كتاب مختصر منهاج السنة(فصل)
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال الرافضي: «الثالث: ما ورد فيه من الفضائل كآية الغار، وقوله تعالى: ﴿(وسيجنبها الأتقى﴾ «٢)، وقوله: ﴿(قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد (﴾ (٣). والداعي هو أبو بكر: كان أنيس رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في العريش يوم بدر، وأنفق على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، وتقدم في الصلاة».
قال: «والجواب أنه لا فضيلة له في الغار، لجواز أن يستصحبه حذرا منه لئلا يظهر أمره.
وأيضا فإن الآية تدل على نقيضه لقوله: (لا تحزن (فإنه يدل على خوره وقلة صبره، وعدم يقينه بالله تعالى، وعدم رضاه بمساواته النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، وبقضاء الله وقدره، ولأن الحزن إن (١) الآية ١٢٤ من سورة البقرة.
(٢) الآية ١٧ من سورة الليل.
(٣) الآية١٧ من سورة الفتح.

كان طاعة استحال أن ينهى عنه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، وإن كان معصية كان ما ادعوه من الفضيلة رذيلة.
وأيضا فإن القرآن حيث ذكر إنزال السكينة على رسول الله شرك معه المؤمنين إلا في هذا الموضوع، ولا نقص أعظم منه.
وأما: ﴿(وسيجنبها الأتقى﴾ (فإن المراد أبو الدحداح، حيث اشترى نخلة شخص لأجل جاره، وقد عرض النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - على صاحب النخلة نخلة في الجنة، فأبى، فسمع أبو الدحداح فاشتراها ببستان له، ووهبها الجار، فجعل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عوضها له بستانا في الجنة.
وأما قوله تعالى: ﴿«قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد (﴾ (١). يريد سندعوكم إلى قوم، فإن أراد الذين تخلفوا عن الحديبية.
والتمس هؤلاء أن يخرجوا إلى غنيمة خيبر، فمنعهم الله تعالى بقوله: ﴿(قل لن تتبعونا (﴾ (٢)، لأنه تعالى جعل غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، ثم قال: ﴿(قل للمخلفين من الأعراب ستدعون﴾ (. يريد: سندعوكم فيما بعد إلى قتال قوم أولي بأس شديد، وقد دعاهم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى غزوات كثيرة: كمؤتة، وحنين، وتبوك، وغيرها، فكان الداعي رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -. وأيضا جاز أن يكون علي هو الداعي، حيث قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، وكان رجوعهم إلى طاعته إسلاما لقوله عليه الصلاة والسلام: يا علي حربك حربي وحرب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كفر.
وأما كونه أنيسه في العريش يوم بدر فلا فضل فيه، لأن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان أنسه بالله تعالى مغنيا له عن كل أنيس، لكن لما عرف النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أن أمره لأبي بكر بالقتال يؤدي إلى فساد الحال، حيث هرب عدة مرات في غزواته، وأيما أفضل: القاعد عن القتال، أو المجاهد بنفسه في سبيل الله؟.
وأما إنفاقه على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فكذب لأنه لم يكن ذا مال؛ فإن أباه كان فقيرا في الغاية، وكان ينادى على مائدة عبد الله بن جدعان بمد كل يوم يقتات له، فلو كان أبو بكر غنيا لكفى أباه.
وكان أبو بكر في الجاهلية معلما للصبيان، وفي الإسلام كان خياطا، ولما ولي أمر المسلمين منعه الناس عن الخياطة فقال: إني محتاج إلى القوت، فجعلوا له كل يوم ثلاثة (١) الآية١٧ من سورة الفتح.
(٢) الآية١٥ من سورة الفتح.

دراهم من بيت المال، والنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان قبل الهجرة غنيا بمال خديجة، ولم يحتج إلى الحرب وتجهيز الجيوش، وبعد الهجرة لم يكن لأبي بكر البتة شيء، ثم لو أنفق لوجب أن ينزل فيه قرآن، كما نزل في علي: ﴿(هل أتى﴾ (١). ومن المعلوم أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أشرف من الذين تصدق عليهم أمير المؤمنين، والمال الذي يدعون إنفاقه أكثر، فحيث لم ينزل فيه قرآن دل على كذب النقل.
وأما تقديمه في الصلاة فخطأ، لأن بلالا لما أذن بالصلاة أمرته عائشة أن يقدم أبا بكر، ولما أفاق النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - سمع التكبير فقال: من يصلي بالناس؟ فقالوا: أبو بكر، فقال: أخرجوني، فخرج بين علي والعباس فنحاه عن القبلة وعزله عن الصلاة وتولى هو الصلاة».
قال الرافضي: «فهذه حال أدلة القوم، فلينظر العاقل بعين الإنصاف وليقصد اتباع الحق دون اتباع الهوى، ويترك تقليد الآباء والأجداد، فقد نهى الله تعالى في كتابه عن ذلك، ولا تلهيه الدنيا عن إيصال الحق إلى مستحقه، ولا يمنع المستحق عن حقه، فهذا آخر ما أردنا إثباته في هذه المقدمة».
والجواب: أن يقال: في هذا الكلام من الأكاذيب والبهت والفرية ما لا يعرف مثله لطائفة من طوائف المسلمين.
ولا ريب أن الرافضة فيهم شبه قوي من اليهود، فإنهم قوم بهت، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
وظهور فضائل شيخي الإسلام: أبي بكر وعمر، أظهر بكثير عند كل عاقل من فضل غيرهما، فيريد هؤلاء الرافضة قلب الحقائق.
ولهم نصيب من قوله تعالى: ﴿(فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه (﴾ (٢)، وقوله: ﴿(فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون﴾ (٣)، ونحو هذه الآيات.
فإن القوم من أعظم الفرق تكذيبا بالحق، وتصديقا بالكذب، وليس في الأمة من يماثلهم في ذلك.
أما قوله: «لا فضيلة له في الغار».
(١) الآية١ من سورة الإنسان.
(٢) الآية ٣٢ من سورة الزمر.
(٣) الآية ١٧ من سورة يونس.

فالجواب: أن الفضيلة في الغار ظاهرة بنص القرآن، لقوله تعالى: ﴿(إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ (١)، فأخبر الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - أن الله معه ومع صاحبه.
كما قال لموسى وهارون: ﴿(إنني معكما أسمع وأرى﴾ (٢). وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث أنس عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: نظرت إلى إقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا.
فقال: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (٣). وهذا الحديث مع كونه مما اتفق أهل العلم بالحديث على صحته وتلقيه بالقبول والتصديق، فلم يختلف في ذلك اثنان منهم، فهو مما دل القرآن على معناه، يقول: ﴿(إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ (٤). وهذا غاية المدح لأبي بكر إذ دل على أنه ممن شهد له الرسول بالإيمان، المقتضي نصر الله له مع رسوله في مثل هذه الحال التي بين الله فيها غناه عن الخلق، فقال: ﴿(إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾ (٥)، ولهذا قال سفيان بن عيينة وغيره: إن الله عاتب الخلق جميعهم في نبيه إلا أبا بكر.
وقال: من أنكر صحبته أبي بكر فهو كافر لأنه كذب القرآن، وقال طائفة من أهل العلم كأبي القاسم السهيلي وغيره.
هذه المعية لم تثبت لغير أبي بكر.
وكذلك قوله: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما».
بل ظهر اختصاصهما في اللفظ كما ظهر في المعنى، فكان يقال للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «محمد رسول الله» فلما تولى أبو بكر بعده صاروا يقولون: «خليفة رسول الله» فيضيفون الخليفة إلى رسول الله، المضاف إلى الله، والمضاف إلى المضاف، إلى الله مضاف إلى الله تحقيقا لقوله: «إن الله معنا»، ما ظنك باثنين الله ثالثهما.
ثم لما تولى عمر بعده صاروا يقولون: «أمير المؤمنين» فانقطع الاختصاص الذي امتاز به أبو بكر عن سائر الصحابة.
ومن تأمل هذا وجد فضائل الصديق التي في الصحاح كثيرة، وهي خصائص.
مثل (١) الآية٤٠ من سورة التوبة.
(٢) الآية ٤٦ من سورة طه.
(٣) انظر البخاري ٥/٤ وغيره، ومسلم ج٤ ص ١٨٥٤. (٤) الآية٤٠ من سورة التوبة.
(٥) الآية٤٠ من سورة التوبة.

حديث المخالة، وحديث: إن الله معنا، وحديث: إنه أحب الرجال إلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، وحديث الإتيان إليه بعده، وحديث كتابة العهد إليه بعده، وحديث تخصيصه بالتصديق ابتداء والصحبة، وتركه له، وهو قوله: «فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟»، وحديث دفعه عنه عقبة بن أبي معيط لما وضع الرداء في عنقه حتى خلصه أبو بكر، وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟! وحديث استخلافه في الصلاة وفي الحج، وصبره وثباته بعد موت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وانقياد الأمة له، وحديث الخصال التي اجتمعت فيه في يوم، وما اجتمعت في رجل إلا وجبت له الجنة، وأمثال ذلك (١). والمقصود هنا بيان اختصاصه في الصحبة الإيمانية بما لم يشركه مخلوق، لا في قدرها ولا في صفتها ولا في نفعها، فإنه لو أحصي الزمان الذي كان يجتمع فيه أبو بكر بالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، والزمان الذي كان يجتمع به فيه عثمان أو علي أو غيرهما من الصحابة، لوجد ما يختص به أبو بكر أضعاف ما اختص به واحد منهم، لا أقول ضعفه.
وأما المشترك بينهم فلا يختص به واحد.
وأما كمال معرفته ومحبته للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وتصديقه له، فهو مبرز في ذلك على سائرهم تبريزا باينهم فيه مباينة لا تخفى على من كان له معرفة بأحوال القوم، ومن لا معرفة له بذلك لم تقبل شهادته.
وأما نفعه للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ومعاونته له على الدين فكذلك.
فهذه الأمور التي هي مقاصد الصحبة ومحامدها، التي بها يستحق الصحابة أن يفضلوا بها على غيرهم، لأبي بكر فيها من الاختصاص بقدرها ونوعها وصفتها وفائدتها ما لا يشركه فيه أحد.
كما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - جلس على المنبر فقال: «إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الحياة الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده» فبكى أبو بكر، وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا.
قال: فكان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا به.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودته» (٢). (١) تقدمت هذه كلها.
(٢) انظر البخاري - الجمعة - الباب الثامن والعشرون «من قال في الخطبة أما بعد»، انظر الفتح ج٢ ص ٤٠٤.

وروى البخاري من حديث ابن عباس قال: خرج النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بخرقة، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «إنه ليس أحد من الناس آمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن خلة الإسلام أفضل، سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر» (١). وفي رواية: «لو كنت متخذا من هذه الأمة خليلا لاتخذته، ولكن أخوة الإسلام أفضل».
وفي رواية: «ولكن أخي وصاحبي».
فهذه النصوص كلها مما تبين اختصاص أبي بكر من فضائل الصحبة ومناقبها والقيام بها وبحقوقها بما لم يشركه فيه أحد، حتى استوجب أن يكون خليله دون الخلق، لو كانت المخالة ممكنة.
وهذه النصوص صريحة بأنه أحب الخلق إليه، وأفضلهم عنده.
كما صرح بذلك في حديث عمرو بن العاص أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بعثه على جيش ذات السلاسل، قال: «فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة».
قلت: فمن الرجال؟ قال: «أبوها».
قلت: ثم من؟ قال: عمر وعد رجال»، وفي رواية للبخاري «قال: فسكت مخافة أن يجعلني آخرهم» (٢)

فصول الكتاب · 197 فصل · 535 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كتاب مختصر منهاج السنة · 535 صفحة
مقدمة الكتابالمقدمة(فصل)(فصل)متى سموا رافضة وكذا الزيديةذكر بعض حماقات الرافضة(فصل)شرك بعض الصوفية حتى في الربوبيةلا وجود لإلياس والخضرأصول الدين عند الإماميةتناقض الرافضة في الإمامة بين القول والتطبيقلا يحصل بمعرفة الإمام خير إن لم يعمل صالحاليست الإمامة من واجبات الدين(فصل)
(فصل)
(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)فصل(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)فصل(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)
جارٍ التحميل