كتاب مختصر منهاج السنة(فصل)
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال الرافضي: الثالث: قوله: أنت منى بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي.
أثبت له «عليه السلام» جميع منازل هارون من موسى عليه السلام للاستثناء.
ومن جملة منازل هارون أنه كان خليفة لموسى، ولو عاش بعده لكان خليفة أيضا، وإلا لزم تطرق النقض إليه، ولأنه خليفته مع وجوده وغيبته مدة يسيرة، فبعد موته وطول مدة الغيبة، أولى بأن يكون خليفته».
والجواب: أن هذا الحديث ثبت في الصحيحين بلا ريب وغيرهما، وكان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال له ذلك في غزوة تبوك.
وكان - صلى الله عليه وآله وسلم - كلما سافر في غزوة أو عمرة أو حج يستخلف على المدينة بعض الصحابة، كما استخلف على المدينة في غزوة ذي أمر عثمان، وفي غزوة بني قينقاع بشير بن عبد المنذر، ولما غزا قريشا ووصل إلى الفرع استعمل ابن أم مكتوم، وذكر ذلك محمد بن سعد وغيره.
وبالجملة فمن المعلوم أنه كان لا يخرج من المدينة حتى يستخلف.
وقد ذكر المسلمون من كان يستخلفه، فقد سافر من المدينة في عمرتين: عمرة الحديبية وعمرة القضاء.
وفي حجة الوداع، وفي مغازيه - أكثر من عشرين غزاة - وفيها كلها استخلف، وكان يكون

بالمدينة رجال كثيرون يستخلف عليهم من يستخلفه، فلما كان في غزوة تبوك لم يأذن لأحد في التخلف عنها، وهي آخر مغازيه - صلى الله عليه وآله وسلم -، ولم يجتمع معه أحد كما اجتمع معه فيها، فلم يتخلف عنه إلا النساء والصبيان، أو من هو معذور لعجزه عن الخروج، أو هو منافق، وتخلف الثلاثة الذين تيب عليهم، ولم يكن في المدينة رجال من المؤمنين يستخلف عليهم، كما كان يستخلف عليهم في كل مرة، بل كان هذا الاستخلاف أضعف من الاستخلافات المعتادة منه.
وفي كل مرة يكون بالمدينة أفضل ممن بقي في غزوة تبوك، فكان كل استخلاف قبل هذه يكون علي أفضل ممن استخلف عليه عليا.
فلهذا خرج إليه علي رضي الله عنه يبكي، وقال: أتخلفني مع النساء والصبيان؟ ولم يكن هذا الاستخلاف كاستخلاف هارون، لأن العسكر كان مع هارون، وإنما ذهب موسى وحده.
وأما استخلاف النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فجميع العسكر كان معه، ولم يخلف بالمدينة - غير النساء والصبيان إلا معذور أو عاص.
وقول القائل: «هذا بمنزلة هذا، وهذا مثل هذا» هو كتشبيه الشيء بالشيء.
وتشبيه الشيء بالشيء يكون بحسب ما دل عليه السياق، لا يقتضي المساواة في كل شيء.
ألا ترى إلى ما ثبت في الصحيحين من قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في حديث الأسارى لما استشار أبا بكر، وأشار بالفداء، واستشار عمر، فأشار بالقتل.
قال: «سأخبركم عن صاحبيكم.
مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم إذ قال: ﴿فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ (١)، ومثل عيسى إذ قال: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ (٢). ومثلك يا عمر مثل نوح إذ قال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾ (٣)، ومثل موسى إذ قال: ﴿ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾ (٤) (٥). فقوله هذا: مثلك مثل إبراهيم وعيسى، ولهذا: مثل نوح وموسى - أعظم من قوله - أنت مني بمنزلة هارون من موسى؛ فإن نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى أعظم من (١) الآية ٣٦ من سورة إبراهيم.
(٢) الآية ١١٨ من سورة المائدة.
(٣) الآية ٢٦ من سورة نوح.
(٤) الآية ٨٨ من سورة يونس.
(٥) انظر صحيح مسلم ج٣ ص ١٣٨٣ - ١٣٨٥.

هارون، وقد جعل هذين مثلهم، ولم يرد أنهما مثلهم في كل شيء، لكن فيما دل عليه السياق من الشدة في الله واللين في الله.
وكذلك هنا إنما هو بمنزلة هارون فيما دل عليه السياق، وهو استخلافه في مغيبه، كما استخلف موسى هارون.
وهذا الاستخلاف ليس من خصائص علي، بل ولا هو مثل استخلافاته، فضلا عن أن يكون أفضل منها.
وأما إذا كان التخصيص لسبب يقتضيه، فلا يحتج به باتفاق الناس.
فهذا من ذلك؛ فإنه إنما خص عليا بالذكر لأنه خرج إليه يبكي ويشتكي تخليفه مع النساء والصبيان.
ومن استخلفه سوى علي، لما لم يتوهموا أن في الاستخلاف نقصا، لم يحتج أن يخبرهم بمثل هذا الكلام.
والتخصيص بالذكر إذا كان لسبب يقتضي ذاك لم يقتض الاختصاص بالحكم، فليس في الحديث دلالة على أن غيره لم يكن منه بمنزلة هارون من موسى.
وقول القائل: إنه جعله بمنزلة هارون في كل الأشياء إلا في النبوة باطل؛ فإن قوله: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟» دليل على أنه يسترضيه بذلك ويطيب قلبه لما توهم من وهن الاستخلاف ونقص درجته، فقال هذا على سبيل الجبر له.
وقوله: «بمنزلة هارون من موسى» أي مثل منزلة هارون، فإن نفس منزلته من موسى بعينها لا تكون لغيره، وإنما يكون له ما يشابهها، فصار هذا كقوله: هذا مثل هذا، وقوله عن أبي بكر: مثله مثل نوح وموسى.
ومما يبين ذلك أن هذا كان عام تبوك، ثم بعد رجوع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بعث أبا بكر أميرا على الموسم، وأردفه بعلي، فقال لعلي: أمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، فكان أبو بكر أميرا عليه،

وعلي معه كالمأمور مع أميره: يصلي خلفه، ويطيع أمره وينادي خلفه مع الناس بالموسم: ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
وأما قوله: «لأنه خليفته مع وجوده وغيبته مدة يسيرة، فبعد موته وطول مدة الغيبة أولى بأن يكون خليفته».
فالجواب: أنه مع وجوده وغيبته قد استخلف غير علي استخلافا أعظم من استخلاف علي، واستخلف أولئك على أفضل من الذين استخلف عليهم عليا، وقد استخلف بعد تبوك على المدينة غير علي في حجة الوداع، فليس جعل علي هو الخليفة بعده لكونه استخلفه على المدينة بأولى من هؤلاء الذين استخلفهم على المدينة كما استخلفه، وأعظم مما استخلفه، وآخر الاستخلاف كان على المدينة كان عام حجة الوداع، وكان علي باليمن، وشهد معه الموسم، لكن استخلف عليها في حجة الوداع غير علي.
فإن الأصل بقاء الاستخلاف، فبقاء من استخلفه في حجة الوداع أولى من بقاء استخلاف من استخلفه قبل ذلك.
وبالجملة فالاستخلافات على المدينة ليست من خصائص علي، ولا تدل على الأفضلية ولا على الإمامة، فقد استخلف عددا غيره.
ولكن هؤلاء جهال يجعلون الفضائل العامة المشتركة بين علي وغيره خاصة بعلي وإن كان غيره أكمل منه فيها، كما فعلوا في النصوص والوقائع.

فصول الكتاب · 197 فصل · 535 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كتاب مختصر منهاج السنة · 535 صفحة
مقدمة الكتابالمقدمة(فصل)(فصل)متى سموا رافضة وكذا الزيديةذكر بعض حماقات الرافضة(فصل)شرك بعض الصوفية حتى في الربوبيةلا وجود لإلياس والخضرأصول الدين عند الإماميةتناقض الرافضة في الإمامة بين القول والتطبيقلا يحصل بمعرفة الإمام خير إن لم يعمل صالحاليست الإمامة من واجبات الدين(فصل)
(فصل)
(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)فصل(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)فصل(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)
جارٍ التحميل