شرح مشكل الآثاربَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ فِعْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ فَدَّاهُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ فِعْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ فَدَّاهُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطحاوي
الكتاب
شرح مشكل الآثار
المؤلف
أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
الناشر
مؤسسة الرسالة
الطبعة
الأولى - 1415 هـ، 1494 م
عدد الأجزاء
16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

5618 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ لِأَحَدٍ فِدَاءَ أَبَوَيْهِ غَيْرِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ يَوْمَ أُحُدٍ يَقُولُ لَهُ: " ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي "

5619 - وَحَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَسُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ قَالَ لِأَبِيهِ: يَا أَبَهْ، لَقَدْ رَأَيْتُكَ، وَإِنَّكَ لَتَحْمِلُ عَلَى فَرَسِكَ الْأَشْقَرِ، فَقَالَ: هِيهِ، وَهَلْ رَأَيْتَنِي أَيْ بُنَيَّ؟ فَقَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ حِينَئِذٍ جَمَعَ لِأَبِيكَ أَبَوَيْهِ يَقُولُ: " احْمِلْ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي "

5620 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي الْأُطُمِ، فَكَانَ يُطَأْطِئُ لِي , وَأُطَأْطِئُ لَهُ، فَنَظَرَ إِلَى الْقِتَالِ، فَرَأَيْتُ أَبِي يَوْمَئِذٍ يَجُولُ فِي السَّبَخَةِ , يَكِرُّ عَلَى هَؤُلَاءِ مَرَّةً، وَيَكِرُّ عَلَى هَؤُلَاءِ مَرَّةً، فَقُلْتُ: قَدْ رَأَيْتُكَ تَجُولُ فِي السَّبَخَةِ , تَكِرُّ عَلَى هَؤُلَاءِ

مَرَّةً، وَتَكِرُّ عَلَى هَؤُلَاءِ مَرَّةً , قَالَ: " قَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَوْمَ أَبَوَيْهِ "

5621 - وَحَدَّثَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: " لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ "

5622 - وَحَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَحْوَهُ.
يَعْنِي مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي لَمْ يَتَجَاوَزْ بِهِ زِرٌّ، وَهُوَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدًا، فَجَعَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ يَرْكَبَانِ عَلَى ظَهْرِهِ , قَالَ: فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: " بِأَبِي أَنْتُمَا وَأُمِّي، مَنْ أَحَبَّنِي، فَلْيُحِبَّ هَذَيْنِ "

وَالَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ لِمَنْ قَالَ لَهُ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ، وَهُوَ: لَوْ أَقْدِرُ عَلَى أَنْ أَجْعَلَ أَبِي وَأُمِّي فِدَاءً لِمَنْ جَعَلْتَهُمَا فِدَاءً له لَفَعَلْتُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَدْ بَلَغَ مِنْ قَلْبِهِ نِهَايَةَ مَا يَبْلُغُ مِثْلُهُ مِنْهُ، وَيَكُونُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ لَهُ قَدْ عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ مِنْ قَلْبِهِ فِي نِهَايَةِ مَا يَكُونُ مِنْهُ مِثْلُهُ مِنْ قَلْبِ مِثْلِهِ، وَاللهُ الْمُوَفِّقُ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ لِلنَّاسِ بَعْدَمَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ: " سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، وَتَرَاصُّوا، إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِي "

5623 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ بَعْدَمَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ، فَقَالَ: " أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ , وَتَرَاصُّوا، إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي "

قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ تَقْبَلُونَ مِثْلَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ رَوَيْتُمْ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ قَوْلَهُ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرَةَ جَاءَ يَسْعَى وَهُوَ فِيهَا، وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ: " أَيُّكُمُ الَّذِي رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ؟ " قَالَ أَبُو بَكْرَةَ: فَقُلْتُ: أَنَا , قَالَ: " زَادَكَ اللهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ "، فَهَذَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ خَلْفَهُ مَا لَمْ يَرَهُ حَتَّى اسْتَعْلَمَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ رَوَيْتُمْ أَيْضًا، فَذَكَرَ

5624 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ بَعْدَ قِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَسْرَعَ الْمَشْيَ، فَانْتَهَى إِلَى الْقَوْمِ، وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فَقَالَ حِينَ انْتَهَى إِلَى الصَّفِّ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ قَالَ: " مَنِ الْمُتَكَلِّمُ، أَوِ الْقَائِلُ، الْكَلِمَاتِ؟ "، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَقَالَ مِثْلَهَا قَالَ: " مَنْ هُوَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ

بَأْسًا "، أَوْ قَالَ: " إِلَّا خَيْرًا "، فَقَالَ الرَّجُلُ: جِئْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَسْرَعْتُ الْمَشْيَ، وَقَدِ انْبَهَرْتُ أَوْ حَفَزَنِي النَّفَسُ، فَقُلْتُ الَّذِي قُلْتُ قَالَ: " لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا "، ثُمَّ قَالَ: " إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلْيَمْشِ عَلَى هِينَتِهِ، وَلْيُصَلِّ مَا أَدْرَكَ، وَلْيَقْضِ مَا سُبِقَ بِهِ " قَالَ: فَفِي هَذَا أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ قَائِلَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مَنْ هُوَ؟ حَتَّى اسْتَعْلَمَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا تَضَادٌّ شَدِيدٌ.
فَكَانَ جَوَابَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَدَأْنَا بِذِكْرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ: إِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِي بِعَيْنَيَّ , وَالرُّؤْيَةُ قَدْ تَكُونُ بِالْعَيْنِ، وَقَدْ تَكُونُ بِالْعِلْمِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: 143] ، أَيْ عَلِمْتُمُوهُ، وَإِنْ كُنْتُمْ لَمْ تُعَايِنُوهُ بِأَعْيُنِكُمْ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا حَكَاهُ عَنْ عَبْدِهِ وَنَبِيِّهِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ لِقَوْمِهِ: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ [هود: 84] وَشُعَيْبٌ قَدْ كَانَ أَعْمَى،

فَكَانَ ذَلِكَ لَهُ رُؤْيَةَ عِلْمٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ: أَنَّهُ قَدْ تَكُونُ الرُّؤْيَةُ بِالْعَيْنِ، وَقَدْ تَكُونُ الرُّؤْيَةُ رُؤْيَةَ عِلْمٍ، وَكَانَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِي "، أَيْ: لِمَا يُلْقِي اللهُ فِي قَلْبِهِ مَا هُمْ عَلَيْهِ فِي صَلَوَاتِهِمْ مِنَ الْخُشُوعِ فِيهَا , وَمَا سِوَاهُ مِمَّا يَكُونُونَ عَلَيْهِ فِيهَا خَلْفَهُ، فَبَانَ بِحَمْدِ اللهِ أَنْ لَا تَضَادَّ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَوَهَّمَهُ هَذَا الْمُتَوَهِّمُ أَنَّهُ تَضَادٌّ فِي آثَارِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

جارٍ التحميل