قال الرافضي: «وأيضا الإجماع ليس أصلا في الدلالة، بل لا بد أن يستند المجمعون إلى دليل على الحكم حتى يجتمعوا عليه، وإلا كان خطأ، وذلك الدليل إما عقلي، وليس في العقل دلالة على إمامته، وإما نقلي، وعندهم أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مات من غير وصية، ولا نص على إمام، والقرآن خال منه، فلو كان الإجماع متحققا كان خطأ فتنتفي دلالته».
والجواب من وجوه: أحدها: أن قوله: «الإجماع ليس أصلا في الدلالة».
إن أراد به أن أمر المجتمعين لا تجب طاعته لنفسه، وإنما تجب لكونه دليلا على أمر الله ورسوله، فهذا صحيح.
ولكن هذا لا يضر؛ فإن أمر الرسول كذلك لم تجب طاعته لذاته، بل لأن من أطاع الرسول فقد أطاع الله.
ففي الحقيقة لا يطاع أحد لذاته إلا الله.
له الخلق والأمر، وله الحكم، وليس الحكم إلا لله.
وإنما وجبت طاعة الرسول لأن طاعته طاعة الله، ووجبت طاعة المؤمنين المجتمعين، لأن طاعتهم طاعة الله والرسول، ووجب تحكيم الرسول، لأن حكمه حكم الله.
وكذلك تحكيم الأمة، لأن حكمها حكم الله.
وإن أراد به أنه قد يكون موافقا للحق، وقد يكون مخالفا له، وهذا هو الذي أراده.
فهذا قدح في كون الإجماع حجة، ودعوى أن الأمة قد تجتمع على الضلالة والخطأ.
كما يقول ذلك من يقوله من الرافضة الموافقين للنظام.
وحينئذ فيقال: كون علي إماما ومعصوما وغير ذلك من الأصول، الإمامية أثبتوه بالإجماع، إذ عمدتهم في أصول دينهم على ما يذكرونه من العقليات وعلى الإجماع، وعلى ما ينقلونه.
فهم يقولون: علم بالعقل لأنه لا بد للناس من إمام معصوم وإمام منصوص عليه، وغير علي ليس معصوما ولا منصوصا عليه بالإجماع، فيكون المعصوم هو عليا، وغير ذلك من مقدمات حججهم.
فيقال لهم: إن لم يكن الإجماع حجة، فقد بطلت تلك الحجج، فبطل ما بنوه على الإجماع من أصولهم، فبطل قولهم.
وإذا بطل ثبت مذهب أهل السنة.
وإن كان الإجماع حقا، فقد ثبت أيضا مذهب أهل السنة، فقد تبين بطلان قولهم سواء قالوا: الإجماع حجة أم لم يقولوا، وإذا بطل قولهم ثبت مذهب أهل السنة وهو المطلوب.
وإن قالوا: نحن لم ندع الإجماع ولا نحتج به في شيء من أصولنا، وإنما عمدتنا العقل والنقل عن الأئمة المعصومين.
قيل لهم: إذا لم تحتجوا بالإجماع لم يبق معكم حجة سمعية غير النقل المعلوم عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -؛ فإن ما ينقلونه عن علي وغيره من الأئمة لا يكون حجة حتى نعلم عصمة الواحد من هؤلاء، وعصمة الواحد من هؤلاء لا تثبت إلا بنقل عمن علم عصمته، والمعلوم عصمته هو الرسول، فما لم يثبت نقل معلوم عن الرسول بما يقولونه، لم يكن معهم حجة سمعية أصلا: لا في أصول الدين ولا في فروعه، وحينئذ فيرجع الأمر إلى دعوى خلافة علي بالنص، فإن أثبتم النص بالإجماع فهو باطل، لنفيكم كون الإجماع حجة، وإن لم تثبتوه إلا بالنقل الخاص الذي يذكره بعضكم، فقد تبين بطلانه من وجوه، وتبين أن ما ينقله الجمهور وأكثر الشيعة مما يناقض هذا القول يوجب علما يقينيا بأن هذا كذب.