قال الرافضي: «المنهج الثالث في الأدلة المستندة إلى السنة، المنقولة عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، وهي اثنا عشر: الأول: ما نقله الناس كافة أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ (٢) جمع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بني عبد المطلب في دار أبي طالب، وهم أربعون رجلا وأمر أن يصنع لهم فخذ شاة مع مد من البر ويعد لهم صاعا من اللبن، وكان الرجل منهم (١) انظر البخاري ج٨ ص ٦ ومسلم ج١ ص ١٩٧. (٢) الآية ٢١٤ من سورة الشعراء.
يأكل الجذعة في مقعد واحد، ويشرب الفرق من الشراب في ذلك المقام، فأكلت الجماعة كلهم من ذلك الطعام اليسير حتى شبعوا، ولم يتبين ما أكلوه، فبهرهم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وآله بذلك، وتبين لهم آية نبوته، فقال: يا بني عبد المطلب، إن الله بعثني بالحق إلى الخلق كافة، وبعثني إليكم خاصة، فقال: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان، ثقيلتين في الميزان، تملكون بهما العرب والعجم، وتنقاد لكم بهما الأمم، وتدخلون بهما الجنة، وتنجون بهما من النار: شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فمن يجيبني إلى هذا الأمر، ويؤازرني على القيام به يكن أخي وزيري، ووصيي ووارثي، وخليفتي من بعدي.
فلم يجبه أحد منهم.
فقال أمير المؤمنين: أنا يا رسول الله أؤازرك على هذا الأمر.
فقال: اجلس.
ثم أعاد القول على القوم ثانية فصمتوا.
فقال علي: فقمت فقلت مثل مقالتي الأولى، فقال: اجلس، ثم أعاد القول ثالثة، فلم ينطق أحد منهم بحرف، فقمت فقلت: أنا أؤازرك يا رسول الله على هذا الأمر.
فقال: اجلس فأنت أخي ووزيري، ووصيي ووارثي، وخليفتي من بعدي.
فنهض القوم وهم يقولون لأبي طالب: ليهنئك اليوم أن دخلت في دين ابن أخيك، فقد جعل ابنك أميرا عليك».
والجواب من وجوه: الأول: المطالبة بصحة النقل.
وما ادعاه من نقل الناس كافة فمن أظهر الكذب عند أهل العلم بالحديث، فإن هذا الحديث ليس في شيء من كتب المسلمين التي يستفيدون منها علم النقل: لا في الصحاح ولا في المسانيد والسنن والمغازي والتفسير التي يذكر فيها الإسناد والذي يحتج به، وإذا كان في بعض كتب التفسير التي ينقل منها الصحيح والضعيف، مثل تفسير الثعلبي والواحدي والبغوي، بل وابن جرير وابن أبي حاتم، لم يكن مجرد رواية واحد من هؤلاء دليلا على صحته باتفاق أهل العلم، فإنه إذا عرف أن تلك المنقولات فيها صحيح وضعيف، فلا بد من بيان أن هذا المنقول من قسم الصحيح دون الضعيف.
الثاني: أنا نرضى منه من هذا النقل العام بأحد شيئين: إما بإسناد يذكره مما يحتج.
به أهل العلم في مسائل النزاع، ولو أنه مسألة فرعية، وإما قول رجل من أهل الحديث الذين يعتمد الناس على تصحيحهم.
فإنه لو تناظر فقيهان في فرع من الفروع، لم تقم الحجة على المناظرة إلا بحديث يعلم أنه مسند إسنادا تقوم به الحجة، أو يصححه من يرجع إليه في ذلك.
فأما إذا لم يعلم إسناده، ولم يثبته أئمة النقل، فمن أين يعلم؟ لا سيما في مسائل الأصول التي يبنى عليها الطعن في سلف الأمة وجمهورها، ويتوسل بذلك إلى هدم قواعد الملة، فكيف يقبل في مثل ذلك حديث لا يعرف إسناده ولا يثبته أئمة النقل ولا يعرف أن عالما صححه.
الثالث: أن هذا الحديث كذب عند أهل المعرفة بالحديث، فما من عالم يعرف الحديث إلا وهو يعلم أنه كذب موضوع، ولهذا لم يروه أحد منهم في الكتب التي يرجع إليها في المنقولات، لأن من له أدنى معرفة بالحديث يعلم أن هذا كذب.
الرابع: أن بني عبد المطلب لم يبلغوا أربعين رجلا حين نزلت هذه الآية؛ فإنها نزلت بمكة في أول الأمر.
ولا بلغوا أربعين رجلا في مدة حياة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -. الخامس: قوله: «إن الرجل منهم كان يأكل الجذعة ويشرب الفرق من اللبن» فكذب على القوم، ليس بنو هاشم معروفين بمثل هذه الكثرة في الأكل، ولا عرف فيهم من كان يأكل جذعة ولا يشرب فرقا.
السادس: أن قوله للجماعة: «من يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني على القيام به يكن أخي ووزيري ووصيي وخليفتي من بعدي» كلام مفترى على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، لا يجوز نسبته إليه.
فإن مجرد الإجابة إلى الشهادتين والمعاونة على ذلك لا يوجب هذا كله؛ فإن جميع المؤمنين أجابوا إلى هاتين الكلمتين، وأعانوه على هذا الأمر، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في إقامته وطاعته، وفارقوا وأوطانهم، وعادوا إخوانهم، وصبروا على الشتات بعد الألفة، وعلى الذل بعد العز، وعلى الفقر بعد الغنى، وعلى الشدة بعد الرخاء، وسيرتهم معروفة مشهورة.
ومع هذا فلم يكن أحد منهم بذلك خليفة له.
وأيضا فإن كان عرض هذا الأمر على أربعين رجلا أمكن أن يجيبوه - أو أكثرهم أو عدد منهم - فلو أجابه منهم عدد من كان الذي يكون الخليفة بعده.
السابع: أن حمزة وجعفرا وعبيدة بن الحارث أجابوا إلى ما أجابه علي من الشهادتين
والمعاونة على هذا الأمر.
الثامن: أن الذي في الصحاح من نزول هذه الآية غير هذا.
ففي الصحيحين عن ابن عمر وأبي هريرة - واللفظ له - عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ (١) دعا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قريشا، فاجتمعوا، فخص وعم فقال: «يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار.
يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار.
يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار.
يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار.
يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار.
يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار.
يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها» (٢)