قال الرافضي: «الفصل الثالث: في الأدلة الدالة على إمامة أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب بعد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -. الأدلة في ذلك كثيرة لا تحصى، لكن نذكر المهم منها، وننظم أربعة مناهج: المنهج الأول: في الأدلة العقلية، وهي خمسة: الأول: أن الإمام يجب أن يكون معصوما، ومتى كان ذلك كان الإمام هو عليا عليه السلام.
أما المقدمة الأولى: فلأن الإنسان مدني بالطبع، لا يمكن أن يعيش منفردا، لافتقاره في بقائه إلى ما يأكل ويشرب ويلبس ويسكن، ولا يمكن أن يفعلها بنفسه، بل يفتقر إلى مساعدة غيره، بحيث يفزع كل واحد منهم إلى ما يحتاج إليه صاحبه، حتى يتم قيام النوع.
ولما كان الاجتماع في مظنة التغالب والتغابن، بأن كل واحد من الأشخاص قد يحتاج إلى ما في يد غيره، فتدعوه قوته الشهوانية إلى أخذه وقهره عليه وظلمه فيه، فيؤدي ذلك إلى وقوع الهرج والمرج وإثارة الفتن، فلا بد من نصب إمام معصوم يصدهم عن الظلم والتعدي، ويمنعهم عن التغالب والقهر، وينصف المظلوم من الظالم، ويوصل الحق إلى مستحقه، لا يجوز عليه الخطأ ولا السهو ولا المعصية، وإلا افتقر إلى إمام آخر، لأن العلة المحوجة إلى نصب الإمام هي جواز الخطأ على الأمة، فلو جاز الخطأ عليه لاحتاج إلى إمام آخر، فإن كان معصوما كان هو الإمام، وإلا لزم التسلسل.
أما المقدمة الثانية فظاهرة، لأن أبا بكر وعمر وعثمان لم يكونوا معصومين اتفاقا، وعلي
معصوم، فيكون هو الإمام».
والجواب عن ذلك: أن نقول: كلتا المقدمتين باطلة.
أما الأولى: فقوله: «ولا بد من نصب إمام معصوم يصدهم عن الظلم والتعدي، ويمنعهم عن التغالب والقهر، وينصف المظلوم من الظالم، ويوصل الحق إلى مستحقه، لا يجوز عليه الخطأ ولا السهو ولا المعصية».
فيقال له: نحن نقول بموجب هذا الدليل إن كان صحيحا، فإن الرسول هو المعصوم وطاعته واجبة في كل زمان على كل أحد.
وعلم الأمة بأمره ونهيه أتم من علم آحاد الرعية بأمر الإمام الغالب، كالمنتظر ونحوه، بأمره ونهيه.
فهذا رسول - صلى الله عليه وآله وسلم - إمام معصوم، والأمة تعرف أمره ونهيه، ومعصومهم ينتهي إلى الغائب المنتظر، الذي لو كان معصوما لم يعرف أحد لا أمره ولا نهيه، بل ولا كانت رعية علي تعرف أمره ونهيه، كما تعرف الأمة أمر نبيها ونهيه، بل عند أمة محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - من علم أمره ونهيه ما أغناهم عن كل إمام سواه، بحيث أنهم لا يحتاجون قط إلى المتولي عليهم في شيء من معرفة دينهم، ولا يحتاجون في العمل إلى ما يحتاجون فيه إلى التعاون.
وهم يعلمون أمره ونهيه أعظم من معرفة آحاد رعية المعصوم، ولو قدر وجوده بأمره.
فإنه لم يتول على الناس ظاهرا من ادعيت له العصمة إلا علي.
ونحن نعلم قطعا أنه كان في رعيته باليمن وخراسان وغيرهما من لا يدري بماذا أمر ولا عماذا نهى، بل نوابه كانوا يتصرفون بما لا يعرفه هو.
وأما الورثة الذين ورثوا علم محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - فهم يعرفون أمره ونهيه، ويصدقون في الإخبار عنه، أعظم من علم نواب علي بأمره ونهيه، ومن صدقهم في الإخبار عنه.
وهم إنما يريدون أنه لا بد من إمام معصوم حي.
فنقول: هذا الكلام باطل من وجوه: أحدها: أن هذا الإمام الموصوف لم يوجد بهذه الصفة.
أما في زماننا فلا يعرف إمام معروف يدعى فيه هذا، ولا يدعي لنفسه، بل مفقود غائب عند متبعيه، ومعدوم لا حقيقة له عند العقلاء.
ومثل هذا لا يحصل به شيء من مقاصد الإمامة أصلا، بل من ولي على الناس، ولو كان فيه بعض الجهل وبعض الظلم، كان أنفع لهم ممن لا ينفعهم بوجه من الوجوه.
وهؤلاء المنتسبون إلى الإمام المعصوم لا يوجدون مستعينين في أمورهم إلا بغيره، بل هم ينتسبون إلى المعصوم، وإنما يستعينون بكفور أو ظلوم.
فإذا كان المصدقون لهذا المعصوم المنتظر لم ينتفع به أحد منهم لا في دينه ولا في دنياه، لم يحصل لأحد به شيء من مقاصد الإمامة.
وإذا كان المقصود لا يحصل منه شيء، لم يكن بنا حاجة إلى إثبات الوسيلة لأن الوسائل لا تراد إلا لمقاصدها.
فإذا جزمنا بانتفاء المقاصد كان الكلام في الوسيلة من السعي الفاسد، وكان هذا بمنزلة من يقول: الناس يحتاجون إلى من يطعمهم ويسقيهم، وينبغي أن يكون الطعام صفته كذا، والشراب صفته كذا، وهذا عند الطائفة الفلانية، وتلك الطائفة قد علم أنها من أفقر الناس، وأنهم معروفون بالإفلاس.
وأي فائدة في طلب ما يعلم عدمه، واتباع ما لا ينتفع به أصلا؟ والإمام يحتاج إليه في شيئين.
إما في العلم لتبليغه وتعليمه، وإما في العمل به ليعين الناس عل ذلك بقوته وسلطانه.
وهذا المنتظر لا ينتفع لا بهذا ولا بهذا.
بل ما عندهم من العلم فهو من كلام من قبله، ومن العمل، إن كان مما يوافقهم عليه المسلمون استعانوا بهم، وإلا استعانوا بالكفار والملاحدة ونحوهم، فهم أعجز الناس في العمل، وأجهل الناس في العلم، مع دعوهم ائتمامهم بالمعصوم، الذي مقصوده العلم والقدرة، ولم يحصل لهم لا علم ولا قدرة، فعلم انتفاء هذا مما يدعونه.
وأيضا فالأئمة الاثنا عشر لم يحصل لأحد من الأمة بأحد منهم جميع مقاصد الإمامة.
أما من دون علي فإنما كان يحصل للناس من علمه ودينه مثل ما يحصل من نظرائه.
وكان علي بن الحسين، وابنه جعفر بن محمد يعلمون الناس ما علمهم الله، كما علمه علماء زمانهم، وكان في زمنهم من هو أعلم منهم وأنفع للأمة.
وهذا معروف عند أهل العلم.
ولو قدر أنهم كانوا أعلم وأدين، فلم يحصل من أهل العلم والدين ما يحصل من ذوي الولاية والقوة والسلطان، وإلزام الناس بالحق، ومنعهم باليد عن الباطل.
وأما بعد الثلاثة كالعسكريين، فهؤلاء لم يظهر عليهم علم تستفيده الأمة، ولا كان لهم يد تستعين بها الأمة، بل كانوا كأمثالهم من الهاشميين لهم حرمة ومكانة، وفيهم من معرفة ما يحتاجون إليه في الإسلام والدين ما في أمثالهم، وهو ما يعرفه كثير من عوام المسلمين.
وأما ما يختص به أهل العلم، فهذا لم يعرف عنهم.
ولهذا لم يأخذ عنهم أهل العلم، كما أخذوا عن أولئك الثلاثة.
ولو وجدوا ما يستفاد لأخذوا، ولكن طالب العلم يعرف مقصوده.
وإذا كان للإنسان نسب شريف، كان ذلك مما يعينه على قبول الناس منه.
ألا ترى أن ابن عباس لما كان كثير العلم عرفت الأمة له ذلك، واستفادت منه، وشاع ذكره بذلك في الخاصة والعامة.
وكذلك الشافعي لما كان عنده من العلم والفقه ما يستفاد منه، عرف المسلمون له ذلك، واستفادوا ذلك منه، وظهر ذكره بالعلم والفقه.
ولكن إذا لم يجد الإنسان مقصوده في محل لم يطلبه منه.
ألا ترى أنه لو قيل عن أحد: إنه طبيب أو نحوي، وعظم حتى جاء إليه الأطباء أو النحاة، فوجدوه لا يعرف من الطب والنحو ما يطلبون، أعرضوا عنه، ولم ينفعه دعوى الجهال وتعظيمهم؟ وهؤلاء الإمامية أخذوا عن المعتزلة أن الله يجب عليه الإقدار والتمكين واللطف، بما يكون المكلف عنده أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، مع تمكنه في الحالين.
ثم قالوا: والإمامة واجبة، وهي أوجب عندهم من النبوة، لأن بها لطفا في التكاليف.
قالوا: إنا نعلم يقينا بالعادات واستمرار الأوقات أن الجماعة متى كان لهم رئيس مهيب مطاع متصرف منبسط اليد كانوا بوجوده أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإذا لم يكن لهم رئيس وقع الهرج والمرج بينهم، وكانوا عن الصلاح أبعد، ومن الفساد أقرب.
وهذه الحال مشعرة بقضية العقل معلومة لا ينكرها إلا من جهل العادات، ولم يعلم استمرار القاعدة المستمرة في العقل.
قالوا: وإذا كان هذا لطفا في التكليف لزم وجوبه.
ثم ذكروا صفاته من العصمة وغيرها.
ثم أورد طائفة منهم على أنفسهم سؤالا، فقالوا: إذا قلتم: إن الإمام لطف، وهو غائب
عنكم، فأين اللطف الحاصل مع غيبته؟ وإذا لم يكن لطفه حاصلا مع الغيبة، وجاز التكليف، بطل أن يكون الإمام لطفا في الدين.
وحينئذ يفسد القول بإمامة المعصوم.
وقالوا في الجواب عن هذا السؤال: إنا نقول: إن لطف الإمام حاصل في حالة الغيبة للعارفين به في حال الظهور.
وإنما فات اللطف لمن لم يقل بإمامته.
كما أن لطف المعرفة لم يحصل لمن لم يعرف الله تعالى، وحصل لمن كان عارفا به.
قالوا: وهذا يسقط هذا السؤال، ويوجب القول بإمامة المعصومين.
فقيل لهم: لو كان اللطف حاصلا في حال الغيبة كحال الظهور، لوجب أن يستغنوا عن ظهوره، ويتبعوه إلى أن يموتوا.
وهذا خلاف ما يذهبون إليه.
فأجابوا بأنا نقول: إن اللطف في غيبته عند العارف به من باب التنفير والتبعيد عن القبائح مثل حال الظهور، ولكن نوجب ظهوره لشيء غير ذلك، وهو رفع أيدي المتغلبين عن المؤمنين، وأخذ الأموال ووضعها في مواضعها من أيدي الجبابرة، ورفع ممالك الظلم التي لا يمكننا رفعها إلا بطريقه، وجهاد الكفار الذي لا يمكن إلا مع ظهوره.
فيقال لهم: هذا كلام ظاهر البطلان.
وذلك أن الإمام الذي جعلتموه لطفا، هو ما شهدت به العقول والعادات، وهو ما ذكرتموه.
قلتم: إن الجماعة متى كان لهم رئيس مهيب مطاع متصرف منبسط اليد، كانوا بوجوده أقرب إلى الصلاح، وأبد عن الفساد، واشترطتم فيه العصمة.
قلتم: لأن مقصود الانزجار لا يحصل إلا بها.
ومن المعلوم أن الموجودين الذين كانوا قبل المنتظر، لم يكن أحد منهم بهذه الصفة: لم يكن أحد منهم منبسط اليد ولا متصرفا.
وعلي رضي الله عنه تولى الخلافة، ولم يكن تصرفه وانبساطه تصرف من قبله وانبساطهم.
وأما الباقون فلم تكن أيديهم منبسطة ولا متصرفون، بل كان يحصل بأحدهم ما يحصل بنظرائه.
وأما الغائب فلم يحصل به شيء، فإن المعترف بوجوده إذا عرف أنه غاب من أكثر من أربعمائة سنة وستين سنة، وأنه خائف لا يمكنه الظهور، فضلا عن إقامة الحدود، ولا يمكنه أن يأمر أحدا ولا ينهاه - لم يزل الهرج والفساد بهذا.
ولهذا يوجد طوائف الرافضة أكثر الطوائف هرجا وفسادا، واختلافا بالألسن
والأيدي، ويوجد من الاقتتال والاختلاف وظلم بعضهم لبعض، ما لا يوجد فيمن لهم متول كافر، فضلا عن متول مسلم، فأي لطف حصل لمتبعيه به؟ وأما قولهم إن اللطف به يحصل للعارفين به، كما يحصل في حال الظهور، فهذه مكابرة ظاهرة؛ فإنه إذا ظهر حصل به من إقامة الحدود والوعظ وغير ذلك، ما يوجب أن يكون في ذلك لطف لا يحصل مع عدم الظهور.
وتشبيههم معرفته بمعرفة الله في باب اللطف، وأن اللطف به يحصل للعارف دون غيره، قياس فاسد.
فإن المعرفة بأن الله موجود حي قادر، يأمر بالطاعة ويثيب عليا، وينهى عن المعصية ويعاقب عليها، من أعظم الأسباب في الرغبة والرهبة منه، فتكون هذه المعرفة داعية إلى الرغبة في ثوابه، بفعل المأمور وترك المحظور، والرهبة من عقابه إذا عصى، لعلم العبد بأنه عالم قادر، وأنه قد جرت سنته بإثابة المطيعين وعقوبة العاصين.
وأما شخص يعرف الناس أنه مفقود من أكثر من أربعمائة سنة، وأنه لم يعاقب أحدا، وأنه لم يثب أحدا، بل هو خائف على نفسه إذا ظهر، فضلا عن أن يأمر وينهى، فكيف تكون المعرفة به داعية إلى فعل ما أمر وترك ما حظر، بل المعرفة بعجزه وخوفه توجب الإقدام على فعل القبائح، لا سيما مع طول الزمان وتوالي الأوقات وقتا بعد وقت، وهو لم يعاقب أحدا ولم يثب أحدا.
بل لو قدر أنه يظهر في كل مائة سنة مرة فيعاقب، لم يكن ما يحصل به من اللطف مثل ما يحصل بآحاد ولاة الأمر، بل لو قيل: إنه يظهر في كل عشر سنين، بل ولو ظهر في السنة مرة، فإنه لا تكون منفعته كمنفعة ولاة الأمور الظاهرين للناس في كل وقت، بل هؤلاء - مع ذنوبهم وظلمهم في بعض الأمور - شرع الله بهم، وما يفعلونه من العقوبات، وما يبذلونه من الرغبات في الطاعات، أضعاف ما يقام بمن يظهر بعد كل مدة، فضلا عمن هو مفقود، يعلم جمهور العقلاء أنه لا وجود له، والمقرون به يعلمون أنه عاجز خائف لم يفعل قط ما يفعله آحاد الناس، فضلا عن ولاة أمرهم.
وأي هيبة لهذا؟ وأي طاعة، وأي تصرف، وأي يد منبسطة؟ حتى إذا كان للناس رئيس مهيب مطاع متصرف منبسط اليد، كانوا أقرب إلى الصلاح بوجوده.
ومن تدبر هذا علم أن هؤلاء القوم في غاية الجهل والمكابرة والسفسطة، حيث جعلوا اللطف به في حال عجزه وغيبته، مثل اللطف به في حال ظهوره، وأن المعرفة به مع عجزه وخوفه وفقده لطف، كما لو كان ظاهرا قادرا آمنا، وأن مجرد هذه المعرفة لطف، كما أن معرفة الله لطف.
الوجه الثاني: أن يقال: قولكم: لا بد من نصب إمام معصوم يفعل هذه الأمور.
أتريدون أنه لا بد أن يخلق الله ويقيم من يكون متصفا بهذه الصفات؟ أم يجب على الناس أن يبايعوا من يكون كذلك؟ فإن أردتم الأول، فالله لم يخلق أحدا متصفا بهذه الصفات؛ فإن غاية ما عندكم أن تقولوا: إن عليا كان معصوما لكن الله لم يمكنه ولو يؤيده، لا بنفسه، ولا بجند خلقهم له حتى يفعل ما ذكرتموه.
بل أنتم تقولون: إنه كان عاجزا مقهورا مظلوما في زمن الثلاثة، ولما صار له جند، قام له جند آخرون قاتلوه، حتى لم يتمكن أن يفعل ما فعل الذين كانوا قبله، الذين هم عندكم ظلمة.
فيكون الله قد أيد أولئك الذين كانوا قبله، حتى تمكنوا من فعل ما فعلوه من المصالح، ولم يؤيده حتى يفعل ذلك.
وحينئذ فما خلق الله هذا المعصوم المؤيد الذي اقترحتموه على الله.
وإن قلتم: إن الناس يجب عليهم أن يبايعوه ويعاونوه.
قلنا: أيضا فالناس لم يفعلوا ذلك، سواء كانوا مطيعين أو عصاة.
وعلى كل تقدير فما حصل لأحد من المعصومين عندكم تأييد، لا من الله ولا من الناس.
وهذه المصالح التي ذكرتموها لا تحصل إلا بتأييد، فإذا لم يحصل ذلك لم يحصل ما به تحصل المصالح، بل حصل أسباب ذلك، وذلك لا يفيد المقصود.
الوجه الثالث: أن يقال: إذا كان لم يحصل مجموع ما به تحصل هذه المطالب، بل فات كثير من شروطها، فلم لا يجوز أن يكون الفائت هو العصمة؟ وإذا كان المقصود فائتا: إما بعدم العصمة، وإما بعجز المعصوم، فلا فرق بين عدمها بهذا أو بهذا، فمن أين يعلم بدليل
العقل أنه يجب على الله أن يخلق إماما معصوما؟ وهو إنما يخلقه ليحصل به مصالح عباده، وقد خلقه عاجزا لا يقدر على تلك المصالح، بل حصل به من الفساد ما لم يحصل إلا بوجوده.
وهذا يتبين بالوجه الرابع: وهو أنه لو لم يخلق هذا المعصوم، لم يكن يجري في الدنيا من الشر أكثر مما جرى، إذا كان وجوده لم يدفع شيئا من الشر، حتى يقال: وجوده دفع كذا.
بل وجوده أوجب أن كذب به الجمهور، وعادوا شيعته، وظلموه وظلموا أصحابه، وحصل من الشرور التي لا يعلمها إلا الله، بتقدير أن يكون معصوما.
فإنه بتقدير أن لا يكون علي رضي الله عنه معصوما، ولا بقية الاثني عشر ونحوهم، لا يكون ما وقع من تولية الثلاثة، وبني أمية، وبني العباس، فيه من الظلم والشر ما فيه، بتقدير كونهم أئمة معصومين.
وبتقدير كونهم معصومين فما أزالوا من الشر إلا ما يزيله من ليس بمعصوم، فصار كونهم معصومين إنما حصل به الشر لا الخير.
فكيف يجوز على الحكيم أن يخلق شيئا ليحصل به الخير، وهو لم يحصل به إلا الشر لا الخير؟ وإذا قيل: هذا الشر حصل من ظلم الناس له.
قيل: فالحكيم الذي خلقه إذا كان خلقه لدفع ظلمهم، وهو يعلم أنه إذا خلقه زاد ظلمهم، لم يكن خلقه حكمة بل سفها، وصار هذا كتسليم إنسان ولده إلى من يأمره بإصلاحه، وهو يعلم أنه لا يطيعه بل يفسده.
فهل يفعل هذا حكيم؟ الوجه الخامس: إذا كان الإنسان مدينا بالطبع، وإنما وجب نصب المعصوم ليزيل الظلم والشر عن أهل المدينة، فهل تقولون: إنه لم يزل في كل مدينة خلقها الله تعالى معصوم يدفع ظلم الناس أم لا؟ فإن قلتم بالأول، كان هذا مكابرة ظاهرة.
فهل في بلاد الكفار من المشركين وأهل الكتاب معصوم؟ وهل كان في الشام عند معاوية معصوم؟ وإن قلتم: بل نقول: هو في كل مدينة واحد، وله نواب في سائر المدائن.
قيل: فكل معصوم له نواب في جميع مدائن الأرض أم في بعضها؟
فإن قلتم: في الجميع، كان هذا مكابرة.
وإن قلتم: في البعض دون البعض.
قيل: فما الفرق إذا كان ما ذكرتموه واجبا على الله، وجميع المدائن حاجتهم إلى المعصوم واحدة؟ الوجه السادس: أن يقال: هذا المعصوم يكون وحده معصوما؟ أو كل من نوابه معصوما؟ وهم لا يقولون بالثاني، والقول به مكابرة.
فإن نواب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يكونوا معصومين، ولا نواب علي، بل كان في بعضهم من الشر والمعصية ما لم يكن مثله في نواب معاوية لأميرهم، فأين العصمة؟ وإن قلت: يشترط فيه وحده.
قيل: فالبلاد الغائبة عن الإمام، لا سيما إذا لم يكن المعصوم قادرا على قهر نوابه بل هو عاجز، ماذا ينتفعون بعصمة الإمام، وهم يصلون خلف غير معصوم، ويحكم بينهم غير معصوم، ويطيعون غير معصوم، ويأخذ أموالهم غير معصوم؟ فإن قيل: الأمور ترجع إلى المعصومين.
قيل: لو كان المعصوم قادرا ذا سلطان، كما كان عمر وعثمان ومعاوية وغيرهم، لم يتمكن أن يوصل إلى كل من رعيته العدل الواجب الذي يعلمه هو.
وغاية ما يقدر عليه أن يولي أفضل من يقدر عليه، لكن إذا لم يجد إلا عاجزا أو ظالما، فكيف يمكنه تولية قادر عادل؟ فإن قالوا: إذا لم يخلق الله إلا هذا سقط عنه التكليف.
قيل: فإذا لم يجب على الله أن يخلق قادرا عادلا مطلقا، بل أوجب على الإمام أن يفعل ما يقدر عليه، فكذلك الناس عليهم أن يولوا أصلح من خلقه الله تعالى، وإن كان فيه نقص: إما من قدرته، وإما من عدله.
وقد كان عمر رضي الله عنه يقول: «اللهم إليك أشكو جلد الفاجر وعجز الثقة»، وما ساس العالم أحد مثل عمر، فكيف الظن بغيره؟ هذا إذا كان المتولي نفسه قادرا عادلا، فكيف إذا كان المعصوم عاجزا؟ ومن الذي يلزمها بطاعته حتى تطيعه؟ وإذا أظهر بعض نوابه طاعته حتى يوليه، ثم أخذ ما شاء من الأموال،
وسكن في مدائن الملوك، فأي حيلة للمعصوم فيه؟ فعلم أن المعصوم الواحد لا يحصل به المقصود، إذا كان ذا سلطان، فكيف إذا كان عاجزا مقهورا؟ فكيف إذا كان مفقودا غائبا لا يمكنه مخاطبة أحد؟ فكيف إذا كان معدوما لا حقيقة له؟ الوجه السابع: أن يقال: صد غيره عن الظلم، وإنصاف المظلوم منه، وإيصال حق غيره إليه فرع على منع ظلمه، واستيفاء حقه.
فإذا كان عاجزا مقهورا لا يمكنه دفع الظلم عن نفسه، ولا استيفاء حقه من ولاية ومال، ولا حق امرأته من ميراثها، فأي ظلم يدفع؟ وأي حق يوصل؟ فكيف إذا كان معدوما أو خائفا لا يمكنه أن يظهر في قرية أو مدينة خوفا من الظالمين أن يقتلوه، وهو دائما على هذا الحال أكثر من أربعمائة وستين سنة، والأرض مملوءة من الظلم والفساد، وهو لا يقدر أن يعرف بنفسه، فكيف يدفع الظلم عن الخلق، أو يوصل الحق إلى المستحق؟ وما أخلق هؤلاء بقوله تعالى: ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا﴾ (١) ! الوجه الثامن: أن يقال: حاجة الإنسان إلى تدبير بدنه بنفسه، أعظم من حاجة المدينة إلى رئيسها.
وإذا كان الله تعالى لم يخلق نفس الإنسان معصومة، فكيف يجب عليه أن يخلق رئيسا معصوما؟ مع أن الإنسان يمكنه أن يكفر بباطنه، ويعصي بباطنه، وينفرد بأمور كثيرة من الظلم والفساد، والمعصوم لا يعلمها، وإن علمها لا يقدر على إزالتها، فإذا لم يجب هذا فكيف يجب ذاك؟ الوجه التاسع: أن يقال: هل المطلوب من الأئمة أن يكون الصلاح بهم أكثر من الفساد، وأن يكون الإنسان معهم أقرب إلى المصلحة وأبعد عن المفسدة، مما لو عدموا ولم يقم مقامهم؟ أم المقصود بهم وجود صلاح لا فساد معه؟ أم مقدار معين من الصلاح؟ فإذا كان الأول، فهذا المقصود حاصل لغالب ولاة الأمور.
وقد حصل هذا المقصود على عهد أبي بكر وعمر وعثمان، أعظم مما حصل على عهد علي.
وهو حاصل بخلفاء بني أمية وبني العباس، أعظم مما هو حاصل بالاثنى عشر.
وهذا حاصل بملوك الروم والترك (١) الآية ٤٤ من سورة الفرقان.
والهند، أكثر مما هو حاصل بالمنتظر الملقب صاحب الزمان، فإنه ما من أمير يتولى ثم يقدر عدمه بلا نظير، إلا كان الفساد في عدمه أعظم من الفساد في وجوده، لكن قد يكون الصلاح في غيره أكثر منه، كما قد قيل: «ستون سنة مع إمام جائر خير من ليلة واحدة بلا إمام».
وإن قيل: بل المطلوب وجود صلاح لا فساد معه.
قيل: فهذا لم يقع، ولم يخلق الله ذلك، ولا خلق أسبابا توجب ذلك لا محالة.
فمن أوجب ذلك، وأوجب ملزوماته على الله، كان إما مكابرا لعقله، وإما ذاما لربه.
وخلق ما يمكن معه وجود ذلك، لا يحصل به ذلك، إن لم يخلق ما يكون به ذلك.
ومثل هذا يقال في أفعال العباد، لكن القول في المعصوم أشد، لأن مصلحته تتوقف على أسباب خارجة عن قدرته، بل عن قدرة الله عند هؤلاء.
الذين هم معتزلة رافضة، فإيجاب ذلك على الله أفسد من إيجاب خلق مصلحة كل عبد له.
الوجه العاشر: أن يقال: قوله: «لو لم يكن الإمام معصوما لافتقر إلى إمام آخر، لأن العلة المحوجة إلى إمام هي جواز الخطأ على الأمة، فلو جاز الخطأ عليه لاحتاج إلى إمام آخر».
فيقال له: لم لا يجوز أن يكون إذا أخطأ الإمام كان في الأمة من ينبهه على الخطأ، بحيث لا يحصل اتفاق المجموع على الخطأ، لكن إذا أخطأ بعض الأمة، نبهه الإمام أو نائبه أو غيره، وإن أخطأ الإمام أو نائبه نبهه آخر كذلك، وتكون العصمة ثابتة للمجموع، لا لكل واحد من الأفراد، كما يقوله أهل الجماعة؟ وهذا كما أن كل واحد من أهل خبر التواتر يجوز عليه الخطأ، وربما جاز عليه تعمد الكذب، لكن المجموع لا يجوز عليهم ذلك في العادة.
وكذلك الناظرون إلى الهلال أو غيره من الأشياء الدقيقة، قد يجوز الغلط على الواحد منهم، ولا يجوز على العدد الكثير.
وكذلك الناظرون في الحساب والهندسة، ويجوز على الواحد منهم الغلط في مسألة أو مسألتين، فأما إذا كثر أهل المعرفة بذلك، امتنع في العادة غلطهم.
ومن المعلوم أن ثبوت العصمة لقوم اتفقت كلمتهم، أقرب إلى العقل والوجود من
ثبوتها لواحد.
فإن كانت العصمة لا تمكن للعدد الكثير، في حال اجتماعهم على الشيء المعين، فأن لا تمكن للواحد أولى.
وإن أمكنت للواحد مفردا، فلأن تمكن له ولأمثاله مجتمعين بطريق الأولى والأحرى.
فعلم أن إثبات العصمة للمجموع أولى من إثباتها للواحد، وبهذه العصمة يحصل المقصود المطلوب من عصمة الإمام، فلا تتعين عصمة الإمام.
ومن جهل الرافضة إنهم يوجبون عصمة واحد من المسلمين، ويجوزون على مجموع المسلمين الخطأ إذا لم يكن فيهم واحد معصوم.
والمعقول الصريح يشهد أن العلماء الكثيرين، مع اختلاف اجتهاداتهم، إذا اتفقوا على قول كان أولى بالصواب من واحد، وأنه إذا أمكن حصول العلم بخبر واحد، فحصوله بالأخبار المتواترة أولى.
ومما يبين ذلك أن الإمام شريك الناس في المصالح العامة، إذ كان هو وحده لا يقدر أن يفعلها، إلا أن يشترك هو وهم فيها، فلا يمكنه أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق، ولا يوفيها، ولا يجاهد عدوا إلا أن يعينوه، بل لا يمكنه أن يصلي بهم جمعة ولا جماعة إن لم يصلوا معه، ولا يمكن أن يفعلوا ما يأمرهم به إلا بقواهم وإرادتهم.
فإذا كانوا مشاركين له في الفعل والقدرة، لا ينفرد عنهم بذلك، فكذلك العلم والرأي لا يجب أن ينفرد به بل يشاركهم فيه، فيعاونهم ويعاونونه، وكما أن قدرته تعجز إلا بمعاونتهم، فكذلك علمه يعجز إلا بمعاونتهم.
الوجه الحادي عشر: أن يقال: العلم الديني الذي يحتاج إليه الأئمة والأمة نوعان: علم كلي، كإيجاب الصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، والزكاة، والحج، وتحريم الزنا والسرقة والخمر ونحو ذلك.
وعلم جزئي، كوجوب الزكاة على هذا، ووجوب إقامة الحد على هذا، ونحو ذلك.
فأما الأول، فالشريعة مستقلة به، لا تحتاج فيه إلى الإمام.
فإن النبي إما أن يكون قد نص على كليات الشريعة التي لا بد منها، أو ترك منها ما يحتاج إلى القياس.
فإن كان الأول ثبت المقصود.
وإن كان الثاني، فذلك القدر يحصل بالقياس.
وإن قيل: بل ترك فيها ما لا يعلم بنصه ولا بالقياس، بل بمجرد قول المعصوم، كان
هذا المعصوم شريكا في النبوة لم يكن نائبا؛ فإنه إذا كان يوجب ويحرم من غير إسناد إلى نصوص النبي، كان مستقلا، لم يكن متبعا له، وهذا لا يكون إلا نبيا، فأما من لا يكون إلا خليفة لنبي، فلا يستقل دونه.
وأيضا فالقياس إن كان حجة جاز إحالة الناس عليه، وإن لم يكن حجة وجب أن ينص النبي على الكليات.
وأيضا فقد قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ (١). وهذا نص في أن الدين كامل لا يحتاج معه إلى غيره.
وأما الجزئيات فهذه لا يمكن النص على أعيانها، بل لا بد فيها من الاجتهاد المسمى بتحقيق المناط، كما أن الشارع لا يمكن أن ينص لكل مصل على جهة القبلة في حقه، ولكل حاكم على عدالة كل شاهد، وأمثال ذلك.
وإذا كان كذلك، فإن ادعوا عصمة الإمام في الجزئيات، فهذه مكابرة، ولا يدعيها أحد، فإن عليا رضي الله عنه كان يولي من تبين له خيانته وعجزه وغير ذلك، وقد قطع رجلا بشهادة شاهدين، ثم قالا: أخطأنا.
فقال: لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما.
وكذلك كان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، ففي الصحيحين عنه أنه قال: «إنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بنحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» (٢) ٢). الوجه الثاني عشر: أن يقال: العصمة الثابتة للإمام: أهي فعل للطاعات باختياره وتركه للمعاصي باختياره، مع أن الله تعالى عندكم لا يخلق اختياره؟ أم هي خلق الإرادة له؟ أم سلبه القدرة على المعصية؟ فإن قلتم بالأول، وعندكم أن الله لا يخلق اختيار الفاعلين، لزمكم أن الله لا يقدر على خلق معصوم.
وإن قلتم بالثاني بطل أصلكم الذي ذهبتم إليه في القدرة.
(١) الآية ٣ من سورة المائدة.
(٢) انظر البخاري ج٣ ص ١٨٠ وج٩ ص ٢٥ ومسلم ج٣ ص ١٣٣٧ - ١٣٣٨.
وإن قلتم: سلب القدرة على المعصية، كان المعصوم عندكم هو العاجز عن الذنب.
كما يعجز الأعمى عن نقط المصاحف، والمقعد عن المشي.
والعاجز عن الشيء لا ينهى عنه ولا يؤمر به، وإذا لم يؤمر وينه لم يستحق ثوابا على الطاعة، فيكون المعصوم عندكم لا ثواب له على ترك معصية، بل ولا على فعل طاعة.
وهذا غاية النقص.
وحينئذ فأي مسلم فرض كان خيرا من هذا المعصوم، إذا أذنب ثم تاب، لأنه بالتوبة محيت سيئاته، بل بدل بكل سيئة حسنة مع حسناته المتقدمة، فكان ثواب المكلفين خيرا من المعصوم عند هؤلاء، وهذا يناقض قولهم غاية المناقضة.
وأما المقدمة الثانية: فلو قدر أنه لابد من معصوم، فقولهم ليس بمعصوم غير علي اتفاقا ممنوع، بل كثير من الناس من عبادهم وصوفيتهم وجندهم وعامتهم يعتقدون في كثير من شيوخهم من العصمة، من جنس ما تعتقده الرافضة في الاثني عشر، وربما عبروا عن ذلك بقولهم: «الشيخ محفوظ».
وإذا كانوا يعتقدون هذا في شيوخهم، مع اعتقادهم أن الصحابة أفضل منهم، فاعتقادهم ذلك في الخلفاء من الصحابة أولى.
وكثير من الناس فيهم من الغلو في شيوخهم من جنس ما في الشيعة من الغلو في الأئمة.
وأيضا فالإسماعيلية يعتقدون عصمة أئمتهم، وهم غير الاثني عشر.
وأيضا فكثير من أتباع بني أمية - أو كثرهم - كانوا يعتقدون أن الإمام لا حساب عليه ولا عذاب، وأن الله لا يؤاخذهم على ما يطيعون فيه الإمام، بل تجب عليهم طاعة الإمام في كل شيء، والله أمرهم بذلك.
وكلامهم في ذلك معروف كثير.
وقد أراد يزيد بن عبد الملك أن يسير بسيرة عمر بن عبد العزير، فجاء إليه جماعة من شيوخهم، فحلفوا له بالله الذي لا إله إلا هو، أنه إذا ولى الله على الناس إماما تقبل الله منه الحسنات وتجاوز عنه السيئات.
ولهذا تجد في كلام كثير من كبارهم الأمر بطاعة ولي الأمر مطلقا، وأن من أطاعه فقد
أطاع الله.
ولهذا كان يضرب بهم المثل، يقال: «طاعة شامية».
وحينئذ فهؤلاء يقولون: إن إمامهم لا يأمرهم إلا بما أمرهم الله به، وليس فيهم شيعة، بل كثير منهم يبغض عليا ويسبه.
ومن كان اعتقاده أن كل ما يأمر به فإنما مما أمر الله به، وأنه تجب طاعته، وأن الله يثيبه على ذلك، ويعاقبه على تركه - لم يحتج مع ذلك إلى معصوم غير إمامه.
وحينئذ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن يقال: كل من هذه الطوائف إذا قيل لها: إنه لا بد لها من إمام معصوم.
تقول: يكفيني عصمة الإمام الذي ائتممت به، لا أحتاج إلى عصمة الاثني عشر: لا علي ولا غيره.
ويقول هذا: شيخي وقدوتي.
وهذا يقول: إمامي الأموي والإسماعيلي.
بل كثير من الناس يعتقدون أن من يطيع الملوك لا ذنب له في ذلك، كائنا من كان، ويتأولون قوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ (١). فإن قيل: هؤلاء لا يعتد بخلافهم.
قيل: هؤلاء خير من الرافضة والإسماعيلية.
وأيضا فإن أئمة هؤلاء وشيوخهم خير من معدوم لا ينتفع به بحال.
فهم بكل حال خير من الرافضة.
وأيضا فبطلت حجة الرافضة بقولهم: لم تدع العصمة إلا في علي وأهل بيته.
فإن قيل: لم يكن في الصحابة من يدعي العصمة لأبي بكر وعمر وعثمان.
قيل: إن لم يكن فيهم من يدعي العصمة لعلي بطل قولكم.
وإن كان فيهم من يدعي العصمة لعلي، لم يمتنع أن يكون فيهم من يدعي العصمة للثلاثة، بل دعوى العصمة لهؤلاء أولى، فإنا نعلم يقينا أن جمهور الصحابة كانوا يفضلون أبا بكر وعمر، بل على نفسه كان يفضلهما عليه، كما تواتر عنه.
وحينئذ فدعواهم عصمة هذين أولى من دعوى عصمة علي.
فإن قيل: فهذا لم ينقل عنهم.
قيل لهم: ولا نقل عن واحد منهم القول بعصمة علي.
ونحن لا نثبت عصمة لا هذا ولا هذا، لكن نقول: ما يمكن أحدا أن ينفي نقل قول أحد منهم بعصمة أحد الثلاثة، مع دعواهم أنهم كانوا يقولون بعصمة علي.
فهذا الفرق لا يمكن أحدا أن يدعيه، ولا ينقله عن (١) الآية ٥٩ من سورة النساء.
واحد منهم.
وحينئذ فلا يعلم زمان ادعى فيه العصمة لعلي أو لأحد من الاثني عشر، ولم يكن من ذلك الزمان من يدعي عصمة غيرهم، فبطل أن يحتج بانتفاء عصمة الثلاثة ووقوع النزاع في عصمة علي.
الوجه الرابع عشر: أن يقال: إما أن يجب وجود المعصوم في كل زمان، وإما أن لا يجب.
فإن لم يجب بطل قولهم.
وإن وجب لم نسلم على هذا التقدير أن عليا كان هو المعصوم دون الثلاثة.
بل إذا كان هذا القول حقا، لزم أن يكون أبو بكر وعمر وعثمان معصومين، فإن أهل السنة متفقون على تفضيل أبي بكر وعمر، وأنهما أحق بالعصمة من علي، فإن كانت العصمة ممكنة، فهي إليهما أقرب، وإن كانت ممتنعة، فهي عنه أبعد.
وليس أحد من أهل السنة يقول بجواز عصمة علي دون أبي بكر وعمر، وهم لا يسلمون انتفاء العصمة عن الثلاثة، إلا مع انتفائها عن علي.
فأما انتفاؤها عن الثلاثة دون علي، فهذا ليس قول أحد من أهل السنة.
وإذا قال: أنتم تعتقدون انتفاء العصمة عن الثلاثة.
قلنا: نعتقد انتفاء العصمة عن علي، ونعتقد أن انتفاءها عنه أولى من انتفائها عن غيره، وأنهم أحق بها منه إن كانت ممكنة، فلا يمكن مع هذا أن يحتج علينا بقولنا.
وأيضا فنحن إنما نسلم انتفاء العصمة عن الثلاثة، لاعتقادنا أن الله لم يخلق إماما معصوما.
فإن قدر أن الله خلق إماما معصوما فلا يشك أنهم أحق بالعصمة من كل من جاء بعدهم، ونفينا لعصمتهم لاعتقادنا هذا التقدير.
وهنا جواب ثالث عن أصل الحجة، وهو أن يقال: من أين علمتم أن عليا معصوم، ومن سواه ليس بمعصوم.
فإن قالوا بالإجماع على ثبوت عصمة علي وانتفاء عصمة غيره كما ذكروه من حجتهم.
قيل لهم: إن لم يكن الإجماع حجة بطلت هذه الحجة، وإن كان حجة في إثبات عصمة علي - التي هي الأصل - أمكن أن يكون حجة في المقصود بعصمة من حفظ الشرع ونقله.
وكن هؤلاء يحتجون بالإجماع، ويردون كون الإجماع حجة، فمن أين علموا أن عليا هو المعصوم دون من سواه؟
فإن ادعوا التواتر عندهم عن النبي في عصمته، كان القول في ذلك كالقول في تواتر النص على إمامته، وحينئذ فلا يكون لهم مستند آخر.
الجواب الرابع: أن يقال: الإجماع عندهم ليس بحجة، إلا أن يكون قول المعصوم فيه، فإن لم يعرفوا ثبوت المعصوم إلا به لزم الدور، فإنه لا يعرف أنه معصوم إلا بقوله، ولا يعرف أن قوله حجة إلا إذا عرف أنه معصوم، فلا يثبت واحد منهما.
فعلم بطلان حجتهم على إثبات المعصوم.
وهذا يبين أن القوم ليس لهم مستند علمي أصلا فيما يقولون.
فإذا قيل لهم: بم عرفتم أنه معصوم، وأن من سواه ليسوا معصومين؟ قالوا: بأنه قال: أنا معصوم، ومن سواي ليس بمعصوم.
وهذا مما يمكن كل أحد أن يقوله، فلا يكون حجة.
فإذا قدر أن الحاجة إلى المعصوم ثابتة، فالكلام في تعينه.
فإذا طولب الإسماعيلي بتعيين معصومه، وما الدليل على أن هذا هو المعصوم دون غيره، لم يأت بحجة أصلا، وتناقضت أقواله.
وكذلك الرافضي أخذ من القدرية كلامهم في وجوب رعاية الأصلح، وبنى عليه أنه لا بد من معصوم.
وهي أقوال فاسدة، ولكن إذا طولب بتعيينه، لم يكن له حجة أصلا، إلا مجرد قول من لم تثبت بعد عصمته: إني معصوم.
فإن قيل: إذا ثبت بالعقل أنه لا بد من معصوم، فإذا قال علي: إني معصوم، لزم أن يكون هو المعصوم، لأنه لم يدع هذا غيره.
قيل لهم: لو قدر ثبوت معصوم في الوجود، لم يكن مجرد قول شخص: أنا معصوم، مقبولا لإمكان كون غيره هو المعصوم، وإن لم نعلم نحن دعواه، وإن لم يظهر دعواه، بل يجوز أن يسكت عن دعوى العصمة وإظهارها على أصلهم، كما جاز للمنتظر أن يخفي نفسه خوفا من الظلمة.
ومع هذا كله بتقدير دعوى علي العصمة، فإنما يقبل هذا لو كان علي قال ذلك، وحاشاه من ذلك.
وهذا جواب خامس وهو أنه إذا لم تكن الحجة على العصمة إلا قول المعصوم: إني معصوم، فنحن راضون بقول علي في هذه المسألة، فلا يمكن أحد أن ينقل عنه بإسناد ثابت أنه قال ذلك، بل النقول المتواترة عنه تنفي اعتقاده في نفسه العصمة.
وهذا جواب سادس، فإن إقراره لقضاته على أن يحكموا بخلاف رأيه، دليل على أنه لم يعد نفسه معصوما.