قال الرافضي: «وكان ولده محمد بن علي الجواد على منهاج أبيه في العلم والتقى والجود، ولما مات أبوه الرضا شغف بحبه المأمون لكثرة علمه ودينه ووفور عقله مع صغر سنه، وأراد أن يزوجه ابنته أم الفضل، وكان قد زوج أباه الرضا عليه السلام بابنته أم حبيب، فغلظ ذلك على العباسيين واستنكروه وخافوا أن يخرج الأمر منهم، وأن يبايعه كما بايع أباه، فاجتمع الأدنون منهم وسألوه ترك ذلك، وقالوا: إنه صغير السن لا علم عنده، فقال: أنا أعرف منكم به، فإن شئتم فامتحنوه، فرضوا بذلك، وجعلوا للقاضي يحيى بن أكثم مالا كثيرا على امتحانه في مسألة يعجزه فيها، فتواعدوا إلى يوم، وأحضره المأمون وحضر القاضي وجماعة العباسيين، فقال القاضي: أسألك عن شيء؟ فقال عليه السلام سل فقال: ما تقول في محرم قتل صيدا؟ فقال له عليه السلام قتله في حل أو حرم، عالما كان أو جاهلا، مبتدئا بقتله أو عائذا، من صغار الصيد كان أم من كبارها، عبدا كان المحرم أو حرا، صغيرا كان أو كبيرا، من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها؟ فتحير يحيى بن أكثم، وبان العجز في وجهه، حتى عرف جماعة أهل المجلس أمره، فقال المأمون لأهل بيته: عرفتم الآن ما كنتم تنكرونه، ثم أقبل الإمام فقال: أتخطب؟ قال: نعم فقال: اخطب لنفسك خطبة النكاح،
فخطب وعقد على خمسمائة درهم جيادا كمهر جدته فاطمة عليها السلام، ثم تزوج بها.
والجواب أن يقال: إن محمد بن علي الجواد كان من أعيان بني هاشم، وهو معروف بالسخاء والسؤدد.
ولهذا سمي الجواد، ومات وهو شاب ابن خمس وعشرين سنة، ولد سنة خمس وتسعين ومات سنة عشرين أو سنة تسع عشرة، وكان المأمون زوجه بابنته، وكان يرسل إليه في السنة ألف ألف درهم، واستقدمه المعتصم إلى بغداد، ومات بها.
وأما ما ذكره فإنه من نمط ما قبله، فإن الرافضة ليس لهم عقل صريح ولا نقل صحيح، ولا يقيمون حقا، ولا يهدمون باطلا، لا بحجة وبيان، ولا بيد وسنان، فإنه ليس فيما ذكره ما يثبت فضيلة محمد بن علي، فضلا عن ثبوت إمامته، فإن هذه الحكاية التي حكاها عن يحيى بن أكثم من الأكاذيب التي لا يفرح بها إلا الجهال، ويحيى بن أكثم كان أفقه وأعلم وأفضل من أن يطلب تعجيز شخص بأن يسأله عن محرم قتل صيدا، فإن صغار الفقهاء يعلمون حكم هذه المسألة، فليست من دقائق العلم ولا غرائبه، ولا مما يختص به المبرزون في العلم.