قال الرافضي: «البرهان الثالث: قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ (٢). فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الرب برسالتي، وبالولاية لعلي من بعدي.
ثم قال: من كنت (١) الآية ٦٧ من سورة المائدة.
(٢) الآية ٣ من سورة المائدة.
مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من ولاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله».
والجواب من وجوه: أحدها: أن المستدل عليه بيان صحة الحديث.
ومجرد عزوه إلى رواية أبي نعيم لا تفيد الصحة باتفاق الناس: علماء السنة والشيعة؛ فإن أبا نعيم روى كثيرا من الأحاديث التي هي ضعيفة، بل موضوعة، باتفاق علماء أهل الحديث: السنة والشيعة، وهو وإن كان حافظا، كثير الحديث، واسع الرواية، لكن روى، كما هي عادة المحدثين أمثاله يروون جميع ما في الباب، لأجل المعرفة بذلك.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة بالموضوعات.
وهذا يعرفه أهل العلم بالحديث، والمرجع إليهم في ذلك.
ولذلك لا يوجد هذا في شيء من كتب الحديث التي يرجع إليها.
الوجه الثالث: أنه قد ثبت في الصحاح والمسانيد والتفسير أن هذه الآية نزلت على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وهو واقف بعرفة، وقال رجل من اليهود لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا.
فقال له عمر: أي آية هي؟ قال: قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ (١). فقال عمر: إني لأعلم أي يوم نزلت، وفي أي مكان نزلت.
نزلت يوم عرفة بعرفة، ورسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - واقف بعرفة (٢). وهذا مستفيض من وجوه أخر، وهو منقول في كتب المسلمين: الصحاح والمسانيد والجوامع والسير والتفسير وغير ذلك.
وهذا اليوم كان قبل يوم غدير خم بتسعة أيام؛ فإنه كان يوم الجمعة تاسع ذي الحجة، فكيف يقال: إنها نزلت يوم الغدير؟! الوجه الرابع: أن هذه الآية ليس فيها دلالة على علي ولا إمامته بوجه من الوجوه، بل فيها إخبار الله بإكمال الدين وإتمام النعمة على المؤمنين، ورضا الإسلام دينا.
فدعوى المدعى أن القرآن يدل على إمامته من هذا الوجه كذب ظاهر.
الوجه الخامس: أن هذا اللفظ، وهو قوله: «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، (١) الآية ٣ من سورة المائدة.
(٢) انظر البخاري جذ ص ١٤ ومواضع أخر ومسلم ج٤ ص ٢٣١٢ - ٢٣١٣.
وانصر من نصره، واخذل من خذله» كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث.
وأما قو له: «من كنت مولاه فعلي مولاه» فلهم فيه قولان: وسنذكره إن شاء الله تعالى في موضعه.
الوجه السادس: أن دعاء النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مجاب، وهذا الداء ليس بمجاب.
فعلم أنه ليس من دعاء النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، فإنه من المعلوم لما تولى كان الصحابة وسائر المسلمين ثلاثة أصناف: صنف قاتلوا معه، وصنف قاتلوه، وصنف قعدوا عن هذا وهذا.
وأكثر السابقين الأولين كانوا من القعود.
ثم إن هؤلاء الذين قاتلوه لم يخذلوا، بل ما زالوا منصورين يفتحون البلاد، ويقتلون الكفار.
وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله» قال معاذ بن جبل: «وهم بالشام» (١). والعسكر الذين قاتلوا مع معاوية ما خذلوا قط، بل ولا في قتال علي.
فكيف يكون النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «اللهم اخذل من خذله وانصر من نصره» والذين قاتلوا معه لم ينصروا على هؤلاء، بل الشيعة الذين تزعمون أنهم مختصون بعلي ما زالوا مخذولين مقهورين لا ينصرون إلا مع غيرهم: إما مسلمين، وإما كفار، وهم يدعون أنهم أنصاره، فأين نصر الله لمن نصره؟! وهذا وغيره مما يبين كذب هذا الحديث.