قال الرافضي: «البرهان الخامس: قوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ (١). فروى أحمد بن حنبل في مسنده عن واثلة بن الأسقع قال: طلبت عليا في منزله، فقالت فاطمة رضي الله عنها: ذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -. قال: فجاءا جميعا فدخلا ودخلت معهما، فأجلس عليا عن يساره، وفاطمة عن يمينه، والحسن والحسين بين يديه، ثم التفع عليهم بثوبه، وقال: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ (٢) اللهم إن هؤلاء أهلي حقا.
وعن أم سلمة قالت: أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان في بيتها، فأتته فاطمة رضي الله عنها ببرمة.
فيها حريرة، فدخلت عليه، فقال: ادعي زوجك وابنيك.
قالت: فجاء علي والحسن والحسين فدخلوا وجلسوا يأكلون من تلك الحريرة، وهو وهم على منام له علي، وكان تحته كساء خيبري.
قالت: وأنا في الحجرة أصلي، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ قالت: فأخذ فضل الكساء وكساهم به، ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء، وقال: هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
وكرر ذلك.
قالت: فأدخلت رأسي وقلت: وأنا معهم يا رسول الله قال: إنك إلى خير.
وفي هذه الآية دلالة على العصمة، مع التأكيد بلفظه: «إنما» وإدخال اللام في الخبر، والاختصاص في الخطاب بقوله: «أهل البيت» والتكرير بقوله: «ويطهركم» والتأكيد بقوله «تطهيرا» وغيرهم ليس بمعصوم، فتكون الإمامة في علي، ولأنه ادعاها في عدة من أقواله: والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة، وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى.
وقد ثبت نفي الرجس عنه، فيكون صادقا، فيكون هو الإمام».
والجواب: أن هذا الحديث صحيح في الجملة؛ فإنه قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال لعلي (١) الآية ٣٣ من سورة الأحزاب.
(٢) الآية ٣٣ من سورة الأحزاب.
وفاطمة وحسن وحسين: «اللهم إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا».
وروى ذلك مسلم عن عائشة قالت: خرج رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا» (١). وهو مشهور من رواية أم سلمة من رواية أحمد والترمذي، لكن ليس في هذا دلالة على عصمتهم ولا إمامتهم.
وتحقيق ذلك في مقامين أحدهما: أن قوله: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾، كقوله: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج﴾ (٢)، وكقوله: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ (٣)، وكقوله: ﴿يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم * والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما﴾ (٤). فإن إرادة الله في هذه الآيات متضمنة لمحبة الله لذلك المراد ورضاه به، وأنه شرعه للمؤمنين وأمرهم به، ليس في ذلك أنه خلق هذا المراد، ولا أنه قضاه وقدره، ولا أنه يكون لا محالة.
والدليل على ذلك أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بعد نزول هذه الآية قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» فطلب من الله لهم إذهاب الرجس والتطهير.
فلو كانت الآية تتضمن إخبار الله بأنه قد أذهب عنهم الرجس وطهرهم، لم يحتج إلى الطلب والدعاء.
فإن قيل: فهب أن القرآن لا يدل على وقوع ما أريد من التطهير وإذهاب الرجس، لكن دعاء النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لهم بذلك يدل على وقوعه، فإن دعاءه مستجاب.
قيل: المقصود أن القرآن لا يدل على ما ادعاه من ثبوت الطهارة وإذهاب الرجس (١) انظر مسلم ج٤ ص ١٨٨٣ وانظر المسند ج٦ ص ٢٩٢، ٢٩٨، ٣٠٤ والترمذي ج٥ ص ٣٠، ٣٢٨. (٢) الآية ٦ من سورة المائدة.
(٣) الآية ١٨٥ من سورة البقرة.
(٤) الآيتان ٢٦، ٢٧ من سورة النساء.
فضلا عن أن يدل على العصمة والإمامة.
وأما الاستدلال بالحديث فذاك مقام آخر.
ثم نقول في المقام الثاني: هب أن القرآن دل على طهارتهم وإذهاب الرجس عنهم، كما أن الدعاء المستجاب لا بد أن يتحقق معه طهارة المدعو لهم وإذهاب الرجس عنهم، لكن ليس في ذلك ما يدل على العصمة من الخطأ.
والدليل عليه أن الله لم يرد به أزواج النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أن لا يصدر من واحدة منهن خطأ، فإن الخطأ مغفور لهن ولغيرهن.
وسياق الآية يقتضي أنه يريد ليذهب عنهم الرجس - الذي هو الخبث كالفواحش - ويطهرهم تطهيرا من الفواحش وغيرها من الذنوب.
ولفظ «الرجس» عام يقتضي أن الله يريد أن يذهب جميع الرجس، فإن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - دعا بذلك.
وبالجملة فالتطهير الذي أراده الله، والذي دعا به النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ليس هو العصمة بالاتفاق، فإن أهل السنة عندهم لا معصوم إلا النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -. والشيعة يقولون: لا معصوم غير النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - والإمام.
فقد وقع الاتفاق على انتفاء العصمة المختصة بالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - والإمام عن أزواجه وبناته وغيرهن من النساء.
وإذا كان كذلك امتنع أن يكون التطهير المدعو به للأربعة متضمنا للعصمة التي يختص بها النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - والإمام عندهم، فلا يكون من دعاء النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - له بهذه العصمة: لا لعلي ولا لغيره، فإنه دعا له بالطهارة لأربعة مشتركين لم يختص بعضهم بدعوة.
أما قوله: «إن عليا ادعاها وقد ثبت نفي الرجس عنه فيكون صادقا».
فجوابه من وجوه: أحدها: أنا لا نسلم أن عليا ادعاها، بل نحن نعلم بالضرورة علما متيقنا أن عليا ما ادعاها قط حتى قتل عثمان، وإن كان قد يميل بقلبه إلى أن يولى، لكن ما قال: إني أنا الإمام، ولا إنى معصوم، ولا: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - جعلني الإمام بعده، ولا أنه أوجب على الناس متابعتي، ولا نحو هذه الألفاظ.
بل نحن نعلم بالاضطرار أن من نقل هذا ونحوه فهو كاذب عليه.
ونحن نعلم أن عليا كان أتقى لله من أن يدعي الكذب الظاهر، الذي تعلم الصحابة كلهم أنه كذب.
وأما نقل الناقل عنه أنه قال: «لقد تقمصها ابن أبي قحافة، وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى».
فنقول: أولا: أين إسناد هذا النقل، بحيث ينقله ثقة عن ثقة متصلا إليه؟ وهذا لا يوجد قط، وإنما يوجد هذا في كتاب «نهج البلاغة» وأمثاله، وأهل العلم يعلمون أن أكثر خطب هذا الكتاب مفتراة على علي، ولهذا لا يوجد غالبها في كتاب متقدم، ولا لها إسناد معروف.
فهذا الذي نقلها من أين نقلها؟ ونحن في هذا المقام ليس علينا أن نبين أن هذا كذب، بل يكفينا المطالبة بصحة النقل، فإن الله لم يوجب على الخلق أن يصدقوا بما لم يقم دليل على صدقه، بل هذا ممتنع بالاتفاق، لا سيما على القول بامتناع تكليف ما لا يطاق؛ فإن هذا من أعظم تكليف ما لا يطاق، فكيف يمكن الإنسان أن يثبت ادعاء علي للخلافة بمثل حكاية ذكرت عنه في أثناء المائة الرابعة، لما كثر الكذابون عليه، وصار لهم دولة تقبل منهم ما يقولون، سواء كان صدقا أو كذبا، وليس عندهم من يطالبهم بصحة النقل.
وهذا الجواب عمدتنا في نفس الأمر، وفيما بيننا وبين الله تعالى.
وأيضا فنحن نعلم أن عليا كان أتقى لله من أن يتعمد الكذب، كما أن أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم كانوا أتقى لله من أن يتعمدوا الكذب.
لكن لو قيل لهذا المحتج بالآية: أنت لم تذكر دليلا على أن الكذب من الرجس، وإذا لم تذكر على ذلك دليلا لم يلزم من إذهاب الرجس إذهاب الكذبة الواحدة، إذا قدر أن الرجس ذاهب، فهو فيمن يحتج بالقرآن، وليس في القرآن ما يدل على إذهاب الرجس، ولا ما يدل على أن الكذب والخطأ من الرجس، ولا أن عليا قال ذلك.
ولكن هذا كله لو صح شيء منه، لم يصح إلا بمقدمات ليست في القرآن، فأين البراهين التي في القرآن على الإمامة؟ وهل يدعي هذا إلا من هو من أهل الخزي والندامة؟