كتاب مختصر منهاج السنة(فصل)
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال الرافضي: «الرابع: أنه - صلى الله عليه وآله وسلم - استخلفه على المدينة مع قصر مدة الغيبة، فيجب أن يكون خليفة له بعد موته.
وليس غير علي إجماعا، ولأنه لم يعزله عن المدينة، فيكون خليفة له بعد موته فيها، وإذا كان خليفة فيها كان خليفة في غيرها إجماعا».
والجواب: أن هذه الحجة وأمثالها من الحجج الداحضة، التي هي من جنس بيت العنكبوت.
والجواب عنها من وجوه: أحدها: أن نقول على أحد القولين: إنه استخلف أبا بكر بعد موته كما تقدم.
وإذا قالت

الرافضة: بل استخلف عليا.
قيل: الرواندية من جنسكم قالوا: استخلف العباس، وكل من كان له علم بالمنقولات الثابتة يعلم أن الأحاديث الدالة على استخلاف أحد بعد موته إنما تدل على استخلاف أبي بكر، ليس فيها شيء يدل على استخلاف علي ولا العباس، بل كلها تدل على أنه لم يستخلف واحدا منهما.
فيقال حينئذ: إن كان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - استخلف أحدا فلم يستخلف إلا أبا بكر، وإن لم يستخلف أحدا فلا هذا ولا هذا.
الوجه الثاني: أن نقول: أنتم لا تقولون بالقياس، وهذا احتجاج بالقياس، حيث قستم الاستخلاف في الممات على الاستخلاف في المغيب.
وأما نحن إذا فرضنا على أحد القولين فنقول: الفرق بينهما ما نبهنا عليه في استخلاف عمر في حياته، وتوقفه في الاستخلاف بعد موته، لأن الرسول في حياته شاهد على الأمة، مأمور بسياستها بنفسه أو نائبه، وبعد موته انقطع عنه التكليف.
كما قال المسيح: ﴿وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم﴾ (١). الآية، لم يقل: كان خليفتي الشهيد عليهم.
وهذا دليل على أن المسيح لم يستخلف، فدل على أن الأنبياء لا يجب عليهم الاستخلاف بعد الموت.
وكذلك ثبت عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: «فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم﴾ (٢). الوجه الثالث: أن يقال: الاستخلاف في الحياة واجب على كل ولي أمر؛ فإن كل ولي أمر - رسولا كان أو إماما - عليه أن يستخلف فيما غاب عنه من الأمور، فلا بد له من إقامة الأمر: إما بنفسه، وإما بنائبه.
فما شهده من الأمر أمكنه أن يقيمه بنفسه، وأما ما غاب عنه فلا يمكنه إقامته إلا بخليفة يستخلفه عليه، فيولي على من غاب عنه من رعيته من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويأخذ منهم الحقوق، ويقيم فيهم الحدود، ويعدل بينهم في الأحكام، كما كان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يستخلف في حياته على كل ما غاب عنه، فيولي الأمراء على السرايا: يصلون بهم، ويجاهدون بهم، ويسوسونهم، ويؤمر أمراء على الأمصار، بخلاف (١) الآية ١١٧ من سورة المائدة.
(٢) انظر البخاري ج٤ ص١٦٨ ومواضع أخر.

الاستخلاف بعد الموت، فإنه قد بلغ الأمة، وهو الذي يجب عليهم طاعته بعد موته، فيمكنهم أن يعينوا من يؤمرونه عليهم، كما يمكن ذلك في كل فروض الكفاية التي تحتاج إلى واحد معين - علم أنه لا يلزم من وجوب الاستخلاف في الحياة بعد الموت.
الرابع: أن الاستخلاف في الحياة واجب في أصناف الولايات، كما كان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يستخلف على من غاب عنهم من يقيم فيهم الواجب.
ومعلوم أن هذا الاستخلاف لا يجب بعد الموت باتفاق العقلاء، بل ولا يمكن، فإنه لا يمكن أن يعين للأمة بعد موته من يتولى كل أمر جزئي، فإنهم يحتاجون إلى واحد بعد واحد، وتعيين ذلك متعذر.
الوجه الخامس: إن ترك الاستخلاف بعد مماته كان أولى من الاستخلاف كما اختاره الله لنبيه، فإنه لا يختار له إلا أفضل الأمور.
فعلم أن ترك الاستخلاف من النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بعد الموت أكمل في حق الرسول من الاستخلاف، وأن من قاس وجوب الاستخلاف بعد الممات على وجوبه في الحياة كان من أجهل الناس.
وأبو بكر لم يكن يعلم أن الأمة يولون عمر إذا لم يستخلفه أبو بكر.
فكان ما فعله النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - هو اللائق به لفضل علمه، وما فعله صديق الأمة هو اللائق به إذ لم يعلم ما علمه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -. الوجه السادس: أن يقال: هب أن الاستخلاف واجب، فقد استخلف النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أبا بكر على قول من يقول: إنه استخلفه، ودل على استخلافه على القول الآخر.
وقوله: «لأنه لم يعزله عن المدينة».
قلنا: هذا باطل، فإنه لما رجع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - انعزل علي بنفس رجوعه، كما كان غيره ينعزل إذا رجع.
وقد أرسله بعد هذا إلى اليمن، حتى وافاه الموسم في حجة الوداع، واستخلف على المدينة في حجة الوداع غيره.
أفترى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فيها مقيما وعلي باليمن، وهو خليفة بالمدينة؟! ولا ريب أن كلام هؤلاء كلام جاهل بأحوال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، كأنهم ظنوا أن عليا ما زال

خليفة على المدينة حتى مات النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، ولم يعلموا أن عليا بعد ذلك أرسله النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - سنة تسع مع أبي بكر لنبذ العهود، وأمر عليه أبا بكر.
ثم بعد رجوعه مع أبي بكر أرسله إلى اليمن، كما أرسل معاذا وأبا موسى.

فصول الكتاب · 197 فصل · 535 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كتاب مختصر منهاج السنة · 535 صفحة
مقدمة الكتابالمقدمة(فصل)(فصل)متى سموا رافضة وكذا الزيديةذكر بعض حماقات الرافضة(فصل)شرك بعض الصوفية حتى في الربوبيةلا وجود لإلياس والخضرأصول الدين عند الإماميةتناقض الرافضة في الإمامة بين القول والتطبيقلا يحصل بمعرفة الإمام خير إن لم يعمل صالحاليست الإمامة من واجبات الدين(فصل)
(فصل)
(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)فصل(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)فصل(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)
جارٍ التحميل