كتاب مختصر منهاج السنة(فصل)
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال الرافضي: «فهؤلاء الأئمة الفضلاء المعصومون، الذين بلغوا الغاية في الكمال، ولم يتخذوا ما اتخذ غيرهم من الأئمة المشتغلين بالملك وأنواع المعاصي والملاهي، وشرب الخمور والفجور، حتى فعلوا بأقاربهم على ما هو المتواتر بين الناس.
قالت الإمامية: فالله يحكم بيننا وبين هؤلاء، وهو خير الحاكمين».
قال: «وما أحسن قول الشاعر: إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهبا... وتعلم أن الناس في نقل أخبار فدع عنك قول الشافعي ومالك... وأحمد والمروي عن كعب أحبار ووال أناسا قولهم وحديثهم... روى جدنا عن جبرئيل عن الباري» والجواب من وجوه: أحدها: أن يقال: أما دعوى العصمة في هؤلاء فلم تذكر عليها حجة إلا ما ادعيته من أنه يجب على الله أن يجعل للناس إماما معصوما، ليكون لطفا ومصلحة في التكليف، وقد تبين فساد هذه الحجة من وجوه: أدناها أن هذا مفقود لا موجود، فإنه لم يوجد إمام معصوم حصل به لطف ولا مصلحة، ولو لم يكن في الدليل على انتفاء ذلك إلا المنتظر الذي قد علم

بصريح العقل أنه لم ينتفع به أحد، لا في دين ولا في دنيا، ولا حصل لأحد من المكلفين به مصلحة ولا لطف، لكان هذا دليلا على بطلان قولهم، فكيف مع كثرة الدلائل على ذلك؟ الوجه الثاني: أن قوله: «كل واحد من هؤلاء قد بلغ الغاية في الكمال» هو قول مجرد عن الدليل، والقول بلا علم يمكن كل أحد أن يقابله بمثله.
وإذا ادعى المدعي هذا الكمال فيمن هو أشهر في العلم والدين من العسكريين وأمثالهما من الصحابة والتابعين، وسائر أئمة المسلمين، لكان ذلك أولى بالقبول.
ومن طالع أخبار الناس علم أن الفضائل العلمية والدينية المتواترة عن غير واحد من الأئمة أكثر مما ينقل عن العسكريين وأمثالهما من الكذب، دع الصدق.
الثالث: أن قوله: «هؤلاء الأئمة» إن أراد بذلك أنهم كانوا ذوي سلطان وقدرة معهم السيف، فهذا كذب ظاهر، وهم لا يدعون ذلك، بل يقولون: إنهم عاجزون ممنوعون مغلوبون مع الظالمين، لم يتمكن أحد منهم من الإمامة، إلا علي بن أبي طالب، مع أن الأمور استصعبت عليه، ونصف الأمة - أو أقل أو أكثر - لم يبايعوه، بل كثير منهم قاتلوه وقاتلهم، وكثير منهم لم يقاتلوه ولم يقاتلوا معه، وفي هؤلاء من هو أفضل من الذين قاتلوه وقاتلوا معه، وكان فيهم من فضلاء المسلمين من لم يكن مع علي مثلهم، بل الذين تخلفوا عن القتال معه وله كانوا أفضل ممن قاتله وقاتل معه.
وإن أراد أنه كان لهم علم ودين يستحقون به أو كانوا أئمة، فهذه الدعوى إذا صحت لا توجب كونهم أئمة يجب على الناس طاعتهم، كما أن استحقاق الرجل أن يكون إمام مسجد لا يجعله إماما، واستحقاقه أن يكون قاضيا لا يصيره قاضيا، واستحقاقه أن يكون أمير الحرب لا يجعله أمير الحرب.
والصلاة لا تصح إلا خلف من يكون إماما.
وكذلك الحكم بين الناس إنما يفصله ذو سلطان وقدرة لا من يستحق أن يولى القضاء، وكذلك الجند إنما يقاتلون مع أمير عليهم لا مع من لم يؤمر وإن كان يستحق أن يؤمر.
الوجه الرابع: أن يقال ما تعنون بالاستحقاق؟ أتعنون أن الواحد من هؤلاء كان يجب أن يولى الإمامة دون سائر قريش؟ أم تريدون أن الواحد منهم من جملة من يصلح

للخلافة؟ فإن أردتم الأول فهو ممنوع مردود، وإن أردتم الثاني فذلك قدر مشترك بينهم وبين خلق كثير من قريش.
الوجه الخامس: أن يقال الإمام هو الذي يؤتم به وذلك على وجهين: أحدها: أن يرجع إليه في العلم والدين بحيث يطاع باختيار المطيع، لكونه عالما بأمر الله عزوجل آمرا به، فيطيعه المطيع لذلك، وإن كان عاجزا عن إلزامه الطاعة.
والثاني: أن يكون صاحب يد وسيف، بحيث يطاع طوعا وكرها لكونه قادرا على إلزام المطيع بالطاعة.
الوجه السادس: أن يقال: قوله: «لم يتخذوا ما اتخذه غيرهم من الأئمة المشتغلين بالملك والمعاصي» كلام باطل.
وذلك أنه إن أراد أهل السنة يقولون: إنه يؤتم بهؤلاء الملوك فيما يفعلونه من معصية الله، فهذا كذب عليهم.
فإن علماء أهل السنة المعروفين بالعلم عند أهل السنة متفقون على أنه لا يقتدى بأحد في معصية الله، ولا يتخذ إماما في ذلك.
وإن أراد أن أهل السنة يستعينون بهؤلاء الملوك فيما يحتاج إليهم فيه من طاعة الله، ويعاونونهم على ما يفعلونه من طاعة الله، فيقال لهم: إن كان اتخاذهم أئمة بهذا الاعتبار محذورا، فالرافضة أدخل منهم في ذلك، فإنهم دائما يستعينون بالكفار والفجار على مطالبهم، ويعاونون الكفار والفجار على كثير من مآربهم، وهذا أمر مشهود في كل زمان ومكان، ولو لم يكن إلا صاحب هذا الكتاب «منهاج الندامة» وإخوانه، فإنهم يتخذون المغل والكفار أو الفساق أو الجهال أئمة بهذا الاعتبار.
الوجه السابع: أن يقال الأئمة الذين هم مثل هؤلاء الذين ذكرهم في كتابه وادعى عصمتهم، ليس لهم سلطان تحصل به مقاصد الإمامة، ولا يكفي الائتمام بهم في طاعة الله، ولا في تحصيل ما لا بد منه مما يعين على طاعة الله، فإن لم يكن لهم ملك ولا سلطان لم يمكن أن تصلى خلفهم جمعة ولا جماعة، ولا يكونون أئمة في الجهاد ولا في الحج، ولا تقام بهم الحدود، ولا تفصل بهم الخصومات، ولا يستوفي الرجل بهم حقوقه التي عند الناس والتي في بيت المال، ولا يؤمن بهم السبل، فإن هذه الأمور كلها تحتاج إلى قادر يقوم بها، ولا يكون قادرا إلا من له أعوان على ذلك، بل القادر على ذلك كان غيرهم، فمن طلب هذه الأمور

من إمام عاجز عنها كان جاهلا ظالما، ومن استعان عليها بمن هو قادر عليها كان عالما مهتديا مسددا، فهذا يحصل مصلحة دينه ودنياه، والأول تفوته مصلحة دينه ودنياه.
الوجه الثامن: أن يقال: دعوى كون جميع الخلفاء كانوا مشتغلين بما ذكره من الخمور والفجور كذب عليهم، والحكايات المنقولة في ذلك فيها ما هو كذب، وقد علم أن فيهم العدل الزاهد كعمر بن عبد العزيز والمهدي بالله، وأكثرهم لم يكن مظهرا لهذه المنكرات من خلفاء بني أمية وبني العباس، وإن كان أحدهم قد يبتلى ببعض الذنوب، وقد يكون تاب منها، وقد يكون له حسنات كثيرة تمحو تلك السيئات، وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه خطاياه.
ففي الجملة الملوك حسناتهم كبار وسيئاتهم كبار، والواحد من هؤلاء وإن كان له ذنوب ومعاص لا تكون لآحاد المؤمنين، فلهم من الحسنات ما ليس لآحاد المسلمين: من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وجهاد العدو، وإيصال كثير من الحقوق إلى مستحقيها، ومنع كثير من الظلم، وإقامة كثير من العدل.
ونحن لا نقول: إنهم كانوا سالمين من المظالم والذنوب، كما لا نقول: إن أكثر المسلمين كانوا سالمين من ذلك، لكن نقول: وجود الظلم والمعاصي من بعض المسلمين وولاة أمورهم وعامتهم لا يمنع أن يشارك فيما يعمله من طاعة الله.
وإن قال: مرادي بهؤلاء الأئمة الاثنا عشر.
قيل له: ما رواه علي بن الحسين وأبو جعفر وأمثالهما من حديث جدهم، فمقبول منهم كما يرويه أمثاله.
ولولا أن الناس وجدوا عند مالك والشافعي وأحمد أكثر مما وجدوه عند موسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، لما عدلوا عن هؤلاء إلى هؤلاء.
وإلا فأي غرض لأهل العلم والدين أن يعدلوا عن موسى بن جعفر إلى مالك بن أنس، وكلاهما من بلد واحد، في عصر واحد؟ فإن زعم زاعم أنه كان عندهم من العلم المخزون ما ليس عند أولئك لكن كانوا يكتمونه، فأي فائدة للناس في علم يكتمونه؟ فعلم لا يقال به ككنز لا ينفق منه، وكيف يأتم الناس بمن لا يبين لهم العلم المكتوم، كالإمام المعدوم، وكلاهما لا ينتفع به، ولا يحصل به لطف ولا مصلحة.
وإن قالوا: بل كانوا يبينون ذلك لخواصهم دون هؤلاء الأئمة.
قيل: أولا: هذا كذب عليهم، فإن جعفر بن محمد لم يجيء بعده مثله.
وقد أخذ العلم عنه هؤلاء الأئمة، كمالك، وابن عيينة، والثوري، وابن جريج، ويحيى بن سعيد، وأمثالهم من العلماء المشاهير الأعيان.
ثم من ظن بهؤلاء السادة أنهم يكتمون علمهم ويخصون به قوما مجهولين ليس لهم في الأمة لسان صدق، فقد أساء الظن بهم؛ فإن في هؤلاء من المحبة لله

ولرسوله، والطاعة له، والرغبة في حفظ دينه وتبليغه، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، وصيانته عن الزيادة والنقصان، ما لا يوجد قريب منه لأحد من شيوخ الشيعة.
وهذا أمر معلوم بالضرورة لمن عرف هؤلاء وهؤلاء.
واعتبر هذا مما تجده في كل زمان من شيوخ السنة وشيوخ الرافضة، كمصنف هذا الكتاب، فإنه عند الإمامية أفضلهم في زمانه، بل يقول بعض الناس: ليس في بلاد المشرق أفضل منه في جنس العلوم مطلقا.
ومع هذا فكلامه يدل على أنه من أجهل خلق الله بحال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وأقواله وأعماله، فيروي الكذب الذي يظهر أنه كذب من وجوه كثيرة، فإن كان عالما بأنه كذب، فقد ثبت عنه - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: «من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» وإن كان جاهلا بذلك دل على أنه من أجهل الناس بأحوال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كما قيل: فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

فصول الكتاب · 197 فصل · 535 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كتاب مختصر منهاج السنة · 535 صفحة
مقدمة الكتابالمقدمة(فصل)(فصل)متى سموا رافضة وكذا الزيديةذكر بعض حماقات الرافضة(فصل)شرك بعض الصوفية حتى في الربوبيةلا وجود لإلياس والخضرأصول الدين عند الإماميةتناقض الرافضة في الإمامة بين القول والتطبيقلا يحصل بمعرفة الإمام خير إن لم يعمل صالحاليست الإمامة من واجبات الدين(فصل)
(فصل)
(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)فصل(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)فصل(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)
جارٍ التحميل