قال الرافضي: «الوجه الثاني: أن الغمام يجب أن يكون منصوصا عليه، لما بينا من بطلان الاختيار، وأنه ليس بعض المختارين لبعض الأمة أولى من البعض المختار الآخر، ولأدائه إلى التنازع والتشاجر، فيؤدي نصب الإمام إلى أعظم أنواع الفساد التي لأجل إعدام الأقل منها أوجبنا نصبه.
وغير علي من أئمتهم لم يكن منصوصا عليه بالإجماع فتعين أن يكون هو الإمام».
والجواب: عن هذا بمنع المقدمتين أيضا، لكن النزاع هنا في الثانية أظهر وأبين، فإنه قد ذهب طوائف كثيرة من السلف والخلف، من أهل الحديث والفقه والكلام، إلى النص على أبي بكر.
وذهبت طائفة من الرافضة إلى النص على العباس.
وحينئذ فقوله: «غير علي من أئمتهم لم يكن منصوصا عليه بالإجماع» كذب متيقن فإنه لا إجماع على نفي النص عن غير علي.
وهذا الرافضي المصنف، وإن كان من أفضل بني جنسه، ومن المبرزين على طائفته، فلا ريب أن الطائفة كلها جهال.
وإلا فمن له معرفة
بمقالات الناس كيف يدعى مثل هذا الإجماع؟! ونجيب هنا بجواب ثالث مركب، وهو أن نقول: لا يخلو إما أن يعتبر النص في الإمامة وإما أن لا يعتبر.
فإن اعتبر منعنا المقدمة الثانية، إن قلنا: إن النص ثابت لأبي بكر.
وإن لم يعتبر بطلت المقدمة الأولى.
وهنا جواب رابع: وهو أن نقول: الإجماع عندكم ليس بحجة، وإنما الحجة قول المعصوم، فيعود الأمر إلى إثبات النص بقول الذي يدعى له العصمة.
ولم يثبت بعد لا نص ولا عصمة، بل يكون قول القائل: «لم يعرف صحة قوله: أنا المعصوم، وأنا المنصوص على إمامتي» حجة، وهذا من أبلغ الجهل.
وهذه الحجة من جنس التي قبلها.
وجواب خامس: وهو أن يقال: ما تعني بقولك: «يجب أن يكون منصوصا عليه»؟.
لأنه لا بد أن يقول: هذا هو الخليفة من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا، فيكون الخليفة بمجرد هذا النص؟ أم لا يصير هذا إماما حتى تعقد له الإمامة مع ذلك؟ فإن قلت بالأول.
قيل: لا نسلم وجوب النص بهذا الاعتبار.
والزيدية مع الجماعة تنكر هذا النص، وهم من الشيعة الذين لا يتهمون على علي.
أما قوله: «إنه إذا لم يكن كذلك أدى إلى التنازع والتشاجر».
فيقال: النصوص التي تدل على استحقاقه الإمامة وتعلم دلالتها بالنظر والاستدلال، يحصل بها المقصود في الأحكام، فليست كل الأحكام منصوصة نصا جليا يستوي في فهمه العام والخاص.
فإذا كانت الأمور الكلية التي تجب معرفتها في كل زمان يكتفى فيها بهذا النص، فلأن يكتفى بذلك في القضية الجزئية، وهو تولية إمام معين، بطريق الأولى والأحرى.
فإنا قد بينا أن الكليات يمكن نص الأنبياء عليها، بخلاف الجزئيات.
وأيضا فيه إذا كانت الأدلة ظاهرة في أن بعض الجماعة أحق بها من غيره استغنى بذلك عن استخلافه.
والدلائل الدالة على أن أبا بكر كان أحقهم بالإمامة ظاهرة بينة، لم ينازع فيها أحد من الصحابة، ومن نازع من الأنصار لم ينازع في أن أبا بكر أفضل المهاجرين، وإنما طلب أن يولى واحد من الأنصار مع واحد من المهاجرين.
فإن قيل: إن كان لهم هوى منعوا ذلك بدلالة النصوص.
قيل: وإذا كان لهم هوى عصوا تلك النصوص وأعرضوا عنها، كما ادعيتم أنتم عليهم.
فمع قصدهم الحق يحصل المقصود بهذا وبهذا، ومع العناد لا ينفع هذا لا هذا.
وجواب سادس: أن يقال: النص على الأحكام على وجهين: نص كلي عام يتناول أعيانها، ونص على الجزئيات.
فإن قلتم: لا بد من النص على الإمام.
إن أردتم النص على العام الكلي: على ما يشترك للإمام، وما يجب عليه، وما يجب له، كالنص على الحكام والمفتين والشهود وأئمة الصلاة والمؤذنين وأمراء الجهاد، وغير هؤلاء ممن يتقلد شيئا من أمور المسلمين - فهذه النصوص ثابتة - ولله الحمد - كثيرة، كما هي ثابتة على سائر الأحكام.
وجواب سابع: وهو أن يقال: أنتم أوجبتم النص، لئلا يفضي إلى التشاجر، المفضي إلى أعظم أنواع الفساد التي لأجل إعدام الأقل منها أوجبتم نصبه.
فيقال: الأمر بالعكس، فإن أبا بكر رضي الله عنه تولى بدون هذا الفساد.
وعمر وعثمان توليا بدون هذا الفساد.
فإنما عظم هذا الفساد في الإمام الذي ادعيتم أنه منصوص عليه دون غيره، فوقع في ولايته من أنواع التشاجر والفساد التي لأجل إعدام الأقل منها أوجبتم نصبه، فكان ما جعلتموه وسيلة إنما حصل معه نقيض المقصود، وحصل المقصود بدون وسيلتكم، فبطل كون ما ذكرتموه وسيلة إلى المقصود.
وهذا لأنهم أوجبوا على الله ما لا يجب عليه، وأخبروا بما لم يكن، فلزم من كذبهم وجهلهم هذا التناقض.
وجواب ثامن: وهو أن يقال: النص الذي يزيل هذا الفساد يكون على وجوه: أحدها: أن يخبر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بولاية الشخص ويثني عليه في ولايته، فحينئذ تعلم الأمة أن هذا إن تولى كان محمودا مرضيا، فيرتفع النزاع، وإن لم يقل: ولوه.
وهذا النص وقع لأبي بكر وعمر.
الثاني: أن يخبر بأمور تستلزم صلاح الولاة، وهذه النصوص وقعت في خلافة أبي بكر وعمر.
الثالث: أن يأمر من يأتي بعد موته شخصا يقوم مقامه، فيدل على أنه خليفة من بعده.
وهذا وقع لأبي بكر.
الرابع: أن يريد كتابة كتاب، ثم يقول: إن الله والمؤمنون لا يولون إلا فلانا، وهذا وقع لأبي بكر.
الخامس: أن يأمر بالاقتداء بعده بشخص، فيكون هو الخليفة بعده.
السادس: أن يأمر باتباع سنة خلفائه الراشدين المهديين، ويجعل خلافتهم إلى مدة معينة، فيدل على أن المتولين في تلك المدة هم الخلفاء الراشدون.
السابع: أن يخص بعض الأشخاص بأمر يقضى أنه هو المقدم عنده في الاستخلاف، وهذا موجود لأبي بكر.
كما في الصحيحين أنه قال لعائشة: «ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه الناس من بعدي» ثم قال: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (١). فعلم أن الله لا يولي إلا أبا بكر والمؤمنون لا يبايعون إلا أبا بكر.
وكذلك سائر الأحاديث الصحيحة تدل على أنه علم ذلك، وإنما كان ترك الأمر مع علمه أفضل، كما فعل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، لأن الأمة إذا ولته طوعا منها بغير إلزام - وكان هو الذي يرضاه الله ورسوله - كان أفضل للأمة، ودل على علمها ودينها.