كتاب مختصر منهاج السنة(فصل)
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال الرافضي: «مع أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لعن معاوية الطليق بن الطليق اللعين بن اللعين، وقال: إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه.
وكان من المؤلفة قلوبهم، وقاتل عليا وهو عندهم رابع الخلفاء، إمام حق، وكل من حارب إمام حق فهو باغ ظالم».
قال: «وسبب ذلك محبة محمد بن أبي بكر لعلي عليه السلام، ومفارقته لأبيه، وبغض معاوية لعلي ومحاربته له.
وسموه كاتب الوحي ولم يكتب له كلمة واحدة من الوحي، بل كان يكتب له رسائل.
وقد كان بين يدي النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أربعة عشر نفسا يكتبون الوحي، أولهم وأخصهم وأقربهم إليه علي بن أبي طالب عليه السلام، مع أن معاوية لم يزل مشركا بالله تعالى في مدة كون النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مبعوثا يكذب بالوحي ويهزأ بالشرع».
والجواب: أن يقال «أما ما ذكره من أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لعن معاوية وأمر بقتله إذا رؤي على المنبر، فهذا الحديث ليس في شيء من كتب الإسلام التي يرجع إليها في علم النقل، وهو عند أهل المعرفة بالحديث كذب موضوع مختلق على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا الرافضي الراوي له لم يذكر له إسنادا حتى ينظر فيه، وقد ذكره أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات.
ومما يبين كذبه أن منبر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قد صعد عليه بعد معاوية من كان معاوية خيرا منه باتفاق المسلمين.
فإن كان يجب قتل من صعد عليه لمجرد الصعود على المنبر، وجب قتل هؤلاء كلهم.
ثم هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن مجرد صعود المنبر لا يبيح قتل مسلم.
وإن أمر بقتله لكونه تولى الأمر وهو لا يصلح، فيجب قتل كل من تولى الأمر بعد معاوية ممن معاوية أفضل منه.
وهذا خلاف ما تواترت به السنن عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من نهيه عن قتل ولاة الأمور وقتالهم، كما تقدم بيانه.
ثم الأمة متفقة على خلاف هذا؛ فإنها لم تقتل كل من تولى أمرها ولا استحلت ذلك.

ثم هذا يوجب من الفساد والهرج ما هو أعظم من ولاية كل ظالم، فكيف يأمر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بشيء يكون فعله أعظم فسادا من تركه؟ ! وأما قوله: «إنه الطليق ابن الطليق».
فهذا ليس نعت ذم، فإن الطلقاء هم مسلمة الفتح، الذين أسلموا عام فتح مكة، وأطلقهم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، وكانوا نحوا من ألفى رجل، وفيهم من صار من خيار المسلمين، كالحارث بن هشام، وسهل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، ويزيد بن أبي سفيان، وحكيم بن حزام، وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - الذي كان يهجوه ثم حسن إسلامه، وعتاب بن أسيد الذي ولاه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مكة لما فتحها، وغير هؤلاء ممن حسن إسلامه.
ومعاوية ممن حسن إسلامه باتفاق أهل العلم.
ولهذا ولاه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - موضع أخيه يزيد بن أبي سفيان لما مات أخوه يزيد بالشام، وكان يزيد بن أبي سفيان من خيار الناس، وكان أحد الأمراء الذين بعثهم أبو بكر وعمر لفتح الشام: يزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص، مع أبي عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد، فلما توفي يزيد بن أبي سفيان ولى عمر مكانه أخاه معاوية، وعمر لم تكن تأخذه في الله لومة لائم، وليس هو ممن يحابي في الولاية، ولا كان ممن يحب أبا سفيان أباه، بل كان من أعظم الناس عداوة لأبيه أبي سفيان قبل الإسلام، حتى إنه لما جاء به العباس يوم فتح مكة كان عمر حريصا على قتله، حتى جرى بينه وبين العباس نوع من المخاشنة بسبب بغض عمر لأبي سفيان.
فتولية عمر لابنه معاوية ليس لها سبب دنيوي، ولولا استحقاقه للإمارة لما أمره.
وأما قوله: «كان معاوية من المؤلفة قلوبهم».
نعم وأكثر الطلقاء كلهم من المؤلفة قلوبهم، كالحارث بن هشام، وابن أخيه عكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وحكيم بن حزام، وهؤلاء من خيار المسلمين.
والمؤلفة قلوبهم غالبهم حسن إسلامه، وكان الرجل منهم يسلم أول النهار رغبة منه في الدنيا، فلا يجيء آخر النهار إلا والإسلام أحب إليه مما طلعت عليه الشمس.

وأما قوله: «وقاتل عليا وهو عندهم رابع لخلفاء إمام حق، وكل من قاتل إمام حق فهو باغ ظالم».
فيقال له: أولا: الباغي قد يكون متأولا معتقدا أنه على حق، وقد يكون متعمدا يعلم أنه باغ، وقد يكون بغيه مركبا من شبهة وشهوة، وهو الغالب.
وعلى كل تقدير فهذا لا يقدح فيما عليه أهل السنة؛ فإنهم لا ينزهون معاوية ولا من هو أفضل منه من الذنوب، فضلا عن تنزيههم عن الخطأ في الاجتهاد، بل يقولون: إن الذنوب لها أسباب تدفع عقوبتها من التوبة والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، وغير ذلك.
وهذا أمر يعم الصحابة وغيرهم.
ويقال لهم: ثانيا: أما أهل السنة فأصلهم مستقيم مطرد في هذا الباب.
وأما أنتم فمتناقضون.
وذلك أن النواصب - من الخوارج وغيرهم - الذين يكفرون عليا أو يفسقونه أو يشكون في عدالته من المعتزلة والمروانية وغيرهم، لو قالوا لكم: ما الدليل على إيمان علي وإمامته وعدله؟ لم يكن لكم حجة؛ فإنكم إن احتججتم بما تواتر من إسلامه وعبادته، قالوا لكم: وهذا متواتر عن الصحابة، والتابعين والخلفاء الثلاثة، وخلفاء بني أمية كمعاوية ويزيد وعبد الملك وغيرهم، وأنتم تقدحون في إيمانهم، فليس قدحنا في إيمان علي وغيره إلا وقدحكم في إيمان هؤلاء أعظم، والذين تقدحون أنتم فيهم أعظم من الذين نقدح نحن فيهم.
وإن احتججتم بما في القرآن من الثناء والمدح.
قالوا: آيات القرآن عامة تتناول أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم مثل ما تتناول عليا وأعظم من ذلك.
وأنتم قد أخرجتم هؤلاء من المدح والثناء فإخراجنا عليا أيسر.
وإن قلتم بما جاء عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في فضائله: قالوا: هذه الفضائل روتها الصحابة الذين رووا فضائل أولئك، فإن كانوا عدولا فاقبلوا الجميع، وإن كانوا فساقا فإن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا، وليس لأحد أن يقول في الشهود: إنهم إن شهدوا لي كانوا عدولا، وإن شهدوا علي كانوا فساقا، أو: إن شهدوا بمدح من أحببته كانوا عدولا، وإن شهدوا بمدح من أبغضته كانوا فساقا.

وأما قوله «إن سبب ذلك محبة محمد بن أبي بكر لعلي، ومفارقته لأبيه».
فكذب بين.
وذلك أن محمد بن أبي بكر في حياة أبيه لم يكن إلا طفلا له أقل من ثلاث سنين، وبعد موت أبيه كان من أشد الناس تعظيما لأبيه، وبه كان يتشرف، وكانت له بذلك حرمة عند الناس.
وأما قوله: «إن سبب قولهم لمعاوية: إنه خال المؤمنين دون محمد، أن محمدا هذا كان يحب عليا، ومعاوية كان يبغضه».
فيقال: هذا كذب أيضا؛ فإن عبد الله بن عمر كان أحق بهذا المعنى من هذا وهذا، وهو لم يقاتل لا مع هذا ولا مع هذا، وكان معظما لعلي، محبا له، يذكر فضائله ومناقبه، وكان مبايعا لمعاوية لما اجتمع عليه الناس غير خارج عليه، وأخته أفضل من أخت معاوية، وأبوه أفضل من أبي معاوية، والناس أكثر محبة وتعظيما له من معاوية ومحمد، ومع هذا فلم يشتهر عنه أنه خال المؤمنين.
فعلم أنه ليس سبب ذلك ما ذكره.

فصول الكتاب · 197 فصل · 535 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كتاب مختصر منهاج السنة · 535 صفحة
مقدمة الكتابالمقدمة(فصل)(فصل)متى سموا رافضة وكذا الزيديةذكر بعض حماقات الرافضة(فصل)شرك بعض الصوفية حتى في الربوبيةلا وجود لإلياس والخضرأصول الدين عند الإماميةتناقض الرافضة في الإمامة بين القول والتطبيقلا يحصل بمعرفة الإمام خير إن لم يعمل صالحاليست الإمامة من واجبات الدين(فصل)
(فصل)
(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)فصل(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)فصل(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)
جارٍ التحميل