وأما تسميته بخليفة رسول الله؛ فإن المسلمين سموه بذلك.
فإن كان الخليفة هو المستخلف، كما ادعاه هذا، كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قد استخلفه، كما يقول ذلك من يقوله من أهل السنة.
وإن كان الخليفة هو الذي خلف غيره - وإن كان لم يستخلفه ذلك الغير كما يقوله الجمهور - لم يحتج في هذا الاسم إلى الاستخلاف.
والاستعمال الموجود في الكتاب والسنة يدل على أن هذا الاسم يتناول كل من خلف غيره: سواء استخلفه أو لم يستخلفه، كقوله تعالى: ﴿ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون﴾ (١). (فصل) قال الرافضي: «ومنها ما رووه عن عمر.
روى أبو نعيم الحافظ في كتابه «حلية الأولياء» أنه قال لما احتضر قال: يا ليتني كنت كبشا لقومي فسمنوني ما بدا لهم، ثم جاءهم أحب قومهم إليهم فذبحوني، فجعلوا نصفي شواء ونصفي قديدا، فأكلوني، فأكون عذرة ولا أكون بشرا.
وهل هذا إلا مساو لقول الكافر: ﴿يا ليتني كنت ترابا﴾ (٢). قال: «وقال لابن عباس عند احتضاره: لو أن لي ملء الأرض ذهباومثله معه لافتديت به نفسي من هول المطلع.
وهذا مثل قوله: ﴿ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب﴾ (٣). فلينظر المنصف العاقل قول الرجلين عند احتضارهما، وقول علي: متى ألقى الأحبة..؟ محمدا وحزبه... متى ألقاها..؟ متى يبعث أشقاها وقوله حين قتله ابن ملجم: فزت ورب الكعبة».
(١) الآية ١٤ من سورة يونس.
(٢) الآية ٤٠ من سورة النبأ.
(٣) الآية ١ من سورة الزمر.
والجواب: أن في هذا الكلام من الجهالة ما يدل على فرط جهل قائله؛ وذلك أن ما ذكره عن علي قد نقل مثله عمن هو دون أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، بل نقل مثله عمن يكفر علي بن أبي طالب من الخوارج.
كقول بلال عتيق أبي بكر عند الاحتضار، وامرأته تقول: واحرباه، وهو يقول: واطرباه غدا ألقى الأحبة محمدا وحزبه.
وكان عمر قد دعا لما عارضوه في قسمة الأرض فقال: «اللهم اكفني بلالا وذويه» فما حال الحول وفيهم عين تطرف.
وروى أبو نعيم في «الحلية»: «حدثنا القطيعي، حدثنا الحسن بن عبد الله، حدثنا عامر بن سيار، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن الحارث بن عمير، قال: طعن معاذ وأبو عبيدة وشرحبيل بن حسنة وأبو مالك الأشعري في يوم واحد.
فقال معاذ: إنه رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، وقبض الصالحين قبلكم.
اللهم آت آل معاذ النصيب الأوفر من هذه الرحمة.
فما أمسى حتى طعن ابنه عبد الرحمن بكره الذي كان يكنى به، وأحب الخلق إليه.
فرجع من المسجد فوجده مكروبا.
فقال: يا عبد الرحمن كيف أنت؟ قال: يا أبت الحق من ربك فلا تكونن من الممترين.
قال: وأنا إن شاء الله ستجدني من الصابرين.
فأمسكه ليله ثم دفنه من الغد.
وطعن معاذ، فقال حين اشتد به النزع، نزع الموت، فنزع نزعا لم ينزعه أحد، وكان كلما أفاق فتح طرفه، وقال: رب اخنقني خنقك، فوعزتك إنك لتعلم أن قلبي يحبك» (١). وكذلك قوله: فزت ورب الكعبة.
قد قالها من هو دون علي، قالها عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق لما قتل يوم بئر معونة.
وكان قد بعثه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مع سرية قبل نجد.
قال العلماء بالسير: طعنه جبار بن سلمى فأنفذه.
فقال عامر: فزت والله.
فقال جبار: ما قوله فزت والله؟ قال عروة بن الزبير: يرون أن الملائكة دفنته (٢). وشبيب الخارجي لما طعن دخل في الطعنة، وجعل يقول: وعجلت إليك رب لترضى.
وأعرف شخصا من أصحابنا لما حضرته الوفاة جعل يقول: حبيبي هاقد جئتك، حتى (١) انظر الحلية ج١ ص٢٤٠. (٢) انظر الحلية ج١ ص٢٤٠.
خرجت نفسه.
ومثل هذا كثير.
وأما خوف عمر وخشيته من الله لكمال علمه؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (١). وقد كان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء (٢). وأما قول الرافضي: «وهل هذا إلا مساو لقول الكافر: ﴿يا ليتني كنت ترابا﴾ (٣). فهذا جهل منه؛ فإن الكافر يقول ذلك يوم القيامة، حين لا تقبل توبة، ولا تنفع حسنة.
وأما من يقول ذلك في الدنيا، فهذا يقوله في دار العمل على وجه الخشية لله، فيثاب على خوفه من الله.
وقد قالت مريم: ﴿ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا﴾ (٤). ولم يكن هذا كتمني الموت يوم القيامة.
ولا يجعل هذا كقول أهل النار، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك﴾ (٥). وكذلك قوله: ﴿ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون﴾ (٦)؛ فهذا إخبار عن حالهم يوم القيامة حين لا ينفع توبة ولا خشية.
وأما في الدنيا، فالعبد إذا خاف ربه كان خوفه مما يثيبه الله عليه، فمن خاف الله في الدنيا أمنه يوم القيامة، ومن جعل خوف المؤمن من ربه في الدنيا كخوف الكافر في الآخرة، فهو كمن جعل الظلمات كالنور، والظل كالحرور، والأحياء كالأموات.
(١) انظر الحلية ج١ ص٢٤٠. (٢) انظر سنن النسائي ج٣ ص١٤ والمسند ج٤ ص ٢٥، ٢٦. (٣) الآية ٤٠ من سورة النبأ.
(٤) الآية ٢٣ من سورة مريم.
(٥) الآية ٧٧ من سورة الزخرف.
(٦) الآية ٤٧ من سورة الزمر.