قال الرافضي: «وأما قوله: (﴿وسيجنبها الأتقى﴾ (٧)، فإن المراد به أبو الدحداح حيث اشترى نخلة لشخص لأجل جاره، وقد عرض النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - على صاحب النخلة نخلة في الجنة، فسمع أبو الدحداح، فاشتراها ببستان له ووهبها له الجار، فجعل النبي - (١) الآيتان ٢٥، ٢٦ من سورة التوبة.
(٢) الآية ١ من سورة الفتح.
(٣) الآية ٤ من سورة الفتح.
(٤) الآية ١٨ من سورة الفتح.
(٥) الآية ٤٠ من سورة التوبة.
(٦) الآية٤٠ من سورة التوبة.
(٧) الآية ١٧ من سورة الليل.
صلى الله عليه وآله وسلم - له بستانا عوضا في الجنة».
والجواب: أن يقال: لا يجوز أن تكون هذه الآية مختصة بأبي الدحداح دون أبي بكر باتفاق أهل العلم بالقرآن وتفسيره وأسباب نزوله، وذلك أن هذه السورة مكية باتفاق العلماء.
وقصة أبي الدحداح كانت بالمدينة باتفاق العلماء؛ فإنه من الأنصار، والأنصار إنما صحبوه بالمدينة، ولم تكن البساتين - وهي الحدائق التي تسمى بالحيطان - إلا بالمدينة، فمن الممتنع أن تكون الآية لم تنزل إلا بعد قصة أبي الدحداح، بل إن كان قد قال بعض العلماء: إنها نزلت فيه، فمعناه أنه ممن دخل في الآية في كذا» ويكون المراد بذلك أنها دلت على هذا الحكم وتناولته، وأريد بها هذا الحكم.
ومنهم من يقول: بل قد تنزل الآية مرتين: مرة لهذا السبب، ومرة لهذا السبب.
فعلى قول هؤلاء يمكن أنها نزلت مرة ثانية في قصة أبي الدحداح، وإلا فلا خلاف بين أهل العلم أنها نزلت بمكة قبل أن يسلم أبو الدحداح، وقبل أن يهاجر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -. وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أنها نزلت في قصة أبي بكر.
فذكر ابن جرير في تفسيره بإسناده عن عبد الله بن الزبير وغيره أنها نزلت في أبي بكر.
وكذلك ذكره ابن أبي حاتم - والثعلبي - أنها نزلت في أبي بكر عن عبد الله وعن سعيد بن المسيب.
ويدل على أنها نزلت في أبي بكر وجوه: أحدها: أنه قال: (﴿وسيجنبها الأتقى﴾ (١)، وقال: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ (٢). فلا بد أن يكون أتقى الأمة داخلا في هذه الآية، وهو أكرمهم عند الله، ولم يقل أحد: إن أبا الدحداح ونحوه أفضل وأكرم من السابقين الأولين من المهاجرين.
الوجه الثاني: أنه إذا كان الأتقى هو الذي يؤتي ماله يتزكى، وأكرم الخلق أتقاهم، كان هذا أفضل الناس.
والقولان المشهوران في هذه الآية: قول أهل السنة أن أفضل الخلق أبو بكر، وقول (١) الآية ١٧ من سورة الليل.
(٢) الآية ١٣ من سورة الحجرات.
الشيعة علي، فلم يجز أن يكون الأتقى الذي هو أكرم الخلق على الله واحدا غيرهما، وليس منهما واحد يدخل في الأتقى، وإذا ثبت أنه لا بد من دخول أحدهما في «الأتقى» وجب أن يكون أبا بكر داخلا في الآية، ويكون أولى بذلك من علي لأسباب: أحدها: أنه قال: (﴿الذي يؤتي ماله يتزكى﴾ (١). وقد ثبت في النقل المتواتر - في الصحاح وغيرها - أن أبا بكر أنفق ماله، وأنه مقدم في ذلك على جميع الصحابة.
وأما علي فكان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يمونه لما أخذه من أبي طالب لمجاعة حصلت في بمكة، وما زال علي فقيرا حتى تزوج بفاطمة وهو فقير.
وهذا مشهور معروف عند أهل السنة والشيعة، وكان في عيال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، لم يكن له ما ينفقه، ولو كان له مال لأنفقه، لكنه كان منفقا عليه لا منفقا.
السبب الثاني: قوله: ﴿وما لأحد عنده من نعمة تجزى﴾ (٢). وهذه لأبي بكر دون علي، لأن أبا بكر كان للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عنده نعمة الإيمان أن هداه الله به، وتلك النعمة لا يجزى بها الخلق، بل أجر الرسول فيها على الله، كما قال تعالى: ﴿قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾ (٣)، وقال: ﴿قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله﴾ (٤). وأما النعمة التي يجزى بها الخلق فهي نعمة الدنيا، وأبو بكر لم تكن للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عنده نعمة الدنيا، بل نعمة دين، بخلاف علي، فإنه كان للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عنده نعمة دنيا يمكن أن تجزى.
الثالث: أن الصديق لم يكن بينه وبين النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - سبب يواليه لأجله، ويخرج ماله، إلا الإيمان، ولم ينصره كما نصره أبو طالب لأجل القرابة، وكان عمله كاملا في إخلاصه لله تعالى، كما قال: ﴿(إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى * ولسوف يرضى (﴾