قال الرافضي: «الفصل السادس: في فسخ حججهم على إمامة أبي بكر.
احتجوا بوجوه: الإجماع.
والجواب منع الإجماع؛ فإن جماعة من بني هاشم لم يوافقوا على ذلك، وجماعة من أكابر الصحابة، كسلمان وأبي ذر والمقداد وعمار وحذيفة وسعد بن عبادة وزيد بن أرقم وأسامة بن زيد وخالد بن سعيد بن العاص وابن عباس.
حتى أن أباه أنكر ذلك، وقال: من استخلف علي الناس؟ فقالوا: ابنك.
قال: وما فعل المستضعفان؟ إشارة إلى علي والعباس.
قالوا: اشتغلوا بتجهيز رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ورأوا أن ابنك أكبر الصحابة سنا، فقال: أنا أكبر منه.
وبنو حنيفة كافة لم يحملوا الزكاة إليه، حتى سماهم أهل الردة، وقتلهم وسباهم، فأنكر عمر عليه، ورد السبايا أيام خلافته».
والجواب: بعد أن يقال: الحمد لله الذي أظهر من أمر هؤلاء إخوان المرتدين ما تحقق به عند الخاص والعام أنهم إخوان المرتدين حقا، وكشف أسرارهم، وهتك أستارهم بألسنتهم؛ فإن الله لا يزال يطلع على خائنة منهم، تبين عداوتهم لله ورسوله، والخيار عباد الله وأوليائه المتقين، ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا.
فنقول: من كان له أدنى علم بالسيرة، وسمع مثل هذا الكلام، جزم بأحد أمرين: إما بأن قاتله من أجهل الناس بأخبار الصحابة، وإما أنه من أجرأ الناس على الكذب.
فظني أن هذا المصنف وأمثاله من شيوخ الرافضة ينقلون ما في كتب سلفهم، من غير اعتبار منهم لذلك، ولا نظر في أخبار الإسلام، وفي الكتب المصنفة في ذلك، حتى يعرف أحوال الإسلام، فيبقى هذا وأمثاله في ظلمة الجهل بالمنقول والمعقول.
ولا ريب أن المفترين للكذب من شيوخ الرافضة كثيرون جدا وغالب القوم ذوو هوى أو جهل، فمن حدثهم بما يوافق هواهم صدقوه، ولم يبحثوا عن صدقه وكذبه، ومن حدثهم بما يخالف أهواءهم كذبوه، ولم يبحثوا عن صدقه وكذبه.
ولهم نصيب وافر من قوله تعالى: ﴿(فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه﴾ (١)، كما أن أهل العلم والدين لهم نصيب وافر من قوله تعالى: ﴿(والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون﴾ (٢). ومن أعظم ما في هذا الكلام من الجهل والضلال جعله بني حنيفة من أهل الإجماع؛ فإنهم لما امتنعوا عن بيعته ولم يحملوا إليه الزكاة سماهم أهل الردة، وقتلهم وسباهم.
وقد تقدم مثل هذا في كلامه.
وبنو حنيفة قد علم الخاص والعام أنهم آمنوا بمسيلمة الكذاب، الذي ادعى النبوة باليمامة، وادعى أنه شريك النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في الرسالة، وادعى النبوة في آخر حياة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -. وأمر مسيلمة وادعاؤه النبوة واتباع بني حنيفة له أشهر وأظهر من أن يخفى، إلا على من هو أبعد الناس عن المعرفة والعلم.
ومن أعظم فضائل أبي بكر عند الأمة - أولهم وآخرهم - أنه قاتل المرتدين.
وأعظم الناس ردة كان أبو حنيفة، ولم يكن قتاله لهم على منع الزكاة، بل قاتلهم على أنهم آمنوا بمسيلمة الكذاب.
وكانوا فيما يقال نحو مائة ألف.
والحنفية أم محمد بن الحنفية سرية علي كانت من بني حنيفة، وبهذا احتج من جوز سبي المرتدات إذا كانت المرتدون محاربين، فإذا كانوا مسلمين معصومين، فكيف استجاز علي أن يسبي نساءهم، ويطأ من ذلك السبي؟ وأما قول الرافضي: إن عمر أنكر قتال أهل الردة.
فمن أعظم الكذب والافتراء على عمر، بل الصحابة كانوا متفقين على قتال مسيلمة وأصحابه ولكن كانت طائفة أخرى مقرين بالإسلام، وامتنعوا عن أداء الزكاة، فهؤلاء حصل لعمر أولا شبهة في قتالهم حتى ناظره الصديق، وبين وجوب قتالهم، فرجع إليه والقصة في ذلك مشهورة.
(١) الآية ٣٢ من سورة الزمر.
(٢) الآية ٣٣ من سورة الزمر.
فإن جاز أن يطعن في الصديق والفاروق أنهما قاتلا لأخذ المال فالطعن في غيرهما أوجه، فإذا وجب الذب عن عثمان وعلي فهو عن أبي بكر وعمر أوجب.
وعلي يقاتل ليطاع ويتصرف في النفوس والأموال فكيف يجعل هذا قتالا على الدين؟ وأبو بكر يقاتل من ارتد عن الإسلام ومن ترك ما فرض الله، ليطيع الله ورسوله فقط، ولا يكون هذا قتالا على الدين؟ وأما الذين عدهم هذا الرافضي أنهم تخلفوا عن بيعة الصديق من أكابر الصحابة، فذلك كذب عليهم، إلا على سعد بن عبادة، فإن مبايعة هؤلاء لأبي بكر وعمر أشهر من أن تنكر، وهذا مما اتفق عليه أهل العلم بالحديث والسير والمقولات، وسائر أصناف أهل العلم، خلفا عن سلف.
وأسامة بن زيد ما خرج في السرية حتى بايعه، ولهذا يقول له: «يا خليفة رسول الله».
وكذلك جميع من ذكره بايعه.
لكن خالد بن سعيد كان نائبا للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، فلما مات النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «لا أكون نائبا لغيره» فترك الولاية، وإلا فهو من المقرين بخلافة الصديق.
وقد علم بالتواتر أنه لم يتخلف عن بيعته إلا سعد بن عبادة.
وأما علي وبنو هاشم فكلهم بايعه باتفاق الناس، لم يمت أحد منهم إلا وهو مبايع له.
لكن قيل: علي تأخرت بيعته ستة أشهر.
وقيل: بل بايعه ثاني يوم.
وبكل حال فقد بايعوه من غير إكراه.
ثم جميع الناس بايعوا عمر، إلا سعدا، ولم يتخلف عن بيعة عمر أحد: لا بنو هاشم ولا غيرهم.
وأما بيعة عثمان فاتفق الناس كلهم عليها.
وما ذكره عن أبي قحافة فمن الكذب المتفق عليه، ولكن أبو قحافة كان بمكة، وكان شيخا كبيرا أسلم عام الفتح.
أتى به أبو بكر إلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ورأسه ولحيته مثل الثغامة، فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «لو أقررت الشيخ مكانه لأتيناه» (١) إكراما لأبي بكر.
وقوله: «إنهم قالوا لأبي قحافة: إن ابنك أكبر الصحابة سنا» كذب ظاهر.
وفي (١) انظر المسند ج٣ ص ١٦٠.
الصحابة خلق كثير أسن من أبي بكر، مثل العباس، فإن العباس كان أسن من النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بثلاث سنين، والنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان أسن من أبي بكر.
وحينئذ فالجواب عن منعه الإجماع من وجوه: أحدها: أن هؤلاء الذين ذكرهم لم يتخلف منهم إلا سعد بن عبادة، وإلا فالبقية كلهم بايعوه باتفاق أهل النقل.
وطائفة من بني هاشم قد قيل: إنها تخلفت عن مبايعته أولا، ثم بايعته بعد ستة أشهر، من غير رهبة ولا رغبة.
ولا ريب أن الإجماع المعتبر في الإمامة لا يضر فيه تخلف الواحد والاثنين والطائفة القليلة، فإنه لو اعتبر ذلك لم يكد ينعقد إجماع على إمامة، فإن الإمامة أمر معين، فقد يتخلف الرجل لهوى لا يعلم، كتخلف سعد، فإنه كان قد استشرف إلى أن يكون هو أميرا من جهة الأنصار، فلم يحصل له ذلك، فبقي في نفسه بقية هوى.
ومن ترك الشيء لهوى، لم يؤثر تركه.
الثاني: أنه لو فرض خلاف هؤلاء الذين ذكرهم، وبقدرهم مرتين لم يقدح في ثبوت الخلافة، فإنه لا يشترط في الخلافة إلا اتفاق أهل الشوكة والجمهور الذين يقام بهم الأمر، بحيث يمكن أن يقام بهم مقاصد الإمامة، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة» (١). الثالث: أن يقال: إجماع الأمة على خلافة أبي بكر كان أعظم من اجتماعهم على مبايعة علي؛ فإن ثلث الأمة - أو أقل أو أكثر - لم يبايعوا عليا؛ بل قاتلوه.
والثلث الآخر لم يقاتلوا معه، وفيهم من لم يبايعه أيضا.
والذين لم يبايعوه منهم من قاتلهم، ومنهم من لم يقاتلهم.
فإن جاز القدح في الإمامة بتخلف بعض الأمة عن البيعة، كان القدح في إمامة علي أولى بكثير.
فلا طريق يثبت بها كون علي مستحقا للإمامة، إلا وتلك الطريق يثبت بها أن أبا بكر مستحق للإمامة، وأنه أحق للإمامة من علي وغيره.
وحينئذ فالإجماع لا يحتاج إليه في الأولى (٢) ولا في الثانية، وإن كان الإجماع حاصلا.
(١) انظر سنن الترمذي ج٣ ص ٣١٦. (٢) يعني وجود خلافته ووقوعها.