ليست الإمامة من واجبات الدين
(الوجه الخامس): قوله وهي أحد أركان الإيمان، المستحق بسببه الخلود في الجنان، فيقال له: من جعل هذا من الإيمان إلا أهل الجهل والبهتان؟ وسنتكلم إن شاء الله تعالى على ما ذكره من ذلك.
والله تعالى وصف المؤمنين وأحوالهم، والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم قد فسر الإيمان، وذكر شعبه، ولم يذكر الله ولا رسوله الإمامة، في أركان الإيمان ففي الحديث الصحيح حديث جبريل لما أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في صورة أعرابي، وسأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، قال له «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، قال والإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره» (١) ولم يذكر الإمامة.
(١) رواه مسلم ج١ ص٣٦ والبخاري في مواضع.
انظر ج١ ص١٥.
قال والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
وهذا الحديث متفق على صحته، متلقى بالقبول، أجمع أهل العلم بالنقل على صحته، وقد أخرجه أصحاب الصحيح من غير وجه، فهو من المتفق عليه من حديث أبي هريرة وفي أفراد مسلم من حديث عمر، وهم وإن كانوا لا يقرون بصحة هذه الأحاديث، فالمصنف قد احتج بأحاديث موضوعة كذب باتفاق أهل المعرفة.
فإما أن يحتج بما يقوم الدليل على صحته نحن وهم، أو لا يحتج بشيء من ذلك نحن ولا هم، فإن تركوا الرواية رأسا أمكن أن نترك الراوية.
أما إذا رووا هم فلا بد من معارضة الراوية بالرواية، والاعتماد على ما تقوم به الحجة، ونحن نبين الدلائل الدالة على كذب ما يعرضون به أهل السنة من الروايات الباطلة، والدلائل الدالة على صحة ما نقله أهل العلم بالحديث وصححوه.
وهب أنا لا نحتج بالحديث فقد قال الله تعالى: ﴿إ نما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم﴾ (١). فشهد لهؤلاء بالإيمان من غير ذكر للإمامة وقال تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون﴾ (٢). فجعلهم صادقين في الإيمان من غير ذكر للإمامة.
وأيضا فنحن نعلم بالاضطرار من دين محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن الناس كانوا إذا أسلموا لم يجعل إيمانهم موقوفا على معرفة الإمامة، ولم يذكر لهم شيئا من ذلك.
وما كان أحد أركان الإيمان لا بد أن يبينه الرسول لأهل الإيمان ليحصل لهم به الإيمان، فإذا علم بالاضطرار أن هذا مما لم يكن الرسول يشترطه في الإيمان، علم أن اشتراطه في الإيمان من أقوال البهتان.
فإن قيل هنا قد دخلت في عموم النص، أو هي من باب لا يتم الواجب إلا به، أو دل عليه نص آخر.
(١) الآيات ٢-٤ من سورة الأنفال.
(٢) الآية ١٥ من سورة الحجرات.
قيل هذا كله لو صح لكان غايته أن تكون من بعض فروع الدين، لا تكون من أركان الإيمان، فإن ركن الإيمان ما لا يحصل الإيمان إلا به كالشهادتين، فلا يكون الرجل مؤمنا حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فلو كانت الإمامة ركنا في الإيمان لا يتم إيمان أحد إلا به، لوجب أن يبينه الرسول بيانا عاما قاطعا للعذر كما بين الشهادتين، والإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، فكيف ونحن نعلم بالاضطرار من دينه أن الذين دخلوا في دينه أفواجا لم يشترط على أحد منهم في الإيمان بالإمامة، مطلقا ولا معينا.
(الوجه السادس): قوله قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.
فيقال له أولا من روى هذا الحديث بهذا اللفظ، وأين إسناده؟ وكيف يجوز أن يحتج بنقل عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من غير بيان الطريق الذي به يثبت أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قاله، هذا لو كان مجهول الحال عند أهل العلم بالحديث، فكيف وهذا الحديث بهذا اللفظ لا يعرف، إنما الحديث المعروف مثل روى مسلم في صحيحه عن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية، فقال اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال إني لم آتك لأجلس أتيتك لأحدثك حديثا سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقوله سمعته يقول «من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» (١). وهذا حديث حدث به عبد الله بن عمر لعبد الله بن مطيع بن الأسود لما خلعوا طاعة أمير وقتهم يزيد، مع أنه كان فيه من الظلم ما كان، ثم إنه اقتتل هو وهم وفعل بأهل الحرة أمورا منكرة، فعلم أن هذا الحديث دل على ما دل عليه سائر الأحاديث الآتية، من أنه لا يخرج على ولاة أمور المسلمين بالسيف، فإن لم يكن مطيعا لولاة الأمور مات ميتة جاهلية.
وهذا ضد قول الرافضة، فإنهم أعظم الناس مخالفة لولاة الأمور وأبعد الناس عن طاعتهم إلا كرها، ونحن نطالبهم أولا بصحة النقل ثم بتقدير أن يكون ناقله واحد، (١) رواه مسلم ج٣ ص ١٤٧٨.
فكيف يجوز أن يثبت أصل الإيمان بخبر مثل هذا الذي لا يعرف له ناقل، وإن عرف له ناقل أمكن خطؤه وكذبه، وهل يثبت أصل الإيمان إلا بطريق علمي.
(الوجه السابع): أن يقال إن كان هذا الحديث من كلام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فليس فيه حجة لهذا القائل، فإن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قد قال مات ميتة جاهلية.
وهذا الحديث يتناول من قاتل في العصبية، والرافضة رؤوس هؤلاء، ولكن لا يكفر المسلم بالاقتتال في العصبية، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، فكيف يكفر بما دون ذلك.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال.
قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات، مات ميتة جاهلية» (١). وهذا حال الرافضة، فإنهم يخرجون عن الطاعة ويفارقون الجماعة.
وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله - رضي الله عنه - ما عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه، فإن من خرج من السلطان شبرا، مات ميتة جاهلية» (٢). وهذه النصوص مع كونها صريحة في حال الرافضة فهي وأمثالها المعروفة عند أهل العلم لا بذلك اللفظ الذي نقله.
(الوجه الثامن): أن هذا الحديث الذي ذكره حجة على الرافضة، لأنهم لا يعرفون إمام زمانهم، فإنهم يدعون أنه الغائب المنتظر محمد بن الحسن، الذي دخل سرداب سامرا، سنة ستين ومائتين أو نحوهما ولم يعد، بل كان عمره إما سنتين، وإما ثلاثا، وإما خمسا أو نحو ذلك وله الآن على قولهم أكثر من أربعمائة سنة ولم ير له عين ولا أثر، ولا سمع له حس ولا خبر.
فليس فيهم أحد يعرفه لا بعينه، ولا صفته، لكن يقولون إن هذا الشخص الذي لم يره أحد، ولم يسمع له خبر هو إمام زمانهم، ومعلوم أن هذا ليس هو معرفة بالإمام، ونظير هذا أن يكون لرجل قريب من بني عمه في الدنيا ولا يعرف شيئا من أحواله، فهذا لا يعرف ابن عمه وكذلك المال الملتقط إذا عرف أن له مالكا ولم يعرف عينه لم يكن عارفا لصاحب (١) انظر مسلم ج٣ ص ١٤٧٦. (٢) انظر البخاري ج٩ ص ٤٧ ومسلم ج٣ ص ١٤٧٧.
اللقطة، بل هذا أعرف لأن هذا يمكن ترتيب بعض أحكام الملك والنسب عليه.
وأما في المنتظر فلا يعرف له حال ينتفع به في الإمامة، فإن معرفة الإمام التي تخرج الإنسان من الجاهلية، هي المعرفة التي يحصل بها طاعة وجماعة، خلاف ما كان عليه أهل الجاهلية، فإنهم لم يكن لهم إمام يجمعهم، ولا جماعة تعصمهم، والله تعالى بعث محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، وهداهم به إلى الطاعة والجماعة، وهذا المنتظر لا يحصل بمعرفته طاعة ولا جماعة، فلم يعرف معرفة تخرج الإنسان من الجاهلية، بل المنتسبون إليه أعظم الطوائف جاهلية، وأشبههم بالجاهلية، إن لم يدخلوا في طاعة غيرهم إما طاعة كافر أو طاعة مسلم، هو عندهم من الكفار أو النواصب لم ينتظم لهم مصلحة لكثرة اختلافهم، وافتراقهم وخروجهم عن الطاعة وهذا يبينه.
(الوجه التاسع): وهو أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أمر بطاعة الأئمة الموجودين، المعلومين الذين لهم سلطان يقدرون به على سياسة الناس، لا بطاعة معدوم ولا مجهول، ولا من ليس له سلطان ولا قدرة على شيء أصلا، كما أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالاجتماع والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، ولم يأمر بطاعة الأئمة مطلقا، بل أمر بطاعتهم في طاعة الله دون معصيته، وهذا يبين أن الأئمة الذين أمر بطاعتهم في طاعة الله ليسوا معصومين.
فإن قال أنا أردت بقولي إنها أهم المطالب في الدين وأشرف مسائل المسلمين التي تنازعت الأمة فيها بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وهذه هي مسألة الإمامة.
قيل له فلا لفظ فصيح، ولا معنى صحيح فإن ما ذكرته لا يدل على هذا المعنى، بل مفهوم اللفظ ومقتضاه أنها أهم المطالب في الدين مطلقا، وأشرف مسائل المسلمين مطلقا.
وبتقدير أن يكون هذا مرادك، فهو معنى باطل، فإن المسلمين تنازعوا بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، في مسائل أشرف من هذه.
وبتقدير أن تكون هي الأشرف، فالذي ذكرته فيها أبطل المذاهب، وأفسد الطالب، وذلك أن النزاع في الإمامة لم يظهر إلا في خلافة علي.
وأما على عهد الخلفاء الثلاثة فلم يظهر نزاع، إلا ما جرى يوم السقيفة، وما انفصلوا حتى اتفقوا، ومثل هذا لا يعد نزاعا، ولو قدر أن النزاع فيها كان عقب موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم
فليس كل ما تنوزع فيه عقب موته صلى الله تعالى عليه وسلم يكون أشرف مما تنوزع فيه بعد موته بدهر طويل.
وإذا كان كذلك فمعلوم أن مسائل التوحيد والصفات، والإثبات والتنزيه، والقدر، والتعديل، والتجويز والتحسين والتقبيح، أهم وأشرف من مسائل الإمامة، ومسائل الأسماء والأحكام والوعد والوعيد، والشفاعة والتخليد، أهم من مسائل الإمامة.
فإن كانت أهم مسائل الدين وهم لم ينتفعوا بالمقصود منها، فقد فاتهم من الدين أهمه وأشرفه، وحينئذ فلا ينتفعون بما حصل لهم من التوحيد، والعدل لأنه يكون ناقصا بالنسبة إلى مقصود الإمامة، فيستحقون العذاب.
كيف وهم يسلمون أن مقصود الإمامة في الفروع الشرعية، وأما الأصول العقلية فلا يحتاج فيها إلى الإمام، وتلك هي أهم وأشرف، ثم بعد هذا كله فقولكم في الإمامة من أبعد الأقوال عن الصواب، ولو لم يكن فيه إلا أنكم أوجبتم الإمامة، لما فيها من مصلحة الخلق، في دينهم ودنياهم، وإمامكم صاحب الوقت، لم يحصل لكم من جهته مصلحة، لا في الدين ولا في الدنيا.
فأي سعي أضل من سعي من يتعب التعب الطويل، ويكثر القال والقيل، ويفارق جماعة المسلمين، ويلعن السابقين والتابعين، ويعاون الكفار والمنافقين، ويحتال بأنواع الحيل، ويسلك ما أمكنه من السبل ويعتض بشهود الزور، ويدلي أتباعه بحبل الغرور، ويفعل ما يطول وصفه، ومقصوده بذلك أن يكون له إمام يدله على أمر الله ونهيه، ويعرفه ما يقربه إلى الله تعالى، ثم إنه لما علم اسم ذلك الإمام ونسبه لم يظفر بشيء من مطلوبه، ولا وصل إليه شيء من تعليمه وإرشاده، ولا أمره ولا نهيه، ولا حصل له من جهته منفعة، ولا مصلحة أصلا، إلا إذهاب نفسه وماله، وقطع الأسفار وطول الانتظار بالليل والنهار، ومعاداة الجمهور، لداخل في سرداب، ليس له عمل ولا خطاب.
ولو كان موجودا بيقين لما حصل به منفعة لهؤلاء المساكين، فكيف وعقلاء الناس يعلمون أن ليس معهم إلا الإفلاس، وأن الحسن بن علي العسكري لم ينسل ولم يعقب، كما ذكر ذلك محمد بن جرير الطبري، وعبد الباقي بن قانع، وغيرهما من أهل العلم بالنسب.
وهم يقولون أنه دخل في السرداب بعد موت أبيه، وعمره إما سنتان وإما ثلاث وإما
خمس، وإما نحو ذلك، ومثل هذا بنص القرآن يتيم، يجب أن يحفظ له ماله حتى يؤنس منه الرشد، ويحضنه من يستحق حضانته من قرابته، فإذا صار له سبع سنين أمر بالطهارة والصلاة.
فمن لا توضأ ولا صلى، وهو تحت حجر وليه في نفسه وماله بنص القرآن لو كان موجودا يشهده العيان، فما جاز أن يكون هو إمام أهل الإيمان، فكيف إذا كان معدوما أو مفقودا مع طول هذه الغيبة.
والمرأة إذا غاب وليها زوجها الحاكم أو الولي الحاضر، لئلا تفوت مصلحة الإمامة مع طول هذه المدة، مع هذا الإمام المفقود.