قال الرافضي: «إن الآية تدل على خوره وقلة صبره، وعدم يقينه بالله، وعدم رضاه بمساواته للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، وبقضاء الله وقدره».
فهذا كله: كذب منه ظاهر، ليس في الآية ما يدل على هذا.
وذلك من وجهين: أحدهما: أن النهي عن الشيء لا يدل على وقوعه، بل يدل على أنه ممنوع منه، لئلا يقع فيما بعد، كقوله تعالى: ﴿(يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ (١)، فهذا لا يدل على أنه كان يطيعهم.
الثاني: أنه بتقدير أن يكون حزن، فكان حزنه على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لئلا يقتل فيذهب الإسلام، وكان يود أن يفدي النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -. ولهذا لما كان معه في سفر الهجرة، كان يمشي أمامه تارة، وراءه تارة، فسأله النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عن ذلك، فقال: «أذكر الرصد فأكون أمامك وأذكر الطلب فأكون وراءك» رواه أحمد.
وحينئذ لم يكن يرضى بمساواة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: لا بالمعنى الذي أراده الكاذب المفتري عليه: أنه لم يرض بأن يموتا جميعا، بل كان لا يرضى بأن يقتل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ويعيش هو، بل كان يختار أن يفديه بنفسه وأهله وماله.
وهذا واجب على كل مؤمن، والصديق أقوم المؤمنين بذلك.
قال تعالى: ﴿(النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ «٢). وفي الصحيحين عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (٣) وحزنه على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يدل على كمال موالاته ومحبته، ونصحه له، واحتراسه عليه، وذبه عنه، ودفع الأذى عنه.
وهذا من أعظم الإيمان.
(فصل) وأما قوله: «إنه يدل على قلة صبره».
فباطل، بل ولا يدل على انعدام شيء من الصبر المأمور به، فإن الصبر على المصائب (١) الآية ١ من سورة الأحزاب.
(٢) الآية ٦ من سورة الأحزاب.
(٣) انظر البخاري ج١ - ص٩ - مطبعة النهضة - ومسلم ج١ ص ٦٧.
واجب بالكتاب والسنة، ومع هذا فحزن القلب لا ينافي ذلك.
كما قال - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إن الله لا يؤاخذ على دمع العين، ولا على حزن القلب، ولكن يؤاخذ على هذا - يعني اللسان - أو يرحم» (١). وقوله: «إنه يدل على عدم يقينه بالله».
كذب وبهت؛ فإن الأنبياء قد حزنوا، ولم يكن ذلك دليلا على عدم يقينهم بالله، كما ذكر الله عن يعقوب.
وثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لما مات ابنه إبراهيم قال: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون» (٢). وقد نهى الله عن الحزن نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم - بقوله: (﴿ولا تحزن عليهم (﴾ (٣). وكذلك قوله: «يدل على الخور وعدم الرضا بقضاء الله وقدره».
هو باطل، كما تقدم نظائره.