قال الرافضي: «البرهان السابع: قوله تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾ (١). روى أحمد بن حنبل في مسنده عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾ قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: «علي وفاطمة وابناهما.
وكذا في تفسير الثعلبي، ونحوه في الصحيحين.
وغير علي من الصحابة والثلاثة لا تجب مودته، فيكون علي أفضل، فيكون هو الإمام، ولأن مخالفته تنافي المودة، وبامتثال أوامره تكون مودته، فيكون واجب الطاعة، وهو معنى الإمامة».
والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة هذا الحديث.
وقوله: «إن أحمد روى هذا في مسنده» كذب بين، فإن هذا مسند أحمد موجود، به من النسخ ما شاء الله، وليس فيه هذا الحديث.
وأظهر من ذلك كذبا قوله: إن هذا في الصحيحين، وليس هو في الصحيحين، بل فيهما وفي المسند ما يناقض ذلك.
ولا ريب أن هذا الرجل وأمثاله جهال بكتب أهل العلم، لا يطالعونها ولا يعلمون ما فيها.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، وهم المرجوع إليهم في هذا.
وهذا لا يوجد في شيء من كتب الحديث التي يرجع إليها.
الوجه الثالث: أن هذه الآية في سورة الشورى وهي مكية باتفاق أهل السنة، بل جميع آل حم مكيات، وكذلك آل طس.
ومن المعلوم أن عليا إنما تزوج فاطمة بالمدينة بعد غزوة بدر، والحسن ولد في السنة الثالثة من الهجرة، والحسين في السنة الرابعة، فتكون هذه الآية قد نزلت قبل وجود الحسن والحسين بسنين متعددة، فكيف يفسر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - الآية بوجوب مودة قرابة لا تعرف ولم تخلق بعد؟! (١) الآية ٢٣ من سورة الشورى.
الوجه الرابع: أن تفسير الآية الذي في الصحيحين عن ابن عباس يناقض ذلك.
ففي الصحيحين عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن قوله تعالى ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾ (١)، فقلت: أن لا تؤذوا محمدا في قرابته.
فقال ابن عباس: عجلت، إنه لم يكن بطن من قريش إلا لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فيهم قرابة، فقال: لا أسألكم عليه أجرا، لكن أسألكم أن تصلوا القرابة التي بيني وبينكم.
فهذا ابن عباس ترجمان القرآن، وأعلم أهل البيت بعد علي، يقول: ليس معناها مودة ذوي القربى، لكن معناها: لا أسألكم يا معشر العرب ويا معشر قريش عليه أجرا، لكن أسألكم أن تصلوا القرابة التي بيني وبينكم، فهو سأل الناس الذين أرسل إليهم أولا أن يصلوا رحمه، فلا يعتدوا عليه حتى يبلغ رسالة ربه.
الوجه الخامس: أنه قال: لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى، لم يقل: إلا المودة للقربى، ولا المودة لذوي القربى.
فلو أراد المودة لذوي القربى لقال: المودة لذوى القربى.
الوجه السادس: أن يقال: إن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لا يسأل على تبليغ رسالة ربه أجرا ألبتة، بل أجره على الله، كما قال ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾ (٢). وقوله: ﴿أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون﴾ (٣)، وقوله: ﴿قل ما سألتكم عليه من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله﴾ (٤). ولكن الاستثناء هنا منقطع، كما قال: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا﴾ (٥). ولا ريب أن محبة أهل بيت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - واجبة، لكن لم يثبت وجوبها بهذه الآية، ولا محبتهم أجر للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، بل هو مما أمرنا الله به، كما أمرنا بسائر العبادات.
فمن جعل محبة أهل بيته أجرا له يوفيه إياه فقد أخطأ خطأ عظيما، ولو كان أجرا له لم نثب عليه نحن، لأنا أعطيناه أجره الذي يستحقه بالرسالة، فهل يقول مسلم مثل هذا؟! الوجه السابع: أن القربى معرفة باللام، فلا بد أن يكون معروفا عند المخاطبين الذين أمر أن يقول لهم: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا﴾ وأما قوله: «والثلاثة لا تجب موالاتهم» فممنوع، بل يجب أيضا مودتهم وموالاتهم، (١) الآية ٢٣ من سورة الشورى.
(٢) الآية ٨٦ من سورة ص. (٣) الآية ٤٠ من سورة الطور.
(٤) الآية ٤٧ من سورة سبأ.
(٥) الآية ٥٧ من سورة الفرقان.
فإنه قد ثبت أن الله يحبهم، ومن كان الله يحبه وجب علينا أن نحبه، فإن الحب في الله والبغض في الله واجب، وهو أوثق عرى الإيمان.
وكذلك هم من أكابر أولياء الله المتقين، وقد أوجب الله موالاتهم، بل قد ثبت أن الله رضي عنهم ورضوا عنه بنص القرآن، وكل من رضي الله عنه فإنه يحبه.
والمقصود أن قوله: «وغير علي من الثلاثة لا تجب مودته» كلام باطل عند الجمهور، بل مودة هؤلاء أوجب عند أهل السنة من مودة علي، لأن وجوب المودة على مقدار الفضل.
وأما قوله: «إن مخالفته تنافي المودة، وامتثال أوامره هو مودته، فيكون واجب الطاعة، وهو معنى الإمامة».
فجوابه من وجوه: أحدها: إن كان المودة توجب الطاعة فقد وجبت مودة ذوي القربى فتجب طاعتهم، فيجب أن تكون فاطمة أيضا إماما، وإن كان هذا باطلا فهذا مثله.
الثاني: أن المودة ليست مستلزمة للإمامة في حال وجوب المودة، فليس من وجبت مودته كان إماما حينئذ، بدليل أن الحسن والحسين تجب مودتهما قبل مصيرهما إمامين، وعلي تجب مودته في زمن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ولم يكن إماما، بل تجب وإن تأخرت إمامته إلى مقتل عثمان.
وهؤلاء القوم مع أهل السنة بمنزلة النصارى مع المسلمين، فالنصارى يجعلون المسيح إلها، ويجعلون إبراهيم وموسى ومحمدا أقل من الحواريين الذين كانوا مع عيسى.
وهؤلاء يجعلون عليا هو الإمام المعصوم، أو هو النبي أو إله، والخلفاء الأربعة أقل من مثل الأشتر النخعي وأمثاله الذين قاتلوا معه.
ولهذا كان جهلهم وظلمهم أعظم من أن يوصف: ويتمسكون بالمنقولات المكذوبة، والألفاظ المتشابهة، والأقيسة الفاسدة، ويدعون المنقولات الصادقة بل المتواترة، والنصوص البينة، والمعقولات الصريحة.