بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي نَهْيِهِ أَبَا ذَرٍّ أَنْ يَتَوَلَّى قَضَاءً بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْ يُؤْوِيَ أَمَانَةً
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطحاوي
- الكتاب
- شرح مشكل الآثار
- المؤلف
- أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
- الناشر
- مؤسسة الرسالة
- الطبعة
- الأولى - 1415 هـ، 1494 م
- عدد الأجزاء
- 16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
46 - حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثَهُ , عَنْ أَبِي الْمُثَنَّى، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ سِتَّةَ أَيَّامٍ: " اعْقِلْ يَا أَبَا ذَرٍّ مَا أَقُولُ لَكَ " ثُمَّ لَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ , قَالَ: " أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ فِي سِرِّ أَمْرِكَ وَعَلَانِيَتِكَ , وَإِذَا أَسَأْتَ فَأَحْسِنْ , وَلَا تَسَلْنَ أَحَدًا , وَإِنْ سَقَطَ سَوْطُكَ , وَلَا تُؤْوِيَنَّ أَمَانَةً , وَلَا تُؤْوِيَنَّ يَتِيمًا , وَلَا تَقْضِيَنَّ بَيْنَ اثْنَيْنِ " فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَهْيُهُ أَبَا ذَرٍّ عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ , وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْقَضَاءِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ،
فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ عَلَى عَمَلٍ مَكْرُوهٍ , وَأَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْهُ فِي مَعْنًى يُنْقِصُ بِهِ رُتْبَتَهُ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ , بَلْ مَا أَدْخَلَهُ إلَّا فِي مَعْنًى يَكُونُ زَائِدًا فِي رُتْبَتِهِ , وَفِي مَعْنًى يَكُونُ سَبَبًا لِمَا يُقَرِّبُهُ مِنْ رَبِّهِ تَعَالَى.
وَرُوِيَ مِمَّا كَانَ مِنْهُ إلَى عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ لَمَّا بَعَثَهُ عَلَى مَا وَلَّاهُ عَلَيْهِ , مِنْهُ
47 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ النَّحْوِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَبَشِيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْيَمَنِ , فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ , إنَّكَ تَبْعَثُنِي إلَى قَوْمٍ شُيُوخٍ ذَوِي سِنٍّ , وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ لَا أُصِيبَ , فَقَالَ: " إنَّ اللهَ يُثَبِّتُ لِسَانَكَ , وَيَهْدِي قَلْبَكَ "
48 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، وَزَائِدَةُ , وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُعَاذٍ , كُلُّهُمْ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ حَنَشٍ وَهُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " إذَا تَقَاضَى إلَيْكَ الرَّجُلَانِ , فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ مَا يَقُولُ الْآخَرُ , فَإِنَّكَ إذَا سَمِعْتَ ذَلِكَ عَرَفْتَ كَيْفَ تَقْضِي ". قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا بَعْدُ
وَزَادَ سُلَيْمَانُ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِعَلِيٍّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: " إنَّ اللهَ يُثَبِّتُ لِسَانَكَ , وَيَهْدِي قَلْبَكَ "
49 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ النَّهْدِيُّ، حَدَّثَنَا إسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْيَمَنِ , فَقُلْتُ: إنَّكَ بَعَثْتَنِي إلَى قَوْمٍ أَسَنَّ مِنِّي , فَكَيْفَ أَقْضِي؟ قَالَ: " اذْهَبْ فَإِنَّ اللهَ يَهْدِي قَلْبَكَ , وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ "
50 - وَمَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ , حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ حَنَشٍ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْيَمَنِ , وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ , فَقُلْتُ: بَعَثْتَنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ , وَلَا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ , فَقَالَ: " إنَّ اللهَ هَادِي قَلْبِكَ وَلِسَانِكَ , فَإِذَا جَلَسَ إلَيْكَ الْخَصْمَانِ , فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ " قَالَ: فَمَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَعْدُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَاسْتَحَالَ عِنْدَنَا وَاللهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ
رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَدْخَلَ عَلِيًّا إلَّا فِيمَا زَادَ فِي رُتْبَتِهِ , وَفِي جَلَالَةِ مِقْدَارِهِ , وَفِيمَا يُقَرِّبُهُ مِنْ رَبِّهِ تَعَالَى وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي تَوْكِيدِ مَا ذَكَرْنَا
51 - مَا حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ، وَبَكْرُ بْنُ إدْرِيسَ الْأَزْدِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: " إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ , وَاجْتَهَدَ , ثُمَّ أَصَابَ , فَلَهُ أَجْرَانِ , وَإِذَا حَكَمَ , وَاجْتَهَدَ , ثُمَّ أَخْطَأَ , فَلَهُ أَجْرٌ ". قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا بَكْرِ بْنَ حَزْمٍ , فَقَالَ: هَكَذَا حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
52 - وَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، وَفَهْدٌ , قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.
53 - وَمَا قَدْ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ يَعْنِي الْكَوْسَجَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ
54 - وَمَا حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي شَرِيكٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ , قَالَ: " الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: فَقَاضِيَانِ فِي النَّارِ , وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ: قَاضٍ تَرَكَ الْحَقَّ وَهُوَ يَعْلَمُ , وَقَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ , فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ , فَهَذَانِ فِي النَّارِ , وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ "
55 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ، قَالَ: لَوْلَا حَدِيثُ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: " الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: اثْنَانِ فِي النَّارِ , وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ: رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ , وَقَضَى بِهِ , فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ , وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ , فَلَمْ يَقْضِ بِهِ , وَجَارَ فِي الْحُكْمِ , فَهُوَ فِي النَّارِ , وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفِ الْحَقَّ فَقَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ , فَهُوَ فِي النَّارِ ". لَقُلْنَا: إنَّ الْقَاضِيَ إذَا اجْتَهَدَ , فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَفَلَا تَرَى مَا فِي الْقَضَاءِ مِمَّا يَكُونُ سَبَبًا لِلْجَنَّةِ , فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَلَالَةِ مِقْدَارِهِ , وَعَلَى أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَمْنَعْ أَبَا ذَرٍّ مِنْهُ لِلْقَضَاءِ بِعَيْنِهِ , وَلَكِنْ لِمَعْنًى سِوَاهُ.
فَالْتَمَسْنَا ذَلِكَ الْمَعْنَى مَا هُوَ؟
56 - فَوَجَدْنَا يَزِيدَ بْنَ سِنَانٍ , وَعَلِيَّ بْنَ شَيْبَةَ , وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ مُنْقِذٍ الْعُصْفُرِيَّ , وَمُوسَى بْنَ النُّعْمَانَ الْمَكِّيَّ قَدْ حَدَّثُونَا عَنِ الْمُقْرِئ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْقُرَشِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي سَالِمٍ الْجَيَشَانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَا أَبَا ذَرٍّ , إنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي , وَإِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا , فَلَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ , وَلَا تَلِيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ " فَوَقَفْنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا ذَرٍّ عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ , وَإِنَّهُ لِمَعْنًى فِيهِ نَقَصَ بِهِ عَنْ رُتْبَةِ الْقَضَاءِ مِمَّا كَانَ ضِدُّهُ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِمَّا اسْتَحَقَّ بِهِ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ
57 - وَوَجَدْنَا يُوسُفَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ كَامِلٍ الْقُرَشِيِّ قَدْ حَدَّثَنَا , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيِّ، عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ الْأَكْبَرِ،
عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ , أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي , ثُمَّ قَالَ: " يَا أَبَا ذَرٍّ , إنَّكَ ضَعِيفٌ , وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ , وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا , وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا " فَوَقَفْنَا بِهَذَا أَيْضًا أَنَّهَا عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ كَرِهَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَبِي ذَرٍّ مَا كَرِهَهُ لَهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.
وَوَقَفْنَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ , وَهُوَ: " إلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا , وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا " أَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَلَيْسَ مِمَّنْ لَحِقَهُ فِي ذَلِكَ نَهْيٌ , وَلَا لَحِقَتْهُ فِيهِ كَرَاهَةٌ , وَأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِذَلِكَ إنَّمَا تَلْحَقُ الْمُتَعَرِّضِينَ لَهُ , الطَّالِبِينَ لِوِلَايَتِهِ.
وَمِمَّا قَدْ رُوِيَ فِي تَوْكِيدِ هَذَا الْمَعْنَى
58 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إسْمَاعِيلَ وَهُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَجُلَانِ مِنَ
الْأَشْعَرِيِّينَ , فَخَطَبَا , ثُمَّ تَعَرَّضَا لِلْعَمَلِ , فَقَالَ: " إنَّ أَخْوَنَكُمْ عِنْدِي مَنْ طَلَبَهُ , فَعَلَيْكُمَا بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى "
59 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْقَاسِمِ الْكُوفِيُّ أَبُو الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ ; فَإِنَّكَ إنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا , وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا ".
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِيمَا قَدْ ذَكَرْتُ مَا قَدْ وَضَحَ بِهِ جَمِيعُ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْهُ فِيهِ نَهْيُهُ أَبَا ذَرٍّ عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ , وَفِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا بَعْدَهُ مِمَّا فِيهِ نَفْيُ ذَلِكَ النَّهْيِ عَنْ سِوَاهُ مِمَّنْ بِهِ الْقُوَّةُ عَلَى مَا يَتَوَلَّاهُ مِنْ ذَلِكَ.
فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنْ لَا تَضَادَّ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَّ مَعَانِيهِ قَدِ اتَّضَحَتْ مُلْتَئِمَةً بَايِنَةً لِمَعَايِنِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيهِ.
وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ فِي السَّبَبِ الَّذِي فِيهِ نَزَلَتْ ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: 24] مِمَّا قَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ قَدْ تَضَادَّتِ الرِّوَايَاتُ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ
60 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَحْرِ بْنِ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَصْحَابِهِ بِالتَّنْعِيمِ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لِيَقْتُلُوهُمْ , فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِلْمًا , فَأَعْتَقَهُمْ , فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [الفتح: 24] الْآيَةَ
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْكَلْبِيَّ , فَقَالَ: هَكَذَا كَانَ الْحَدِيثُ
61 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إسْرَائِيلَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْبَزَّازُ أَبُو الْقَاسِمِ الْمَعْرُوفُ مُحَمَّدٌ هَذَا بِرِجَالٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، ثُمَّ اجْتَمَعَا , فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي جَانِبٍ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ , عَنِ الْمِسْوَرِ , وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ , قَالَ فِي حَدِيثِ الْهُدْنَةِ:
إنَّ سُهَيْلًا كَانَ مِمَّا اشْتَرَطَ فِي الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ , وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ , إلَّا رَدَدْتَهُ إلَيْنَا , ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَدِينَةِ , فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ , وَهُوَ مُسْلِمٌ , فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ , فَقَالُوا: الْعَهْدُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا , فَدَفَعَهُ إلَى الرَّجُلَيْنِ , فَخَرَجَا بِهِ , فَلَمَّا بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ , نَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرِهِمْ , فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللهِ إنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ يَا فُلَانٌ جَيِّدًا , فَاسْتَلَّهُ الْآخَرُ , فَقَالَ: أَجَلْ وَاللهِ إنَّهُ لَجَيِّدٌ , فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إلَيْهِ , فَضَرَبَهُ بِهِ حَتَّى بَرَدَ , وَفَرَّ الْآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ , فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ , فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ رَآهُ: " لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا " فَلَمَّا انْتَهَى إلَيْهِ قَالَ: قُتِلَ وَاللهِ صَاحِبِي , وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ , فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ , فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ , قَدْ وَاللهِ وَفَّى اللهُ ذِمَّتَكَ أَنْ رَدَدْتَنِي إلَيْهِمْ , ثُمَّ أَنْجَانِي اللهُ مِنْهُمْ , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ " , فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ
مِنْهُ , عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إلَيْهِمْ , فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ يَعْنِي الْبَحْرَ قَالَ: وَتَفَلَّتَ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلٍ , فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ , فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ , حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ , قَالَ: فَوَاللهِ مَا سَمِعُوا بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إلَى الشَّامِ إلَّا اعْتَرَضُوا لَهُمْ , فَقَتَلُوهُمْ , وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ , فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ تُنَاشِدُهُ اللهَ , وَالرَّحِمَ لَمَّا أَرْسَلَ إلَيْهِمْ , فَمَنْ أَتَاهُ , فَهُوَ آمِنٌ , فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِمْ , فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [الفتح: 24] حَتَّى بَلَغَ ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: 26] . وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللهِ , وَلَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ , وَحَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ قَالَ أَبُو جَعْفَرِ: وَكَانَ مَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَصْحَابِهِ مِنَ التَّنْعِيمِ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لِيَقْتُلُوهُمْ , وَأَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ كَانَ فِي ذَلِكَ ,
وَكَانَ مَا فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ مُضَافًا إلَى أَنَسٍ لِغَيْرِ حِكَايَةٍ مِنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ ذَلِكَ.
وَكَانَ مَا فِي حَدِيثِ الْمِسْوَرِ , وَمَرْوَانَ أَنَّ نُزُولَهَا كَانَ فِيمَا كَانَ مِنْ أَبِي بَصِيرٍ , وَأَبِي جَنْدَلٍ , وَمِمَّنْ لَحِقَ بِهِمَا مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ قُرَيْشٍ بِسِيفِ الْبَحْرِ فِي قَطْعِهِمْ مَا كَانَ يَمُرُّ بِهِمْ مِنْ عَيْرَاتِ قُرَيْشٍ , وَمِمَّا سِوَاهَا مِمَّا كَانَتْ مِيرَةً لَهُمْ , حَتَّى كَانَ مِنْ قُرَيْشٍ الَّذِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ سُؤَالُهُمْ رَسُولَ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ , وَمُنَاشَدَتُهُمْ إيَّاهُ بِاللهِ وَبِالرَّحِمِ لَمَّا أَرْسَلَ إلَيْهِمْ , فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ , وَأَنَّ إنْزَالَ اللهِ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي تَلَوْنَا كَانَ فِي ذَلِكَ , وَكَانَ كُلُّ وَجْهٍ مِمَّا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مُضَافًا إلَى رُوَاتِهِ لَا إلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَبَانَ بِذَلِكَ أَنْ لَا تَضَادَّ فِي وَاحِدٍ مِمَّا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ , وَأَنَّ التَّضَادَّ الَّذِي فِيهِمَا فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ كَانَ مِمَّنْ دُونَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ فِي نُزُولِهَا أَيْضًا شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ أَنَسٌ , وَأَنَّ نُزُولَهَا كَانَ فِيهِ
62 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ الْعِجْلِيُّ، عَنْ إيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ سَلَمَةَ قَالَ: جَاءَ عَمِّي بِرَجُلٍ مِنْ عَبَلَاتٍ وَبِفَرَسِهِ
مُجَفِّفًا فِي سَبْعِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى وَقَفَ بِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " دَعُوهُمْ تَكُونُ لَنَا الْيَدُ وَالْفَخَارُ " , فَعَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [الفتح: 24] الْآيَةَ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: ثُمَّ تَأَمَّلْنَا نَحْنُ مِنْ بَعْدُ مَا قَالُوهُ فِي ذَلِكَ , فَوَجَدْنَا فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلَوْنَا مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ أَنَسٌ فِي السَّبَبِ الَّذِي فِيهِ أُنْزِلَتْ لَا عَلَى مَا قَالَ مَرْوَانُ , وَالْمِسْوَرُ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ فِيهَا ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: 24] الْآيَةَ , وَكَانَ التَّنْعِيمُ مِنْ مَكَّةَ , وَكَانَ سِيفُ الْبَحْرِ لَيْسَ مِنْ بَطْنِ مَكَّةَ , وَكَانَ الَّذِي كَانَ فِي ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: الظَّفَرُ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ حَاوَلُوا مَا حَاوَلُوا مِنْ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ , وَمِنْ أَصْحَابِهِ , وَلَا ظَفَرَ فِي حَدِيثِ الْمِسْوَرِ , وَمَرْوَانَ.
وَمِنْ ذَلِكَ
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِمَّا يُحِيطُ عِلْمًا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ إلَّا بِأَخْذِهِ إيَّاهُ عَنْهُ إذْ كَانَ مِثْلُهُ لَا يُوجَدُ إلَّا عَنْهُ وَلَا مِمَّا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ , وَلَا مِنِ اسْتِنْبَاطٍ وَلَا مِنِ اسْتِخْرَاجٍ فِي التِّسْعِ الْآيَاتِ الَّتِي أُوتِيَهَا مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
63 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُسَدِّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ لِآخَرَ: اذْهَبْ بِنَا إلَى هَذَا النَّبِيِّ , فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: لَا تَقُلْ هَذَا النَّبِيَّ ; فَإِنَّهُ إنْ سَمِعَهَا كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ , فَانْطَلَقَا إلَيْهِ , فَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ , فَقَالَ: " تَعْبُدُوا اللهَ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا , وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بِالْحَقِّ , وَلَا تَزْنُوا , وَلَا تَسْرِقُوا , وَلَا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ , وَلَا تُسْحِرُوا , وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا , وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلَى سُلْطَانٍ , وَعَلَيْكُمْ يَهُودَ أَنْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ " فَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هَذَا الْحَرْفُ: نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ , لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَصْحَابِ شُعْبَةَ إلَّا يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ , فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ التِّسْعَ آيَاتٍ الَّتِي آتَاهَا اللهُ مُوسَى هِيَ التِّسْعُ الْآيَاتُ الْمَذْكُورَاتُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ , وَأَنَّهَا عِبَادَاتٌ لَا نِذَارَاتٌ , وَلَا تَخْوِيفَاتٌ , وَلَا وَعِيدَاتٌ.
وَمَا عَلِمْنَا أَحَدًا مِمَّنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شُعْبَةَ ضَبَطَ التِّسْعَ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَاتِ فِيهِ غَيْرَ يَحْيَى , وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قَدْ ضَبَطَهَا عَنْ شُعْبَةَ أَيْضًا بِضَبْطِ يَحْيَى إيَّاهَا عَنْهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ إدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ.
وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ
64 - مَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ إدْرِيسَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ صَفْوَانَ، قَالَ: قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إلَى هَذَا النَّبِيِّ , فَقَالَ صَاحِبُهُ: لَا تَقُلْ: نَبِيٌّ , لَوْ سَمِعَهَا كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ , فَأَتَيَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، فَقَالَ لَهُمْ: " لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا , وَلَا تَسْرِقُوا , وَلَا تَزْنُوا , وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بِالْحَقِّ , وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلَى سُلْطَانٍ , وَلَا تُسْحِرُوا , وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا , وَلَا تَقْذِفُوا الْمُحْصَنَةَ , وَلَا تَوَلَّوْا يَوْمَ الزَّحْفِ , وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً يَهُودُ أَنْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ " فَقَبَّلُوا يَدَيْهِ , وَرِجْلَيْهِ , وَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ قَالَ: " فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتَّبِعُونِي؟ " قَالُوا: إنَّ دَاوُدَ دَعَا أَنْ لَا يَزَالَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ , وَإِنَّا نَخَافُ إنْ تَبِعْنَاكَ أَنْ تَقْتُلَنَا يَهُودُ هَكَذَا حَدَّثَنَاهُ ابْنُ شُعَيْبٍ بِلَا شَكٍّ مِنْهُ فِيهِ , وَلَا مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ , وَلَا مِمَّنْ فَوْقَهُ مِنْ رُوَاتِهِ فِيهِ.
وَكَانَ مَا ظَنَّ هَذَا الظَّانُّ بِخِلَافِ مَا ظَنَّهُ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا ظَنَّ , لَكَانَ ابْنُ إدْرِيسَ قَدْ زَادَ عَلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِيهِ آيَةً أُخْرَى , فَصَارَ الَّذِي فِيهِ عَشْرُ آيَاتٍ , وَإِنَّمَا الَّذِي أَخْبَرَ اللهُ أَنَّهُ آتَاهُ مُوسَى مِنْهَا تِسْعُ آيَاتٍ لَا عَشْرُ آيَاتٍ.
وَلَكِنَّ حَقِيقَةَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ الَّتِي فِيهِ مِنْ عَبْدِ اللهِ عَلَى يَحْيَى إنَّمَا هِيَ أَنَّ شُعْبَةَ قَدْ كَانَ شَكَّ فِيهِ بِآخِرِهِ , فَلَمْ يَدْرِ: هَلْ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهِ التَّوَلِّي
يَوْمَ الزَّحْفِ , أَوْ قَذْفُ الْمُحْصَنَةِ , وَكَانَ يُحَدِّثُ بِهِ كَذَلِكَ إلَى أَنْ مَاتَ , وَكَانَ سَمَاعَ يَحْيَى إيَّاهُ مِنْهُ بِلَا شَكٍّ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا
65 - أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَتَّابِيَّ , أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ , وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ , وَأَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ قَدْ حَدَّثُونَا قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ، أَنَّ يَهُودِيًّا، قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ حَتَّى نَسْأَلَ هَذَا النَّبِيَّ فَقَالَ الْآخَرُ: لَا تَقُلْ لَهُ النَّبِيُّ فَإِنَّهُ إنْ سَمِعَهَا صَارَتْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، فَقَالَ: " لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَسْحَرُوا وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلَى سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ وَلَا تَقْذِفُوا الْمُحْصَنَةَ أَوْ تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً الْيَهُودَ أَنْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ " قَالَ: فَقَبَّلُوا يَدَهُ وَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ قَالَ: " فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتَّبِعُونِي " قَالُوا: إنَّ دَاوُدَ دَعَا أَنْ لَا يَزَالَ فِي ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ وَإِنَّا نَخْشَى إنِ اتَّبَعْنَاكَ أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ وَأَنَّ بَكَّارَ بْنَ قُتَيْبَةَ قَدْ حَدَّثَنَا , حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ صَاحِبُ الطَّيَالِسَةِ , حَدَّثَنَا شُعْبَةُ , ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي الْوَلِيدِ بِالشَّكِّ الَّذِي فِيهِ.
وَأَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ الرَّقِّيَّ حَدَّثَنَا قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ , وَزَادَ أَنَّ ذَلِكَ الشَّكَّ مِنْ شُعْبَةَ
فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ انْفِرَادَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ شُعْبَةَ خَالِيًا مِنَ الشَّكِّ فِيهِ دُونَ ابْنِ إدْرِيسَ وَدُونَ مَنْ سِوَاهُ مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ شُعْبَةَ مِمَّنْ ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ، فَهَذَا مَا وَجَدْنَاهُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ عَنْ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَالْمَوْضِعُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الشَّكُّ مِنْهَا هُوَ مَوْضِعٌ يَجِبُ أَنْ يُوقَفَ عَلَى الْفَائِدَةِ فِيهِ وَهُوَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ حُكْمَ اللهِ تَعَالَى كَانَ تَحْرِيمَ الْفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ مِمَّا تَعَبَّدَ بِهِ نَبِيُّهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمِمَّا لَمْ يَنْسَخْهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ مِنْ شَرِيعَةِ نَبِيِّنَا وَكَانَ فِي ذَلِكَ دَفْعٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: 16] الْآيَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ خَاصَّةً وَأَنَّ حُكْمَهُ لَيْسَ فِيمَا بَعْدَهُ.
فَأَمَّا مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِهَا وَفِي التِّسْعِ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَاتِ فِيهَا
فَإِنَّ يَحْيَى بْنَ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ الْحَرَّانِيُّ أَبُو صَالِحٍ , حَدَّثَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ , عَنْ خُصَيْفٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: 101] قَالَ: " الْيَدُ، وَالْعَصَا، وَالطُّوفَانُ، وَالْجَرَادُ، وَالْقُمَّلُ، وَالضَّفَادِعُ، وَالدَّمُ، وَالسُّنُون، وَنَقْصٌ مِنَ الثَّمَرَاتِ "
غَيْرَ أَنَّا تَأَمَّلْنَا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ مَوْلَاهُ فَوَجَدْنَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي حَدِيثِهِ فِي الْفُتُونِ
66 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا الْأَصْبَغُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى لِمُوسَى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: 40] فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْفُتُونِ، مَا هُوَ؟ قَالَ: " اسْتَأْنِفِ النَّهَارَ يَا ابْنَ جُبَيْرٍ فَإِنَّ لَهَا حَدِيثًا طَوِيلًا " فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ إلَيْهِ لِأَنْتَجِزَ مِنْهُ مَا وَعَدَنِي فَذَكَرَ عَنْهُ مَا ذَكَرَ عَنْهُ فِي حَدِيثِهِ إلَى أَنْ ذَكَرَ قَوْلَ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ: " أُرِيدُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ تَعَالَى وَتُرْسِلَ مَعِي بَنِي إسْرَائِيلَ وَأَنَّ فِرْعَوْنَ أَبَى عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ: ائْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ فَاغِرَةٌ فَاهَا قَاصِدَةٌ مُسْرِعَةٌ إلَى فِرْعَوْنَ فَلَمَّا رَآهَا فِرْعَوْنُ قَاصِدَةً إلَيْهِ خَافَهَا فَاقْتَحَمَ عَنْ سَرِيرِهِ وَاسْتَغَاثَ بِمُوسَى أَنْ يَكُفَّهَا عَنْهُ فَفَعَلَ , ثُمَّ أَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ جَيْبِهِ فَرَآهَا بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ , ثُمَّ رَدَّهَا فَعَادَتْ إلَى لَوْنِهَا الْأَوَّلِ " , ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ حَتَّى بَلَغَ " ذِكْرَ مُكْثِ مُوسَى لِمَوَاعِيدِ فِرْعَوْنَ الْكَاذِبَةِ كُلَّمَا جَاءَهُ بِآيَةٍ وَعَدَهُ عِنْدَهَا أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرَائِيلَ فَإِذَا