنْ يُوصِلَ إِلَى الرَّحِمِ مِنْهَا مَا شَاءَ أَنْ يُوصِلَهَ إِلَيْهِ مِنْهَا مَعَ الْعَزْلِ الَّذِي يَكُونُ مِنْ صَاحِبِهَا لَهَا , فَيَكُونُ مِمَّا يُوَصِّلُهُ إِلَيْهِ الْوَلَدُ الَّذِي قَدْ قَدَّرَ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْهَا , وَقَدْ تُوصَلُ بِكَمَالِهَا إِلَى الرَّحِمِ , وَقَدْ سَبَقَ مِنْ تَقْدِيرِهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْهَا وَلَدٌ , فَلَا يَكُونُ مِنْهَا وَلَدٌ , فَكَانَ الْوَلَدُ إِنَّمَا يَكُونُ مِمَّا قَدْ قَدَّرَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْهُ , كَانَ مَعَهُ عَزْلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ , وَكَانَ

الْعَزْلُ قَدْ يَكُونُ , فَيَكُونُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ لَطِيفِ قُدْرَتِهِ مَا يُوصِلُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ الْمَعْزُولِ إِلَى الرَّحِمِ مَا يَكُونُ تَخَلَّقُ الْوَلَدِ مِنْهُ , فَصَارَ بِذَلِكَ كُلُّ مَخْلُوقٍ إِنَّمَا يَكُونُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْدِيرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ يَكُونُ , لَا بِنَفْسِ النُّطْفَةِ الَّتِي قَدْ تَكُونُ وَلَا يَكُونُ قَدْ تَقَدَّمَ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْهَا وَلَدٌ , فَلَمْ يَجْعَلْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَزْلِ مَعْنًى لِذَلِكَ , وَأَبَاحَهُ لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَفْعَلَهُ , وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ غَيْرُ أَنَّهُ أَعْلَمَهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ قَدَرًا مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِنْ كَانَ قَدْ سَبَقَ فِيهِ , وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.

جارٍ التحميل