قال الرافضي: «السادس: إن الإمامية لما رأوا فضائل أمير المؤمنين وكمالاته لا تحصى قد رواها المخالف والموافق، ورأوا الجمهور قد نقلوا عن غيره من الصحابة مطاعن كثيرة، ولم ينقلوا في علي طعنا ألبتة، اتبعوا قوله وجعلوه إماما لهم حيث نزهه المخالف والموافق، وتركوا غيره، حيث روى فيه من يعتقد إمامته من المطاعن ما يطعن في إمامته.
ونحن نذكر هنا شيئا يسيرا مما هو صحيح عندهم ونقلوه في المعتمد من قولهم وكتبهم، ليكون حجة عليهم يوم القيامة.
فمن ذلك ما رواه أبو الحسن الأندلسي في «الجمع بين الصحاح الستة» موطأ مالك وصحيحي البخاري ومسلم وسنن أبي داود وصحيح الترمذي وصحيح النسائي عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أن قوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ (١). أنزلت في بيتها وأنا جالسة عند الباب، فقلت: يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ فقال «إنك على خير إنك من أزواج النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -. قالت: وفي البيت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وعلي وفاطمة والحسن والحسين فجللهم بكساء، وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا».
والجواب أن يقال: إن الفضائل الثابتة في الأحاديث الصحيحة لأبي بكر وعمر أكثر (١) الآية ٣٣ من سورة الأحزاب.
وأعظم من الفضائل الثابتة لعلي، والأحاديث التي ذكرها هذا وذكر أنها في الصحيح عند الجمهور، وأنهم نقلوها في المعتمد من قولهم وكتبهم، وهو من أبين الكذب على علماء الجمهور؛ فإن هذه الأحادي التي ذكرها أكثرها كذب أو ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث، والصحيح الذي فيها ليس فيه ما يدل على إمامة علي ولا فضيلته على أبي بكر وعمر، بل وليست من خصائصه، بل هي من فضائل شاركه فيها غيره، بخلاف ما ثبت من فضائل أبي بكر وعمر؛ فإن كثيرا منها خصائص لهما، لا سيما فضائل أبي بكر، فإن عامتها خصائص لم يشركه فيها غيره.
وأما ما ذكره من المطاعن، فلا يمكن أن يوجه على الخلفاء الثلاثة من مطعن إلا وجه على علي ما هو مثله وأعظم منه.
فتبين أن ما ذكره في هذا الوجه من أعظم الباطل، ونحن نبين ذلك تفصيلا.
وأما قوله: «إنهم جعلوه إماما لهم حيث نزهه المخالف والموافق، وتركوا غيره حيث روى فيه من يعتقد إمامته من المطاعن ما يطعن في إمامته».
فيقال: هذا كذب بين؛ فإن عليا - رضي الله عنه - لم ينزهه المخالفون، بل القادحون في علي طوائف متعددة، وهم أفضل من القادحين في أبي بكر وعمر وعثمان، والقادحون فيه أفضل من الغلاة فيه، فإن الخوارج متفقون على كفره، وهم عند المسلمين كلهم خير من الغلاة الذين يعتقدون إلاهيته أو نبوته، بل هم - والذين قاتلوه من الصحابة والتابعين -خير عند جماهير المسلمين من الرافضة الاثني عشرية، الذين اعتقدوه إماما معصوما.
وأبو بكر وعمر وعثمان ليس في الأمة من يقدح فيهم إلا الرافضة، والخوارج المكفرون لعلي يوالون أبا بكر وعمر ويترضون عنهما، والمروانية الذين ينسبون عليا إلى الظلم، ويقولون: إنه لم يكن خليفة يوالون أبا بكر وعمر مع أنهما ليسا من أقاربهم، فكيف يقال مع هذا: إن عليا نزهه المؤالف والمخالف بخلاف الخلفاء الثلاثة؟ ومن المعلوم أن المنزهين لهؤلاء أعظم وأكثر وأفضل، وأن القادحين في علي -حتى بالكفر والفسوق والعصيان - طوائف معروفة، وهم أعلم من الرافضة وأدين، والرافضة عاجزون معهم علما ويدا، فلا يمكن الرافضة أن تقيم عليهم حجة تقطعهم بها، ولا كانوا
معهم في القتال منصورين عليهم.
والذين قدحوا في علي - رضي الله عنه - وجعلوه كافرا وظالما ليس فيهم طائفة معروفة بالردة عن الإسلام، بخلاف الذين يمدحونه ويقدحون في الثلاثة، كالغالية الذين يدعون إلاهيته من النصيرية وغيرهم، وكالإسماعيلية الملاحدة الذين هم شر من النصيرية، وكالغالية الذين يدعون نبوته؛ فإن هؤلاء كفار مرتدون، كفرهم بالله ورسوله ظاهر لا يخفى على عالم بدين الإسلام، فمن اعتقد في بشر الإلهية، أو اعتقد بعد محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - نبيا، أو أنه لم يكن نبيا بل كان علي هو النبي دونه وإنما غلط جبريل؛ فهذه المقالات ونحوها مما يظهر كفر أهلها لمن يعرف الإسلام أدنى معرفة.
بخلاف من يكفر عليا ويلعنه من الخوارج، وممن قاتله ولعنه من أصحاب معاوية وبني مروان وغيرهم؛ فإن هؤلاء مقرين بالإسلام وشرائعه: يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويصومون رمضان، ويحجون البيت العتيق، ويحرمون ما حرم الله ورسوله، وليس فيهم كفر ظاهر، بل شعائر الإسلام وشرائعه ظاهرة فيهم معظمة عندهم، وهذا أمر يعرفه كل من عرف أحوال الإسلام، فكيف يدعى مع هذا أن جميع المخالفين نزهوه دون الثلاثة؟