كتاب مختصر منهاج السنة(فصل)
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال الرافضي: «وأما قوله تعالى: ﴿قل للمخلفين من الأعراب﴾ (٥). فإنه أراد الذين تخلفوا عن الحديبية.
والتمس هؤلاء أن يخرجوا إلى غنيمة خيبر، فمنعهم الله تعالى (١) الآية ١٨ من سورة الليل.
(٢) الآية ١٩ من سورة الليل.
(٣) الآية ٨٦ من سورة سبأ.
(٤) الآية ٤٧ من سورة سبأ.
(٥) الآية ١٦ من سورة الفتح.

بقوله: ﴿«قل لن تتبعونا (﴾ (١)، لأنه تعالى جعل غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية.
ثم قال تعالى: ﴿«(قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد﴾ «٢). وقد دعاهم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى غزوات كثيرة كمؤتة وحنين وتبوك وغيرها، وكان الداعي رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -. وأيضا جاز أن يكون عليا قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، وكان رجوعهم إلى طاعته إسلاما، لقوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «يا علي حربك حربي، وحرب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كفر».
فالجواب: أما الاستدلال بهذه الآية على خلافة الصديق ووجوب طاعته، فقد استدل بها طائفة من أهل العلم، منهم الشافعي والأشعري وابن حزم وغيرهم.
واحتجوا بأن الله تعالى قال: ﴿(فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا (﴾ (٣) قالوا: فقد أمر الله رسوله أن يقول لهؤلاء: لن تخرجوا معي أبدا، ولن تقاتلوا معي عدوا، فعلم أن الداعي لهم إلى القتال ليس رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، فوجب أن يكون من بعده، وليس إلا أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، الذين دعوا الناس إلى قتال فارس والروم وغيرهم أو يسلمون، حيث قال: ﴿تقاتلونهم أو يسلمون﴾.
فوجه الاستدلال من الآية أن يقال قوله تعالى: ﴿(ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون (﴾ (٤) يدل على أنهم متصفون بأنهم أولو بأس شديد، وبأنهم يقاتلون أو يسلمون.
قالوا: فلا يجوز أن يكون دعاهم إلى قتال أهل مكة وهوازن عقيب عام الفتح، لأن هؤلاء هم الذين دعوا إليهم عام الحديبية، ومن لم يكن منهم فهو من جنسهم، ليس هو أشد بأسا منهم، كلهم عرب من أهل الحجاز، وقتالهم من جنس واحد، وأهل مكة ومن حولها كانوا أشد بأسا وقتالا للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وأصحابه يوم بدر وأحد والخندق من أولئك، وكذلك في غير ذلك من السرايا.
وما ذكره في الحديث من قوله «حربك حربي» لم يذكر له إسنادا، فلا يقوم به حجة، فكيف وهو كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث.
(١) الآية ١٥ من سورة الفتح.
(٢) الآية١٦ من سورة الفتح.
(٣) الآية٨٣ من سورة التوبة.
(٤) الآية١٦ من سورة الفتح.

وأما قول الرافضي: «إن الداعي جاز أن يكون عليا - دون من قبله من الخلفاء - لما قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين» يعني: أهل الجمل وصفين والحرورية والخوارج.
فيقال له: هذا باطل قطعا من وجوه: أحدها: أن هؤلاء لم يكونوا أشد بأسا من بني جنسهم، بل معلوم أن الذين قاتلوه يوم الجمل كانوا أقل من عسكره، وجيشه كانوا أكثر منهم.
وكذلك الخوارج كان جيشه أضعافهم، وكذلك أهل صفين كان جيشه أكثر منهم، وكانوا من جنسهم، فلم يكن في وصفهم بأنهم أولو بأس شديد ما يوجب امتيازهم عن غيرهم.
ومعلوم أن بني حنيفة وفارس والروم كانوا في القتال أشد بأسا من هؤلاء بكثير، ولم يحصل في أصحاب علي من الخوارج من استحرار القتل ما حصل في جيش الصديق، الذين قاتلوا أصحاب مسيلمة.
وأما فارس والروم فلا يشك عاقل أن قتالهم كان أشد من قتال المسلمين العرب بعضهم بعضا، وإن كان قتال العرب للكفار في أول الإسلام كان أفضل وأعظم، فذاك لقلة المؤمنين وضعفهم في أول الأمر، لا أن عدوهم كان أشد بأسا من فارس والروم.
الوجه الثاني: أن عليا لم يدع ناسا بعيدين منه إلى قتال أهل الجمل وقتال الخوارج، ولما قدم البصرة لم يكن في نيته قتال أحد، بل وقع القتال بغير اختيار منه ومن طلحة والزبير.
وأما الخوارج فكان بعض عسكره يكفيهم، لم يدع أحدا إليهم من أعراب الحجاز.
الثالث: أنه لو قدر أن عليا تجب طاعته في قتال هؤلاء، فمن الممتنع أن يأمر الله بطاعة من يقاتل أهل الصلاة لردهم إلى طاعة ولي الأمر، ولا يأمر بطاعة من يقاتل الكفار ليؤمنوا بالله ورسوله.
ومعلوم أن من خرج من طاعة علي ليس بأبعد عن الإيمان بالله ورسوله ممن كذب الرسول والقرآن، ولم يقر بشيء مما جاء به الرسول، بل هؤلاء أعظم ذنبا، ودعاؤهم إلى الإسلام أفضل، وقتالهم أفضل، وإن قدر أن الذين قاتلوا عليا كفار.
وإن قيل: هم مرتدون، كما تقوله الرافضة.
فمعلوم أن من كانت ردته إلى أن يؤمن

برسول آخر غير محمد، كأتباع مسيلمة الكذاب، فهو أعظم ردة ممن لم يقر بطاعة الإمام، مع إيمانه بالرسول.
فبكل حال لا يذكر ذنب لمن قاتله علي إلا وذنب من قاتله الثلاثة أعظم، ولا يذكر فضل ولا ثواب لمن قاتل مع علي إلا والفضل والثواب لمن قاتل مع الثلاثة أعظم.
هذا بتقدير أن يكون من قاتله علي كافرا.
ومعلوم أن هذا قول باطل، لا يقوله إلا حثالة الشيعة، وإلا فعقلاؤهم لا يقولون ذلك.
وقد علم بالتواتر عن علي وأهل بيته أنهم لم يكونوا يكفرون من قاتل عليا.
وهذا كله إذا سلم أن ذلك القتال كان مأمورا به.
كيف وقد عرف نزاع الصحابة والعلماء بعدهم في هذا القتال: هل كان من باب قتال البغاة الذي وجد في شرط وجوبه القتال فيه، أم لم يكن من ذلك لانتفاء الشرط الموجب للقتال؟! والذي عليه أكابر الصحابة والتابعين أن قتال الجمل وصفين لم يكن من القتال المأمور به، وأن تركه أفضل من الدخول فيه، بل عدوه قتال فتنة.
وعلى هذا جمهور أهل الحديث، وجمهور أئمة الفقهاء.
الوجه الرابع: أن الآية لا تتناول القتال مع علي قطعا لأنه قال: ﴿تقاتلونهم أو يسلمون﴾ فوصفهم بأنهم لا بد فيهم من أحد أمرين: المقاتلة، أو الإسلام، ومعلوم أن الذين دعا إليهم علي فيهم خلق لم يقاتلوه ألبتة، بل تركوا قتاله فلم يقاتلوه ولم يقاتلوا معه، فكانوا صنفا ثالثا: لا قاتلوه ولا قاتلوا معه ولا أطاعوه، وكلهم مسلمون، وقد دل على إسلامهم القرآن والسنة وإجماع الصحابة: علي وغيره.
قال تعالى: ﴿(وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ (١)، فوصفهم بالإيمان مع الاقتتال والبغي، وأخبر أنهم إخوة وأن الأخوة لا تكون إلا بين المؤمنين، لا بين مؤمن وكافر.
وأما تكفير هذا الرافضي وأمثاله لهم، وجعل رجوعهم إلى طاعة علي إسلاما، لقوله - صلى الله عليه وآله وسلم - فيما زعمه - يا علي حربك حربي.
(١) الآية٩ من سورة الحجرات.

فيقال: من العجائب وأعظم المصائب على هؤلاء المخذولين أن يثبتوا مثل هذا الأصل العظيم، بمثل هذا الحديث الذي لا يوجد في شيء من دواوين أهل الحديث التي يعتمدون عليها، لا هو في الصحاح ولا في السنن ولا المسانيد ولا الفوائد، ولا غير ذلك مما يتناقله أهل العلم بالحديث ويتداولونه بينهم، ولا هو عندهم لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف، بل هو أخس من ذلك، وهو من أظهر الموضوعات كذبا، فإنه خلاف المعلوم المتواتر من سنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: من أنه جعل الطائفتين مسلمين، وأنه جعل ترك القتال في تلك الفتنة خيرا من القتال فيها، وأنه أثنى على من أصلح به بين الطائفتين.

فصول الكتاب · 197 فصل · 535 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كتاب مختصر منهاج السنة · 535 صفحة
مقدمة الكتابالمقدمة(فصل)(فصل)متى سموا رافضة وكذا الزيديةذكر بعض حماقات الرافضة(فصل)شرك بعض الصوفية حتى في الربوبيةلا وجود لإلياس والخضرأصول الدين عند الإماميةتناقض الرافضة في الإمامة بين القول والتطبيقلا يحصل بمعرفة الإمام خير إن لم يعمل صالحاليست الإمامة من واجبات الدين(فصل)
(فصل)
(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)فصل(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)فصل(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)
جارٍ التحميل