كتاب مختصر منهاج السنةصفحات 61-100
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وأما قول الرافضي: إنهم يقولون الإمام بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم -أبو بكر بمبايعة عمر، برضا أربعة، فيقال له ليس هذا قول أئمة السنة، وإن كان بعض أهل الكلام يقول إن الإمامة تنعقد ببيعة أربعة، كما قال بعضهم: تنعقد ببيعة اثنين، وقال بعضهم: تنعقد ببيعة واحد، فليس هذه أقوال أئمة السنة، بل الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إماما حتى يوافقه، أهل الشوكة الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة، فإن المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان، فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان، صار إماما، ولهذا قال أئمة السنة من صار له قدرة وسلطان، يفعل بهما مقصود الولاية فهو من أولي الأمر، الذين أمر الله بطاعتهم، ما لم يأمروا بمعصبة الله، فالإمامة ملك وسلطان، والملك لا يصير ملكا بموافقة واحد ولا اثنين، ولا أربعة، إلا أن تكون موافقة غيرهم بحيث يصير ملكا بذلك، وهكذا كل أمر يفتقر إلى المعاونة عليه، لا يحصل إلا بحصول من يمكنهم التعاون عليه، ولهذا لما بويع علي - رضي الله عنه - وصار معه شوكة صار إماما.
وأما قوله: ثم عثمان بن عفان بنص عمر على ستة هو أحدهم فاختاره بعضهم، فيقال أيضا عثمان لم يصر إماما باختيار بعضهم بل بمبايعة الناس له، وجميع المسلمين بايعوا عثمان بن عفان لم يتخلف عن بيعته أحد.
قال الإمام أحمد في رواية حمدان بن علي: ما كان في القوم اوكد من بيعة عثمان كانت بإجماعهم.
فلما بايعه ذوو الشوكة والقدرة صار إماما، وإلا لو قدر أن عبد الرحمن بايعه ولم يبايعه غيره علي ولا غيره من الصحابة أهل الشوكة لم يصر إماما.
ولكن عمر لما جعلها شورى في ستة: عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف ثم إنه خرج طلحة والزبير وسعد باختيارهم وبقي عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف، واتفق الثلاثة باختيارهم على أن عبد الرحمن بن عوف لا يتولى ويولي أحد الرجلين.

وأقام عبد الرحمن ثلاثا حلف أنه لم يغتمض فيها بكبير نوم، يشاور السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان، ويشاور أمراء الأمصار وكانوا قد حجوا مع عمر ذلك العام، فأشار عليه المسلمون بولاية عثمان.
وذكرهم أنهم كلهم قدموا عثمان فبايعوه، لا عن رغبة أعطاهم إياها ولا عن رهبة أخافهم بها، ولهذا قال غير واحد من السلف والأئمة كأيوب السختياني وأحمد بن حنبل والدارقطني وغيرهم: من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وهذا من الأدلة الدالة على أن عثمان أفضل لأنهم قدموه باختيارهم، واشتوارهم.
وأما قوله: ثم علي بمبايعة الخلق له فتخصيصه عليا بمبايعة الخلق دون أبي بكر وعمر وعثمان كلام ظاهر البطلان، وذلك أنه من المعلوم لكل من عرف سيرة القوم، أن اتفاق الخلق ومبايعتهم لأبي بكر وعمر وعثمان أعظم من اتفاقهم على بيعة علي - رضي الله عنه - وعنهم أجمعين وكل أحد يعلم أنهم اتفقوا على بيعة عثمان أعظم من اتفاقهم على بيعة علي والذين بايعوا عثمان في أول الأمر أفضل من الذين بايعوا عليا، فإنه بايعه علي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود والعباس بن عبد المطلب وأبي بن كعب وأمثالهم مع سكينة وطمأنينة، وبعد مشاورة المسلمين ثلاثة أيام، وأما علي - رضي الله عنه - فإنه بويع عقب قتل عثمان - رضي الله عنه -، والقلوب مضطربة، مختلفة وأكابر الصحابة متفرقون وأحضر طلحة إحضارا حتى قال من قال إنهم جاءوا به مكرها، وأنه قال بايعت واللج على قفي وكان لأهل الفتنة بالمدينة شوكة لما قتلوا عثمان، وماج الناس لقتله موجا عظيما، وكثير من الصحابة لم يبايع عليا كعبد الله بن عمر وأمثاله، وكان الناس معه ثلاثة أصناف، صنف قاتلوا معه، وصنف قاتلوه، وصنف لم يقاتلوه ولم يقاتلوا معه، فكيف يجوز أن يقال في علي بمبايعة الخلق له، ولا يقال مثل ذلك في مبايعة الثلاثة ولم يختلف عليهم أحد لما بايعهم الناس، كلهم لا سيما عثمان.
وأما أبو بكر - رضي الله عنه - فتخلف عن بيعته سعد لأنهم كانوا قد عينوه للإمارة، فبقي في نفسه ما يبقى في نفوس البشر، ولكن هو مع هذا - رضي الله عنه - لم يعارض، ولم يدفع حقا، ولا أعان

على باطل.
بل قد روى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في مسند الصديق عن عثمان، عن أبي معاوية عن داود بن عبد الله الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن هو الحميري فذكر حديث السقيفة وفيه: أن الصديق قال: «ولقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال وأنت قاعد قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم، قال، فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء» (١). فهذا مرسل حسن ولعل حميدا أخذه عن بعض الصحابة الذين شهدوا بذلك، وفيه فائدة جليلة جدا وهي أن سعد بن عبادة نزل عن مقامه الأول، في دعوى الإمارة، وأذعن للصديق بالإمارة فرضي الله عنهم أجمعين.
فإن قال: أردت أن أهل السنة يقولون إن خلافته انعقدت بمبايعة الخلق له، لا بالنص فلا ريب أن أهل السنة وإن كانوا يقولون: إن النص على أن عليا من الخلفاء الراشدين لقوله خلافة النبوة ثلاثون سنة، فهم يروون النصوص الكثيرة، في صحة خلافة غيره وهذا أمر معلوم عند أهل الحديث يروون، في صحة خلافة الثلاثة نصوصا كثيرة بخلاف خلافة علي، فإن نصوصها قليلة.
فإن الثلاثة اجتمعت الأمة عليهم، فحصل بهم مقصود الإمامة، وقوتل بهم الكفار وفتحت بهم الأمصار، وخلافة علي لم يقاتل فيها كافر.
ولا فتح مصر وإنما كان السيف بين أهل القبلة.
وأما النص الذي تدعيه الرافضة فهو كالنص الذي تدعيه الرواندية، على العباس وكلاهما معلوم الفساد بالضرورة عند أهل العلم، ولو لم يكن في إثبات خلافة علي إلا هذا لم تثبت له إمامة قط، كما لم تثبت للعباس إمامة بنظيره.
وأما قوله: ثم اختلفوا فقال بعضهم: إن الإمام بعده الحسن، وبعضهم قال إنه معاوية، (١) المسند ج١ ص ١٦٤ تحقيق أحمد شاكر.

فيقال أهل السنة لم يتنازعوا في هذا بل هم يعلمون أن الحسن بايعه أهل العراق مكان أبيه، وأهل الشام كانوا مع معاوية قبل ذلك.
وقوله: ثم ساقوا الإمامة في بني أمية ثم في بني العباس.
فيقال: أهل السنة لا يقولون إن الواحد من هؤلاء كان هو الذي يجب أن يولى دون من سواه، ولا يقولون إنه تجب طاعته في كل ما يأمر.
بل أهل السنة يخبرون بالواقع، ويأمرون بالواجب، فيشهدون بما وقع، ويأمرون بما أمر الله ورسوله، فيقولون هؤلاء هم الذين تولوا، وكان لهم سلطان وقدرة،، يقدرون بها على مقاصد الولاية، من إقامة الحدود، وقسم الأموال، وتولية الولاية، وجهاد العدو، وإقامة الحج والأعياد، والجمع وغير ذلك من مقاصد الولاية.
ويقولون: إن الواحد من هؤلاء ونوابهم وغيرهم لا يجوز أن يطاع في معصية الله تعالى - بل يشارك فيما يفعله من طاعة الله، فيغزى معه الكفار، ويصلى معه الجمعة، والعيدان ويحج معه، ويعاون في إقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمثال ذلك.
فيعاونون على البر والتقوى ولا يعاونون على الإثم والعدوان.
ويقولون: إنه قد تولى غير هؤلاء بالمغرب من بني أمية، ومن بني علي.
ومن المعلوم أن الناس لا يصلحون إلا بولاة، وأنه لو تولى من هو دون هؤلاء من الملوك الظلمة لكان ذلك خيرا من عدمهم.
كما يقال ستون سنة مع إمام جائر خير من ليلة واحدة بلا إمام، ويروى عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: «لا بد للناس من إمارة، برة كانت أو فاجرة، قيل له هذه البرة قد عرفناها فما بال الفاجرة؟ قال: يؤمن بها السبيل، ويقام بها الحدود، ويجاهد بها العدو، ويقسم بها الفيء» ذكره علي بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية.
وكل من تولى كان خيرا من المعدوم المنتظر، الذي تقول الرافضة إنه الخلف الحجة، فإن هذا لم يحصل بإمامته شيء من المصلحة، لا في الدنيا ولا في الدين أصلا، ولا فائدة في إمامته، إلا الاعتقادات الفاسدة، والأماني الكاذبة، والفتن بين الأمة وانتظار من لا يجيء فتطوى الأعمار ولم يحصل من فائدة هذه الإمامة شيء.
والناس لا يمكنهم بقاء أيام قليلة بلا ولاة أمور، بل كانت أمورهم تفسد، فكيف

تصلح أمورهم إذا لم يكن لهم إمام إلا من لا يعرف، ولا يدري ما يقول، ولا يقدر على شيء من أمور الإمامة، بل هو معدوم.
وأما آباؤه فلم يكن لهم قدرة وسلطان الإمامة، بل كان لأهل العلم والدين منهم إمامة أمثالهم من جنس الحديث، والفتيا ونحو ذلك، لم يكن لهم سلطان لشوكة، فكانوا عاجزين عن الإمامة، سواء كانوا أولى بالولاية أو لم يكونوا أولى.
فبكل حال ما مكنوا ولا ولوا، ولا كان يحصل بهم المطلوب، من الولاية لعدم القدرة والسلطان، ولو أطاعهم المؤمن لم يحصل له بطاعتهم المصالح التي تحصل بطاعة الأئمة من جهاد الأعداء، وإيصال الحقوق إلى مستحقيها، أو بعضهم وإقامة الحدود.
فإن قال القائل: إن الواحد من هؤلاء أو من غيرهم إمام أي ذو سلطان وقدرة، يحصل بهما مقاصد الإمامة، كان هذا مكابر للحس.
ولو كان ذلك كذلك لم يكن هناك متول يزاحمهم، ولا يستبد الأمر دونهم، وهذا لا يقوله أحد.
وإن قال أنهم أئمة بمعنى أنهم هم الذين يجب أن يولوا، وأن الناس عصوا بترك توليتهم.
فهذا بمنزلة أن يقال فلان كان يستحق أن يولى القضاء، ولكن لم يول ظلما وعدوانا.
ومن المعلوم أن أهل السنة لا ينازعون في أنه كان بعض أهل الشوكة بعد الخلفاء الأربعة، يولون شخصا وغيره أولى بالولاية منه، وقد كان عمر بن عبد العزيز يختار أن يولي القاسم بن محمد بعده لكنه لم يطق ذلك، لأن أهل الشوكة لم يكونوا موافقين على ذلك.
وحينئذ فأهل الشوكة الذين قدموا المرجوح وتركوا الراجح، والذي تولى بقوته وقوة أتباعه ظلما وبغيا، فيكون إثم هذه الولاية على من ترك الواجب مع قدرته على فعله، أو أعان على الظلم.
وأما من لم يظلم ولا أعان ظالما وإنما أعان على البر والتقوى فليس عليه من هذا شيء.
ومعلوم أن صالحي المؤمنين لا يعاونون الولاة إلا على البر والتقوى، لا يعاونونهم على الإثم والعدوان.

وأهل السنة يقولون ينبغي أن يولى الأصلح للولاية، إذا أمكن إما وجوبا عند أكثرهم، وإما استحبابا عند بعضهم، وأن من عدل عن الأصلح مع قدرته لهواه فهو ظالم، ومن كان عاجزا عن تولية الأصلح مع محبته لذلك فهو معذور.
ويقولون: من تولى فإنه يستعان به على طاعة الله بحسب الإمكان، ولا يعان إلا على طاعة الله، ولا يستعان به على معصية الله، ولا يعان على معصية الله تعالى.
أفليس قول أهل السنة في الإمامة خيرا من قول من يأمر بطاعة معدوم، أو عاجز لا يمكنه الإعانة المطلوبة من الأئمة، ولهذا كانت الرافضة لما عدلت عن مذهب أهل السنة في معونة أئمة المسلمين والاستعانة بهم، دخلوا في معاونة الكفار والاستعانة بهم.
فهم يدعون إلى الإمام المعصوم، ولا يعرف لهم إمام موجود، يأتمون به، إلا كفور أو ظلوم، فهم كالذي يحيل بعض العامة على أولياء الله رجال الغيب، ولا رجال للغيب عنده إلا أهل الكذب والمكر، الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله، أو الجن أو الشياطين الذين يحصل بهم لبعض الناس أحوال شيطانية.
فلو قدر أن ما تدعيه الرافضة من النص هو حق موجود، وأن الناس لم يولوا المنصوص عليه لكانوا قد تركوا من يجب توليته، ولولوا غيره وحينئذ فالإمام الذي قام بمقصود الإمامة هو هذا المولى، دون الممنوع المقهور.
نعم ذاك يستحق أن يولى، لكن ما ولي، فالإثم على من ضيع حقه، وعدل عنه لا على من لم يضع حقه ولم يتعد.
وهم يقولون: أن الإمام وجب نصبه، لأن لطف ومصلحة للعباد، فإذا كان الله ورسوله يعلم أن الناس لا يولون هذا المعين إذا أمروا بولايته كان أمرهم بولاية من يولونه وينتفعون بولايته أولى، من أمرهم بولاية من لا يولونه، ولا ينتفعون بولايته.
كما قيل في إمامة الصلاة والقضاء، وغير ذلك، فكيف إذا كان ما يدعونه من النص من أعظم الكذب والافتراء؟ والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم قد أخبر أمته بما سيكون، وما يقع بعده، من التفرق فإذا نص لأمته على إمامة شخص يعلم أنهم لا يولونه، بل يعدلون عنه ويولون غيره -يحصل لهم بولايته

مقصود الولاة - وأنه إذا أفضت النوبة إلى المنصوص حصل من سفك دماء الأمة ما لم يحصل بغير المنصوص، ولم يحصل من مقاصد الولاية ما حصل بغير المنصوص، كان الواجب العدول عن المنصوص.
مثال ذلك أن ولي الأمر إذا كان عنده شخصان، ويعلم أنه إن ولى أحدهما أطيع وفتح البلاد، وأقام الجهاد، وقهر الأعداء، وأنه إذا ولى الآخر لم يطع، ولم يفتح شيئا من البلاد، بل يقع في الرعية الفتنة والفساد، كان من المعلوم لكل عاقل أنه ينبغي أن يولي من يعلم أنه إذا ولاه حصل به الخير والمنفعة، لا من إذا ولاه لم يطع وحصل بينه وبين الرعية الحرب والفتنة.
فكيف مع علم الله ورسوله بحال ولاية الثلاثة؟ وما حصل فيها من مصالح الأمة، في دينها ودنياها، لا ينص عليها وينص على ولاية من لا يطاع بل يحارب ويقاتل، حتى لا يمكنه قهر الأعداء ولا إصلاح الأولياء.
وهل يكون من ينص على ولاية هذا دون ذاك إلا جاهلا إن لم يعلم الحال أو ظالما مفسدا.
إن علم.
والله ورسوله بريء من الجهل والظلم.
وهم يضيفون إلى الله ورسوله العدول عما فيه مصلحة العباد، إلى ما ليس فيه إلا الفساد.
واذا قيل إن الفساد حصل من معصيتهم لا من تقصيره.
قيل أفليس ولاية من يطيعونه فتحصل المصلحة أولى من ولاية من يعصونه، فلا تحصل المصلحة بل المفسدة؟ ولو كان للرجل ولد وهناك مؤدبان إذا أسلمه إلى أحدهما تعلم وتأدب، وإذا أسلمه إلى الآخر فر وهرب، أفليس إسلامه إلى ذاك أولى؟ ولو قدر أن ذاك أفضل، فأي منفعة في فضيلته إذا لم يحصل للولد به منفعة لنفوره عنه.
ولو خطب المرأة رجلان أحدهما أفضل من الآخر لكن المرأة تكرهه، وإن تزوجت به لم تطعه، بل تخاصمه وتؤذيه، فلا تنتفع به ولا ينتفع هو بها، والآخر تحبه ويحصل به مقاصد النكاح، أفليس تزويجها بهذا المفضول أولى باتفاق العقلاء؟ ونص من ينص على تزويجها بهذا أولى من النص على تزويجها بهذا.

فكيف يضاف إلى الله ورسوله ما لا يرضاه إلا ظالم، أو جاهل، وهذا ونحوه مما يعلم به بطلان النص بتقدير أن يكون علي هو الأفضل الأحق، بالإمارة، لكن لا يحصل بولايته إلا ما حصل، وغيره ظالم يحصل به ما حصل من المصالح، فكيف إذا لم يكن الأمر كذلك، لا في هذا ولا في هذا.
فقول أهل السنة خبر صادق وقول حكيم، وقول الرافضة خبر كاذب وقول سفه، فأهل السنة يقولون الأمير والإمام والخليفة ذو السلطان الموجود، الذي له القدرة على عمل مقصود الولاية، كما أن إمام الصلاة هو الذي يصلي بالناس، وهم يأتمون به ليس إمام الصلاة من يستحق أن يكون إماما وهو لا يصلي بأحد، لكن هذا ينبغي أن يكون إماما، والفرق بين الإمام وبين من ينبغي أن يكون هو الإمام لا يخفى على الطغام.
ويقولون إنه يعاون على البر والتقوى، دون الإثم والعدوان، ويطاع في طاعة الله دون معصيته، ولا يخرج عليه بالسيف، وأحاديث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إنما تدل على هذا.
كما في الصحيحين، عن ابن عباس -رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس يخرج عن السلطان شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية» (١) فجعل المحذور هو الخروج عن السلطان ومفارقة الجماعة وأمر بالصبر على ما يكره من الأمير لم يخص بذلك سلطانا معينا ولا أميرا معينا ولا جماعة معينة.
(قال الرافضي الفصل الثاني في أن مذهب الإمامية واجب الاتباع) ومضمون ما ذكره أن الناس اختلفوا بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيجب النظر في الحق واعتماد الإنصاف، ومذهب الإمامية واجب الاتباع لأربعة وجوه، لأنه أحقها، وأصدقها، ولأنهم باينوا جميع الفرق في أصول العقائد، ولأنهم جازمون بالنجاة لأنفسهم، ولأنهم أخذوا دينهم عن الأئمة المعصومين، وهذا حكاية لفظه.
قال الرافضي: إنه لما عمت البلية بموت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم -واختلف الناس بعده، وتعددت (١) سبق ذكره انظر ص...

آراؤهم، بحسب تعدد أهوائهم، فبعضهم طلب الأمر لنفسه بغير حق، وبايعه أكثر الناس للدنيا، كما اختار عمرو بن سعد ملك الري أياما يسيرة، لما خير بينه وبين قتل الحسين مع علمه، بأن من قتله في النار، واختياره ذلك في شعره حيث يقول: فوالله ما أدري وإني لصادق... أفكرفي أمرعلى خطرين أأترك ملك الري والري منيتي... أم أصبح مأثوما بقتل حسين وفي قتله النار التي ليس دونها... حجاب وملك الري قرة عيني وبعضهم اشتبه الأمر عليه، ورأى لطالب الدنيا مبايعا، فقلده وبايعه وقصر في نظره، فخفي عليه الحق فاستحق المؤاخذة من الله تعالى بإعطاء الحق لغير مستحقه بسبب إهمال النظر، وبعضهم قلد لقصور فطنته، ورأى الجم الغفير فتابعهم، وتوهم أن الكثرة تستلزم الصواب، وغفل عن قوله تعالى: ﴿وقليل ما هم﴾ (١) ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ (٢) وبعضهم طلب الأمر لنفسه بحق له وبايعه الأقلون الذين أعرضوا عن الدنيا وزينتها، ولم يأخذهم في الله لومة لائم بل أخلصوا لله واتبعوا ما أمروا به من طاعة من يستحق التقديم.
وحيث حصل للمسلمين هذه البلية، وجب على كل أحد النظر في الحق واعتماد الإنصاف، وأن يقر الحق مستقره، ولا يظلم مستحقه، فقد قال تعالى: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ (٣) وإنما كان مذهب الإمامية واجب الاتباع لوجوه هذا لفظه.
فيقال: إنه قد جعل المسلمين بعد نبيهم أربعة أصناف،، وهذا من أعظم الكذب فإنه لم يكن من في الصحابة المعروفين أحد من هذه الأصناف الأربعة، فضلا عن أن لا يكون فيهم أحد إلا من هذه الأصناف.
إما طالب للأمر بغير حق كأبي بكر في زعمه.
وإما طالب للأمر بحق كعلي في زعمه.
وهذا كذب على علي - رضي الله عنه -، وعلى أبي بكر - رضي الله عنه -، فلا علي طلب الأمر لنفسه قبل قتل عثمان، ولا أبو بكر طلب الأمر لنفسه فضلا عن أن يكون طلبه بغير حق.
وجعل القسمين الآخرين إما مقلدا لأجل الدنيا، وإما مقلدا لقصوره في النظر، وذلك أن الإنسان يجب عليه أن يعرف الحق وأن يتبعه، وهو الصراط المستقيم صراط (١) الآية ٢٤ من سورة ص. (٢) الآية ١٣ من سورة سبأ.
(٣) الآية ١٨ من سورة هود.

الذين أنعم الله عليهم، من النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين.
وهذا هو الصراط الذي أمرنا أن نسأله هدايتنا إياه، في كل صلاة بل في كل ركعة.
وهذه الأمة خير الأمم، وخيرها القرن الأول، كان القرن الأول أكمل الناس في العلم النافع، والعمل الصالح.
وهؤلاء المفترون وصفوهم بنقيض ذلك، بأنهم لم يكونوا يعلمون الحق ويتبعونه، بل كان أكثرهم عندهم يعلمون الحق ويخالفونه، كما يزعمون في الخلفاء الثلاثة، وجمهور الصحابة، والأمة، وكثير منهم عندهم لا يعلم الحق، بل اتبع الظالمين تقليدا لعدم نظرهم المفضي إلى العلم، والذي لم ينظر قد يكون تركه النظر لأجل الهوى وطلب الدنيا، وقد يكون لقصوره ونقص إدراكه.
وادعى أن منهم من طلب الأمر لنفسه بحق يعني عليا، وهذا مما علمنا بالاضطرار أنه لم يكن، فلزم من ذلك على قول هؤلاء أن تكون الأمة كلها كانت ضالة، بعد نبيها ليس فيها مهتد.
فتكون اليهود ولنصارى بعد النسخ والتبديل خيرا منهم، لأنهم كما قال تعالى: ﴿ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وهم يعدلون﴾ (١). وقد أخبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن اليهود والنصارى افترقت على أكثرمن سبعين فرقة، فيها واحدة ناجية، وهذه الأمة على موجب ما ذكروه لم يكن فيهم بعد موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أمة تقوم بالحق ولا تعدل به، وإذا لم يكن ذلك في خيار قرونهم ففيما بعد ذلك أولى.
فيلزم من ذلك أن يكون اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل خيرا من خير أمة أخرجت للناس، فهذا لازم لما يقوله هؤلاء المفترون، فإذا كان هذا في حكايته لما جرى عقب موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من اختلاف الأمة، فكيف سائر ما ينقله ويستدل به، ونحن نبين ما في هذه الحكاية من الأكاذيب من وجوه كثيرة، فنقول: ما ذكره هذا المفتري من قوله: إنه لما عمت البلية على كافة المسلمين بموت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
واختلف الناس بعده، وتعددت آراؤهم بحسب تعدد أهوائهم، فبعضهم طلب الأمر (١) الآية ١٥٩ من سورة الأعراف.

لنفسه، وتابعه أكثر الناس طلبا للدنيا، كما اختار عمر بن سعد، ملك الري أياما يسيرة لما خير بينه وين قتل الحسين، مع علمه بأن في قتله النار واختياره ذلك في شعره.
فيقال في هذا الكلام من الكذب، والباطل وذم خيار الأمة، بغير حق ما لا يخفى من وجوه.
(أحدهما): قوله تعددت آراؤهم بحسب تعدد أهوائهم، فيكون كلهم متبعين أهوائهم، ليس فيهم طالب حق، ولا مريد لوجه الله تعالى والدار الآخرة، ولا من كان قوله عن اجتهاد واستدلال.
وعموم لفظه يشمل عليا وغيره، وهؤلاء الذين وصفهم بهذا، هم الذين أثنى الله عليهم هو ورسوله، ورضي الله عنهم ووعدهم الحسنى، كما قال تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان - رضي الله عنه - م ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾ (١). وقال تعالى: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة، ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار، وعد الله الذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض -إلى قوله -أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى﴾ (٤). (١) الآية ١٠٠ من سورة التوبة.
(٢) الاية ٢٩ من سورة الفتح.
(٣) الآيات من ٧٢- ٧٥ من سورة الأنفال.
(٤) الآية ١٠ من سورة الحديد.

وقال تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾ (١). وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين، والأنصار، وعلى الذين جاءوا من بعدهم، يستغفرون لهم ويسألون الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم، وتتضمن أن هؤلاء الأصناف هم المستحقون للفيء.
ولا ريب أن هؤلاء الرافضة خارجون من الأصناف الثلاثة فإنهم لم يستغفروا للسابقين، وفي قلوبهم غل عليهم، ففي الآيات الثناء على الصحابة، وعلى أهل السنة الذين يتولونهم، وإخراج الرافضة من ذلك، وقد روى ابن بطة وغيره من حديث أبي بدر، قال: حدثنا عبد الله بن زيد، عن طلحة بن مصرف، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص، قال: «الناس على ثلاث منازل فمضت منزلتان وبقيت واحدة، فأحسن ما أنتم عليه كائنون، أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت.
ثم قرأ ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا، هؤلاء المهاجرون، وهذه منزلة قد مضت، ثم قرأ والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا.
ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾.
ثم قال هؤلاء الأنصار وهذه منزلة قد مضت.
ثم قرأ ﴿والذين جاءوا من بعدهم، يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين (١) الآيات ١٠، ٩، ٨ من سورة الحشر.

سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم﴾ (١)، فقد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة، فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت أن تستغفروا لهم» (٢). وروى أيضا بإسناده عن مالك بن أنس أنه قال: «من سب السلف فليس له في الفيء نصيب» لأن الله تعالى يقول: ﴿والذين جاءوا من بعدهم﴾ (٣) -الآية - وهذا معروف عن مالك، وغير مالك من أهل العلم كأبي عبيد القاسم بن سلام (٤). وكذلك ذكره أبو حكيم النهرواني، من أصحاب أحمد وغيره من الفقهاء، وروى أيضا عن الحسن بن عمارة، عن الحكيم عن مقسم عن ابن عباس - رضي الله عنه - ما.
قال: «أمر الله بالاستغفار لأصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يعلم أنهم يقتتلون» (٥). وقال عروة قالت لي عائشة - رضي الله عنه - ا: «يا ابن أختي أمروا بالاستغفار لأصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
فسبوهم» (٦). وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال.
قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (٧). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (٨). وفي صحيح مسلم أيضا عن جابر بن عبد الله قال: قيل لعائشة: «إن ناسا يتناولون أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى أبا بكر وعمر، فقالت وما تعجبون من هذا، انقطع عنهم العمل، فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر» (٩). (١) الآية ١٠ من سورة الحشر.
(٢) يظهر أن هذا الأثر في الإبانة الكبرى إذ لم أجده في الصغرى.
(٣) هذا الأثر في الإبانة مختصرا ص ١٦٢ والظاهر أن المؤلف ينقل عن الكبرى.
(٤) انظر المرجع المذكور ص ١٦٢. (٥) المرجع المذكور ص ١١٩. (٦) انظر الإبانة ص ١٢٠. (٧) البخاري ج ٥ ص ٨ ومسلم ج ٤ ص ١٩٦٧. (٨) مسلم ج ٤ ص ١٩٦٧. (٩) يظهر أنه في بعض النسخ فإني لم أجده في مسلم.

وروى ابن بطة بالإسناد الصحيح عن عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي.
حدثنا معاوية.
حدثنا رجاء عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لا تسبوا أصحاب محمد فإن الله تعالى قد أمرنا بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتلون» (١). ومن طريق أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي، وطريق غيره عن وكيع، وأبي نعيم ثلاثتهم، عن الثوري، عن نسير بن ذعلوق، سمعت عبد الله بن عمر يقول: «لا تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة يعني مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم خير من عمل أحدكم أربعين سنة».
وفي رواية وكيع (خير من عبادة أحدكم عمره).
وقال تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا﴾ (٢) وقد أخبر الله أنه سبحانه وتعالى رضي عنهم، وأنه علم ما في قلوبهم، وأنه أثابهم فتحا قريبا.
وهؤلاء هم أعيان من بايع أبا بكر وعمر وعثمان، بعد موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، لم يكن في المسلمين من يتقدم عليهم، بل كان المسلمون كلهم يعرفون فضلهم عليهم، لأن الله تعالى بين فضلهم في القرآن بقوله: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى﴾ (٣). ففضل المنفقين المقاتلين قبل الفتح، والمراد بالفتح هنا صلح الحديبية، ولهذا سئل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم «أو فتح هو؟ فقال: نعم» (٤). وأهل العلم يعلمون أن فيه أنزل الله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما (١) انظر الإبانة ص١١٩. (٢) الآيات ١٨-٢١ من سورة الفتح.
(٣) الآية ١٠ من سورة الحديد.
(٤) انظر سنن أبي داود ج٣ ص١٠١.

وينصرك الله نصرا عزيزا﴾.
فقال بعض المسلمين: يا رسول الله هذا لك، فما لنا؟ يا رسول الله.
فأنزل الله تعالى: ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم﴾.
وهذه الآية نص في تفضيل المنفقين المقاتلين قبل الفتح على المنفقين بعده، ولهذا ذهب جمهورالعلماء إلى أن السابقين في قوله تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار﴾ (١) هم هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح قاتلوا، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، وقد ذهب بعضهم إلى أن السابقين الأولين، هم من صلى إلى القبلتين، وهذا ضعيف، فإن الصلاة إلى القبلة المنسوخة ليس بمجرده فضيلة، ولأن النسخ ليس من فعلهم، الذي يفضلون به، ولأن التفضيل بالصلاة إلى القبلتين لم يدل عليه دليل شرعي، كما دل على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد، والمبايعة تحت الشجرة.
وقد علم بالاضطرار أنه كان في هؤلاء السابقين الأولين أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وبايع النبي بيده عن عثمان، لأنه كان غائبا قد أرسله إلى أهل مكة ليبلغهم رسالته، وبسببه بايع النبي الناس، لما بلغه أنهم قتلوه: وقد ثبت في صحيح مسلم، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أنه قال: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» (٢)، وقال تعالى: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كان يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم﴾ (٣). فجمع بينهم وبين رسول الله في التوبة.
وقال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض، والذين آمنوا ولم يهاجروا -إلى قوله تعالى -والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم﴾ (٤) فأثبت الموالاة بينهم وقال للمؤمنين: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم (١) الآية ١٠٠ من سورة التوبة.
(٢) مسلم ج٤ ص ١٩٤٢ رقم ٢٤٩٦. (٣) الآية ١١٧ من سورة التوبة.
(٤) الآيات ٧٢-٧٥ من سورة الأنفال.

الظالمين -إلى قوله - إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾ (١). وقال تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (٢). فأثبت الموالاة بينهم، وأمرهم بموالاتهم، والرافضة تتبرأ منهم ولا تتولاهم، وأصل الموالاة المحبة، وأصل المعاداة البغض، وهم يبغضونهم ولا يحبونهم.
وقد وضع بعض الكذابين حديثا مفترى، أن هذه الآية نزلت في علي لما تصدق بخاتمه في الصلاة، وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل، وكذبه بين من وجوه كثيرة.
منها أن قوله الذين صيغة جمع.
وعلي واحد.
ومنها أن الواو ليست واو الحال إذ لو كان كذلك لكان لا يسوغ أن يتولى إلا من أعطى الزكاة في حال الركوع.
فلا يتولى سائر الصحابة والقرابة.
ومنها أن المدح إنما يكون بعمل واجب أو مستحب، وإيتاء الزكاة في نفس الصلاة ليس واجب ولا مستحب، باتفاق علماء الملة، فإن الصلاة شغلا.
ومنها أنه لو كان إيتاؤها في الصلاة حسنا لم يكن فرق بين حال الركوع وغير الركوع، بل إيتاؤها في القيام والقعود أمكن.
ومنها أن عليا لم يكن عليه زكاة على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ومنها أن إيتاء غير الخاتم في الزكاة خير من إيتاء الخاتم، فإن أكثر الفقهاء يقولون لا يجزئ إخراج الخاتم في الزكاة.
ومنها أن هذا الحديث فيه أنه أعطاه السائل، والمدح في الزكاة أن يخرجها ابتداء ويخرجها على الفور، لا ينتظر أن يسأله سائل.
ومنها أن الكلام في سياق النهي عن موالاة الكفار، والأمر بموالاة المؤمنين، كما يدل عليه سياق الكلام، وسيجيء إن شاء الله تعالى تمام الكلام على هذه الآية، فإن الرافضة لا يكادون يحتجون بحجة إلا كانت حجة عليهم لا لهم، كاحتجاجهم بهذه الآية على الولاية التي هي الإمارة، (١) الآيات من ٥١ - ٥٦ من سورة المائدة.
(٢) الآية ٧١ من سورة التوبة.

وإنما هي في الولاية التي هي ضد العداوة.
والرافضة مخالفون لها، والإسماعيلية والنصيرية ونحوهم يوالون الكفار، من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين، ويعادون المؤمنين من المهاجرين والأنصار والذين اتبوعهم بإحسان إلى يوم الدين، وهذا أمر مشهور.
يعادون خيار عباد الله المؤمنين ويوالون اليهود والنصارى والمشركين من الترك وغيرهم، وقال تعالى: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ (١). أي الله كافيك ومن اتبعك من المؤمنين، والصحابة أفضل من اتبعه من المؤمنين، وأولهم وقال تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾.
والذين رآهم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يدخلون في دين الله أفواجا هم الذين كانوا على عصره، وقال تعالى: ﴿هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم﴾ (٢). وإنما أيده في حياته بالصحابة، وقال تعالى: ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون﴾ (٣). وهذا الصنف الذي يقول الصدق، ويصدق به خلاف الصنف الذي يفتري الكذب أو يكذب بالحق، لما جاءه كما سنبسط القول فيهما إن شاء الله تعالى.
والصحابة الذين كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن القرآن حق، هم أفضل من جاء بالصدق وصدق به، بعد الأنبياء وليس في الطوائف المنتسبة إلى القبلة أعظم افتراء للكذب على الله وتكذيبا بالحق من المنتسبين إلى التشيع.
ولهذا لا يوجد الغلو في طائفة أكثر مما يوجد فيهم.
ومنهم من ادعى إلهية البشر، وادعى النبوة في غير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وادعى العصمة في الأئمة، ونحو ذلك مما هو أعظم مما يوجد في سائر الطوائف، واتفق أهل العلم أن (١) الآية ٦٤ من سورة الأنفال.
(٢) الآية ٦٢ من سورة الأنفال.
(٣) الآيات ٣٣-٣٥ من سورة الزمر.

الكذب ليس في طائفة من المنتسبين إلى القبلة أكثر منه فيهم، وقال تعالى: ﴿ قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى﴾.
قال طائفة من السلف هم أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا ريب أنهم أفضل المصطفين من هذه الأمة، التي قال الله فيها: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب﴾ (١). فأمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الذين أورثوا الكتاب بعد الأمتين قبلهم اليهود والنصارى.
وقد أخبر الله تعالى أنهم الذين اصطفى.
وتواتر عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: «خير القرون القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، ومحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه هم المصطفون، من المصطفين من عباد الله وقال تعالى: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ (٢) إلى آخر السورة.
وقال تعالى ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾ (٣). فقد وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف، كما وعدهم في تلك الآية مغفرة وأجرا عظيما، والله لا يخلف الميعاد.
فدل ذلك أن الذين استخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم ومكن لهم دين الإسلام، وهو الدين الذي ارتضاه لهم، كما قال تعالى: ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ (٤) وبدلهم بعد خوفهم أمنا لهم (٥) المغفرة والأجر العظيم.
(١) الآيات ٣٢ - ٣٥ من سورة فاطر.
(٢) الآية ٢٩ من سورة الفتح.
(٣) الآية ٥٥ من سورة النور.
(٤) جزء من الآية رقم ٣ من سورة المائدة.
(٥) قوله " لهم المغفرة والأجر العظيم " خبر عن قوله فدل ذلك الخ.

وهذا يستدل به على وجهين: على أن المستخلفين مؤمنون عملوا الصالحات، لأن الوعد لهم لا لغيرهم، ويستدل به على ان هؤلاء مغفور لهم، ولهم أجر عظيم، لأنهم آمنوا وعملوا الصالحات، فتناولتهم الآيتان - آية النور وآية الفتح.
من المعلوم أن هذه النعوت منطبقة على الصحابة على زمن أبي بكر وعمر وعثمان، فإنه إذ ذاك حصل الاستخلاف، وتمكن الدين والأمن، بعد الخوف لما قهروا فارس والروم وفتحوا الشام والعراق، ومصر وخراسان، وإفريقية.
ولما قتل عثمان وحصلت الفتنة لم يفتحوا شيئا من بلاد الكفار، بل طمع فيهم الكفار بالشام وخراسان، وكان بعضهم يخاف بعضا.
وحينئذ قد دل القرآن على إيمان أبي بكر وعمر وعثمان، ومن كان معهم في زمن الاستخلاف والتمكين والأمن، والذين كانوا في زمن الاستخلاف والتمكين والأمن أدركوا زمن الفتنة كعلي وطلحة وأبي موسى الأشعري، ومعاوية وعمرو بن العاص، دخلوا في الآية لأنهم استخلفوا ومكنوا، وأمنوا.
وأما من حدث في زمن الفتنة كالرافضة الذين حدثوا في الإسلام، في زمن الفتنة والافتراق، وكالخوارج المارقين، فهؤلاء لم يتناولهم النص، فلم يدخلوا فيمن وصف بالإيمان والعمل الصالح، المذكورين في هذه الآية، لأنهم أولا ليسوا من الصحابة المخاطبين بهذا.
ولم يحصل لهم من الاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف ما حصل للصحابة، بل لا يزالون خائفين مقلقلين غير ممكنين.
فإن قيل لما قال وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم ولم يقل وعدهم كلهم.
قيل كما قال وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات، ولم يقل وعدكم.
و"من" تكون لبيان الجنس فلا يقتضي أن يكون قد بقي من المجرور بها شيء خارج، عن ذلك الجنس كما في قوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ (١) فإنه لا (١) الآية ٣٠ من سورة الحج.

يقتضي أن يكون من الأوثان ما ليس برجس، وإذا قلت ثوبا من حرير، فهو كقولك ثوب حرير، وكذلك قولك باب من حديد فهو، كقولك باب حديد، وذلك لا يقتضي أن يكون هناك حرير وحديد غير المضاف إليه، وإن كان الذي يتصوره كليا، فإن الجنس الكلي، هو ما لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وإن لم يكن مشتركا فيه في الوجود.
فإذا كانت من بيان الجنس، كان التقدير وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هذا الجنس، وإن كان الجنس كلهم مؤمنين صالحين، وكذلك إذا قال وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هذا الجنس والصنف مغفرة وأجرا عظيما، لم يمنع ذلك أن يكون جميع هذا الجنس مؤمنين صالحين.
ولما قال لأزواج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: ﴿ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما﴾ (١) لم يمنع أن يكون كل منهن تقنت لله ورسوله، وتعمل صالحا، ولما قال تعالى: ﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم﴾ (٢) لم يمنع أن يكون كل منهم متصفا بهذه الصفة، ولا يجوز أن يقال إنهم لو عملوا سوءا بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا لم يغفر إلا لبعضهم.
ولهذا تدخل من هذه في النفي لتحقيق نفي الجنس كما في قوله تعالى: ﴿وما التناهم من عملهم من شيء﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وما من إله إلا الله﴾ (٤) ﴿فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ (٥). ولهذا إذا دخلت في النفي تحقيقا أو تقديرا أفادت نفي الجنس قطعا، (فالتحقيق ما ذكر والتقدير كقوله تعالى: ﴿لا إله إلا الله﴾ وقوله: ﴿لاريب فيه﴾ ونحو ذلك بخلاف ما إذا لم تكن "من"موجودة كقولك «ما رأيت رجلا» فإنها ظاهرة لنفي الجنس، ولكن قد يجوز أن ينفى بها الواحد من الجنس، كما قال سيبويه: يجوز أن يقال ما (١) الآية ٣١ من سورة الأحزاب.
(٢) الآية ٥٤ من سورة الأنعام.
(٣) الآية ٢١ من سورة الطور.
(٤) الآية ٦٢ من سورة آل عمران.
(٥) الآية ٤٧ من سورة الحاقة.

رأيت رجلا، بل رجلين.
فتبين أنه يجوز إرادة الواحد، وإن كان الظاهر نفي الجنس، بخلاف ما إذا دخلت (من) فإنه ينفي الجنس قطعا، ولهذا لو قال لعبيده من أعطاني منكم ألفا فهو حر فأعطاه كل واحد ألفا عتقوا كلهم.
وكذلك لو قال واحد لنسائه من أبرأتني منكن من صداقها فهي طالق فأبرأنه كلهن، طلقن كلهن.
فإن المقصود بقوله منكن بيان جنس المعطى والمبرئ لا إثبات هذا الحكم لبعض العبيد والأزواج.
فإن قيل فهذا كما لا يمنع أن يكون كل المذكور متصفا بهذه الصفة فلا يوجب ذلك أيضا، فليس في قوله وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ما يقتضي أن يكونوا كلهم كذلك.
قيل: نعم ونحن لا ندعي أن مجرد هذا اللفظ دل على أن جميعهم موصوفون بالإيمان والعمل الصالح، ولكن مقصودنا أن (من) لا ينافي شمول هذا الوصف لهم فلا يقول قائل إن الخطاب دل على أن المدح شملهم وعمهم بقوله محمد رسول الله والذين معه إلى آخر الكلام، ولا ريب أن هذا مدح لهم بما ذكر، من الصفات، وهو الشدة على الكفار، والرحمة بينهم والركوع والسجود يبتغون فضلا من الله ورضوانا، والسيما في وجوههم من أثر السجود، وأنهم يبتدئون من ضعف إلى كمال القوة والاعتدال، كالزرع والوعد بالمغفرة والأجر العظيم، ليس على مجرد هذه الصفات بل على الإيمان والعمل الصالح.
فذكر ما به يستحقون الوعد، وإن كانوا كلهم بهذه الصفة، ولولا ذكر ذلك لكان يظن أنهم بمجرد ما ذكر يستحقون المغفرة والأجر العظيم ولم يكن فيه بيان سبب الجزاء، بخلاف ما إذا ذكر الإيمان والعمل الصالح.
فإن الحكم إذا علق باسم مشتق مناسب كان ما منه الاشتقاق سبب الحكم.
فإن قيل فالمنافقون كانوا في الظاهر مسلمين،

قيل المنافقون لم كونوا متصفين بهذه الصفات، ولم يكونوا مع الرسول والمؤمنين ولم يكونوا منهم، كما قال الله تعالى: ﴿فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين، ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فاصبحوا خاسرين﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذوى في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين وليعلمن الله الذين آمنوا منكم وليعلمن المنافقين﴾ (٢). فأخبرأن المنافقين ليسوا من المؤمنين، ولا من أهل الكتاب.
هؤلاء لا يجدون في طائفة من المتظاهرين بالإسلام، أكثر منهم في الرافضة، ومن انطوى إليهم.
فدل هذا على أن المنافقين لم يكونوا من الذين آمنوا معه، والذين كانوا منافقين منهم من تاب عن نفاقه وانتهى عنه، وهم الغالب بدليل قوله تعالى: ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا﴾ (٣). فلما لم يغره الله بهم، ولم يقتلهم تقتيلا، بل كانوا يجاورونه بالمدينة فدل ذلك على أنهم انتهوا، والذين كانوا معه بالحديبية كلهم بايعوه تحت الشجرة، إلا الجد بن قيس فإنه اختبأ خلف جمل أحمر.
وكذا حاء في الحديث كلهم يدخل الجنة إلا صاحب الجمل الأحمر، وبالجملة فلا ريب أن المنافقين كانوا مغمورين مقهورين، أذلاء، لا سيما في آخر أيام الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم -. وفي غزوة تبوك لأن الله تعالى قال: ﴿يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة لرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾ (٤). فأخبر أن العزة للمؤمنين، لا للمنافقين، فعلم أن العزة والقوة كانت في المؤمنين، وأن المنافقين كانوا أذلاء بينهم.
فيمتنع أن تكون الصحابة الذين كانوا أعز المسلمين من المنافقين، بل ذلك يقتضى أن (١) الآيات ٥٢ -٥٣ من سورة المائدة.
(٢) الآيتان ١٠ و١١ من سورة العنكبوت.
(٣) الآيتان ٦٠ و٦١ من سورة الأحزاب.
(٤) الآية ٨ من سورة المنافقون.

من كان أعز كان أعظم إيمانا.
ومن المعلوم أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، الخلفاء الراشدين وغيرهم كانوا أعز الناس، وهذا كله مما يبين أن المنافقين كانوا ذليلين في المؤمنين.
فلا يجوز أن يكون الأعزاء من الصحابة منهم، ولكن هذا الوصف مطابق للمتصفين به من الرافضة وغيرهم، والنفاق والزندقة في الرافضة أكثر منه في سائر الطوائف.
بل لا بد لكل منهم من شعبة نفاق، فإن أساس النفاق الذي بني عليه، الكذب، وأن يقول الرجل بلسانه ما ليس في قلبه، كما أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.
والرافضة تجعل هذا من أصول دينها وتسميه التقية وتحكي هذا عن أئمة أهل البيت الذين برأهم الله عن ذلك، حتى يحكوا ذلك عن جعفر الصادق أنه قال التقية ديني ودين آبائي وقد نزه الله المؤمنين من أهل البيت وغيرهم عن ذلك.
بل كانوا من أعظم الناس صدقا وتحقيقا للإيمان، وكان دينهم التقوى لا التقية، وقول الله تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليسمن الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاه﴾ (١). إنما هو الأمر بالاتقاء من الكافرين، لا الأمر بالنفاق والكذب.
والله تعالى قد أباح لمن أكره على كلمة الكفر أن يتكلم بها، إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان، لكن لم يكره أحدا من أهل البيت على شيء من ذلك، حتى أن أبا بكر - رضي الله عنه - لم يكره أحدا لا منهم، ولا من غيرهم على متابعته، فضلا على أن يكرههم على مدحه، والثناء عليه.
بل كان علي وغيره من أهل البيت يظهرون ذكر فضائل الصحابة والثناء عليهم والترحم عليهم والدعاء لهم ولم يكن أحد يكرههم على شيء منه باتفاق الناس.
وقد كان زمن بني أمية وبني العباس خلق عظيم دون علي وغيره في الإيمان والتقوى يكرهون منهم أشياء ولا يمدحونهم ولا يثنون عليهم، ولا يقربونهم، ومع هذا لم يكن هؤلاء يخافونهم، ولم يكن أولئك يكرهونهم مع أن الخلفاء الراشدين كانوا باتفاق الخلق أبعد عن قهر الناس وعقوبتهم على طاعتهم، من هؤلاء.
(١) الآية ٢٨ من سورة آل عمران.

فإذا كان لم يكن الناس مع هؤلاء مكرهين على أن يقولوا بألسنتهم خلاف ما في قلوبهم، فكيف يكونون مكرهين مع الخلفاء على ذلك، بل على الكذب وشهادة الزور وإظهار الكفر، كما تقوله الرافضة من غير أن يكرههم أحد على ذلك.
فعلم أن ما تتظاهر به الرافضة هو من باب الكذب والنفاق، وأنهم يقولوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، لا من باب ما يكره المؤمن عليه، من التكلم بالكفر وهؤلاء أسرى المسلمين، في بلاد الكفار غالبهم يظهرون دينهم، والخوارج مع تظاهرهم بتكفير الجمهور، وتكفير عثمان وعلي ومن ولاهما يتظاهرون بدينهم.
وإذا سكنوا بين الجماعة، سكنوا على الموافقة والمخالفة، والذي يسكن في مدائن الرافضة فلا يظهر الرفض وغايته إذا ضعف أن يسكت عن ذكر مذهبه لا يحتاج أن يتظاهر بسب الخلفاء والصحابة، إلا أن يكونوا قليلا.
فكيف يظن بعلي - رضي الله عنه - وغيره من أهل البيت أنهم كانوا اضعف دينا من الأسرى في بلاد الكفر، ومن عوام أهل السنة، ومن النواصب، مع أنا قد علمنا بالتواتر أن أحدا لم يكره عليا ولا أولاده على ذكر فضائل الخلفاء، والترحم عليهم، بل كانوا يقولون ذلك من غير إكراه، ويقوله أحدهم لخاصته كما ثبت ذلك بالنقل المتواتر.
وأيضا فقد يقال في قوله تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات﴾ إن ذلك وصف الجملة بصفة تتضمن حالهم عند الاجتماع كقوله تعالى: ﴿ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار﴾ والمغفرة والأجر في الآخرة يحصل لكل واحد واحد، فلا بد أن يتصف بسبب ذلك، وهو الإيمان والعمل الصالح، إذ قد يكون في الجملة منافقا.
وفي الجملة ما في القرآن من خطاب المؤمنين والمتقين والمحسنين، ومدحهم والثناء عليهم، فهم أول من دخل في ذلك من هذه الأمة، وأفضل من دخل في ذلك من هذه الأمة كما استفاض عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من غير وجه أنه قال: «خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١). (١) انظر البخاري ج٣ ص١٧١ ومواضع أخر، ومسلم ج٤ ص ١٩٦٢.

(الوجه الثاني): في بيان كذبه وتحريفه فيما نقله عن حال الصحابة بعد موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
(قوله: فبعضهم طلب الأمر لنفسه بغير حق، وبايعه أكثر الناس طلبا للدنيا).
وهذا إشارة إلى أبي بكر فإنه هو الذي بايعه أكثر الناس، ومن المعلوم أن أبا بكر لم يطلب الأمر لنفسه، لا بحق ولا بغير حق، بل قال: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، إما عمر بن الخطاب وإما أبا عبيدة.
قال عمر: فوالله لأن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، وهذا اللفظ في الصحيحين (١). وقد روى عنه أنه قال: أقيلوني، أقيلوني، فالمسلمون اختاروه وبايعوه، لعلمهم بأنه خيرهم، كما قال له عمر يوم السقيفة بمحضر المهاجرين والأنصار أنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولم ينكر ذلك أحد، وهذا أيضا في الصحيحين (٢). والمسلمون اختاروه كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث الصحيح لعائشة: «ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا، لا يختلف عليه الناس من بعدي، ثم قال يأبى الله والمؤمنون أن يتولى غير أبي بكر» (٣) فالله هو ولاه قدرا، وشرعا، وأمر المؤمنين، بولايته، وهداهم إلى أن ولوه من غير أن يكون طلب، ذلك لنفسه.
(الوجه الثالث): أن يقال فهب أنه طلبها وبايعه أكثر الناس فقولكم: إن ذلك طلب للدنيا كذب ظاهر.
فإن أبا بكر لم يعطهم دنيا، وكان قد أنفق ماله في حياة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولما رغب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الصدقة جاء بماله كله، فقال له: «ما تركت لأهلك.
قال: تركت لهم الله، ورسوله» (٤) والذين بايعوه هم أزهد الناس في الدنيا، وهم الذين أثنى الله عليهم.
وقد علم الخاص والعام زهد عمر، وأبي عبيدة، وأمثالهما، وإنفاق الأنصار أموالهم كأسيد بن حضير، وأبي طلحة، وأبي أيوب وأمثالهم.
(١) انظر البخاري ج٨ ص ١٤٠ - ١٤٢. (٢) انظر الذي قبله.
(٣) وقد سبق ذكره ص ٦٣.... (٤) انظر البخاري ج٢ ص ١١٢ وغيره.

ولم يكن عند موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لهم بيت مال يعطيهم ما فيه، ولا كان هناك ديوان للعطاء يفرض لهم فيه، والأنصار كانوا في أملاكهم، وكذلك المهاجرون من كان له شيء من مغنم أو غيره فقد كان له.
وكانت سيرة أبي بكر في قسم الأموال التسوية، وكذلك سيرة علي - رضي الله عنه -، فلو بايعوا عليا أعطاهم ما أعطاهم أبو بكر، مع كون قبيلته أشرف القبائل، وكون بني عبد مناف وهم أشراف قريش الذين هم أقرب العرب من بني أمية وغيرهم إذ ذلك كأبي سفيان بن حرب وغيره، وبني هاشم كالعباس وغيره، كانوا معه.
فقد أراد أبو سفيان وغيره أن تكون الإمارة في بني عبد مناف، على عادة الجاهلية فلم يجبه إلى ذلك علي ولا عثمان، ولا غيرهما لعلمهم، أو دينهم فأي رياسة، وأي مال كان لجمهور المسلمين بمبايعة أبي بكر، لا سيما وهو يسوي بين السابقين والأولين، وبين آحاد المسلمين في العطاء، ويقول: إنما أسلموا لله وأجورهم على الله، وإنما هذا المتاع بلاغ.
وقال لعمر لما أشارعليه بالتفضيل في العطاء: أفأشتري منهم إيمانهم؟ فالسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم أولا، كعمر وأبي عبيدة وأسيد بن حضير وغيرهم، سوى بينهم وبين الطلقاء الذين أسلموا عام الفتح، وبين من أسلم بعد موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فهل حصل لهؤلاء من الدنيا بولايته شيء.
(الوجه الرابع): أن يقال: أهل السنة مع الرافضة كالمسلمين مع النصارى، فإن المسلمين يؤمنون بأن المسيح عبد الله ورسوله، ولا يغلون فيه غلو النصارى، ولا يجفون جفاء اليهود.
والنصارى تدعي فيه الإلهية وتريد أن تفضله على محمد وإبراهيم وموسى، بل تفضل الحواريين على هؤلاء الرسل.
كما تريد الروافض أن تفضل من قاتل مع علي كمحمد بن أبي بكر والأشتر النخعي على أبي بكر وعمر وعثمان وجمهور المهاجرين والأنصار، فالمسلم إذا ناظر النصراني لا يمكنه أن يقول في عيسى إلا الحق، لكن إذا أردت أن

تعرف جهل النصراني وأنه لا حجة له فقدر المناظرة بينه وبين اليهود.
فإن النصراني لا يمكنه أن يجيب عن شبهة اليهودي (١) إلا بما يجيب به المسلم، فإن لم يدخل في دين الإسلام وإلا كان منقطعا مع اليهودي، فإنه إذا أمر بالإيمان بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم.
فإن قدح في نبوته بشيء من الأشياء، لم يمكنه أن يقول شيئا إلا قال اليهودي في المسيح ما هو أعظم من ذلك، فإن البينات لمحمد أعظم من البينات للمسيح.
وبعد أمره عن الشبهة، أعظم من بعد المسيح عن الشبهة، فإن جاز القدح فيما دليله أعظم وشبهته أبعد عن الحق، فالقدح فيما دونه أولى.
وإن كان القدح في المسيح باطلا فالقدح في محمد أولى بالبطلان، فإنه إذا بطلت الشبهة القوية فالضعيفة أولى بالبطلان، وإذا ثبتت الحجة التي غيرها أقوى منها فالقوية أولى بالإثبات.
ولهذا كان مناظرة كثير من المسلمين للنصارى من هذا الباب كالحكاية المعروفة عن القاضي أبي بكر بن الطيب، لما أرسله المسلمون إلى ملك النصارى بالقسطنطينية، فإنهم عظموه، وعرف النصارى قدره، فخافوا أن لا يسجد للملك إذا دخل، فأدخلوه من باب صغير ليدخل منحنيا، ففطن لمكرهم، فدخل مستدبرا متلقيا لهم بعجزه.
ففعل نقيض ما قصدوه، ولما جلس وكلموه، أراد بعضهم القدح في المسلمين، فقال له ما قيل في عائشة امرأة نبيكم، يريد إظهار قول الإفك الذي يقوله من يقول من الرافضة، أيضا.
فقال القاضي ثنتان قدح فيهما ورميتا بالزنا إفكا وكذبا، مريم وعائشة فأما مريم فجاءت بالولد تحمله من غير زوج، وأما عائشة فلم تأت بولد مع أنه كان لها زوج، فأبهت النصارى.
وكان مضمون كلامه أن ظهور براءة عائشة أعظم من ظهور براءة مريم، وأن الشبهة إلى مريم أقرب منها إلى عائشة، فإذا كان مع هذا قد ثبت كذب القادحين في مريم، فثبوت قدح الكاذبين في عائشة أولى.
(١) يعني أن اليهود يرمون مريم بالفجور، وما دام النصراني يكذب ما نزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يمكنه الرد على اليهود في أمر عيسى.
لأن عيسى أمر بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فإذا امتنع النصارى من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم صار ذلك فيه كذيب لعيسى.

ومثل هذه المناظرة أن يقع التفضيل بين طائفتين، ومحاسن إحداهما أكثر وأعظم ومساويها أقل وأصغر، فإذا ذكر ما فيها من ذلك عورض بأن مساوئ تلك أعظم، كقوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير﴾ ثم قال: ﴿وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل﴾ (١) فإن الكفار عيروا سرية من سرايا المسلمين بأنهم قتلوا ابن الحضرمي في الشهر الحرام، فقال تعالى هذا كبير وما عليه المشركون من الكفر بالله والصد عن سبيله وعن المسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله، فإن هذا صد عما لا تحصل النجاة والسعادة إلا به، وفيه من انتهاك المسجد الحرام ما هو أعظم من انتهاك الشهر الحرام.
لكن في هذا النوع قد اشتملت كل من الطائفتين على ما يذم، وأما النوع الأول فيكون كل من الطائفتين لا يستحق الذم، بل هناك شبه في الموضعين، وأدلة في الموضعين وأدلة أحد الصنفين أقوى وأظهر، وشبهته أضعف وأخفى، فيكون أولى بثبوت الحق مما تكون أدلته أضعف، وشبهته أقوى.
هذا حال النصارى واليهود مع المسلمين، وهو حال أهل البدع مع أهل السنة لاسيما الرافضة، وهكذا أمر أهل السنة مع الرافضة في أبي بكر وعلي، فإن الرافضي لا يمكنه أن يثبت إيمان علي وعدالته وأنه من أهل الجنة فضلا عن إمامته إن لم يثبت ذلك لأبي بكر وعمر وعثمان.
وإلا فمتى أراد إثبات ذلك لعلي وحده لم تساعده الأدلة، كما أن النصراني إذا أراد إثبات نبوة المسيح دون محمد لم تساعده الأدلة.
فإذا قالت له الخوارج الذين يكفرون عليا، أو النواصب الذين يفسقونه إنه كان ظالما طالبا للدنيا، وإنه طلب الخلافة لنفسه، وقاتل عليها بالسيف وقتل على ذلك ألوفا من المسلمين، حتى عجز عن انفراده بالأمر، وتفرق عليه أصحابه وظهروا عليه فقتلوه، فهذا الكلام إن كان فاسد ففساد كلام الرافضي في أبي بكر وعمر أعظم، وإن كان ما قاله في أبي بكر وعمر متوجها مقبولا، فهذا أولى بالتوجيه والقبول.
(١) الآية ٢١٧ من سورة البقرة.

لأنه من المعلوم للخاصة والعامة أن من ولاه الناس باختيارهم ورضاهم من غير أن يضرب أحدا بالسيف ولا عصى ولا أعطى أحدا ممن ولاه من مال واجتمعوا عليه فلم يول أحد من أقاربه، وعترته، ولا خلف لورثته مالا من مال المسلمين، وكان له مال قد أنفقه في سبيل الله، فلم يأخذ بدله، وأوصى أن يرد إلى بيت مالهم ما كان عنده لهم، وهو جرد قطيفة، وبكر وأمة سوداء، ونحو ذلك.
حتى قال عبد الرحمن بن عوف لعمر: أتسلب هذا آل أبي بكر، قال كلا والله لا يتحنث فيها أبو بكر وأتحملها أنا، وقال يرحمك الله يا أبا بكر لقد أتعبت الأمراء بعدك.
ثم مع هذا لم يقتل مسلما على ولايته، ولا قاتل مسلما بمسلم، بل قاتل بهم المرتدين عن دينهم، والكفار حتى شرع بهم في فتح الأمصار واستخلف القوي الأمين العبقري، الذي فتح الأمصار ونصب الديوان، وعم بالعدل والإحسان.
فإن جاز للرافضي أن يقول إن هذا كان طالبا للمال والرياسة، أمكن الناصبي أن يقول: كان علي ظالما طالبا للمال والرياسة، قاتل على الولاية حتى قتل المسلمون بعضهم بعضا، ولم يقاتل كافرا ولم يحصل للمسلمين في مدة ولايته إلا شر وفتنة في دينهم ودنياهم.
فإن جاز أن يقال: علي كان مريدا لوجه الله، والتقصير من غيره من الصحابة، أو يقال كان مجتهدا مصيبا، وغيره مخطئ مع هذه الحالة فإنه يقال كان أبو بكر وعمر مريدين وجه الله مصيبين والرافضة مقصرون في معرفة حقهم مخطئون في ذمهم بطريق الأولى والأحرى.
فإن أبا بكر وعمر كان بعدهما عن شبة طلب المال والرياسة أشد من بعد علي عن ذلك، وشبهة الخوارج الذين ذموا عليا وعثمان وكفروهما أقرب من شبهة الرافضة الذين ذموا أبا بكر وعمر وكفروهما، فكيف بحال الصحابة والتابعين الذين تخلفوا عن بيعته أو قاتلوه فشبهتهم أقوى من شبهة من قدح في أبي بكر وعمر وعثمان، فإن أولئك قالوا ما يمكننا أن نبايع إلا من يعدل علينا، ويمنعنا ممن ظلمنا، ويأخذ حقنا ممن ظلمنا، فإذا لم يفعل هذا كان عاجزا أو ظالما، وليس علينا أن نبايع عاجزا أو ظالما.
وهذا الكلام إذا كان باطلا، فبطلان قول من يقول إن أبا بكر وعمر كانا ظالمين

طالبين للرياسة والمال أبطل وأبطل، وهذا الأمر لا يستريب فيه من له بصر ومعرفة، وأين شبهة مثل أبي موسى الأشعري الذي وافق عمرو على عزل علي ومعاوية، وأن يجعل الأمر شورى في المسلمين، من شبهة عبد الله بن سبأ وأمثاله الذين يدعون أنه إمام معصوم، وأنه إله أو نبي.
بل أين شبهة الذين رأوا أن يولوا معاوية من شبهة الذين يدعون أنه إله أو نبي، فإن هؤلاء كفار باتفاق المسلمين بخلاف أولئك، ومما يبين هذا أن الرافضة تعجز عن إثبات إيمان علي وعدالته، مع كونهم على مذهب الرافضة، ولا يمكنهم ذلك إلا إذا صاروا من أهل السنة، فإذا قالت لهم الخوارج وغيرهم ممن تكفره، أو تفسقه، لا نسلم أنه كان مؤمنا، بل كان كافرا أو ظالما، كما يقولون هم في أبي بكر وعمر لم يكن لهم دليل على إيمانه وعدله، إلا وذاك الدليل على أبي بكر وعمر وعثمان أدل.
فإن احتجوا بما تواتر من إسلامه وهجرته وجهاده فقد تواتر ذلك عن هؤلاء، بل تواتر إسلام معاوية ويزيد وخلفاء بني أمية وبني العباس وصلاتهم وصيامهم، وجهادهم للكفار فإن ادعوا في واحد من هؤلاء النفاق، أمكن الخارجي أن يدعى النفاق فيه (١). وإذا ذكروا شبهة، ذكر ما هو أعظم منها، وإذا قالوا ما تقوله أهل الفرية، من أن أبا بكر وعمر كانا منافقين في الباطن، عدوين للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
أفسدا دينه، بحسب الإمكان أمكن الخارجي أن يقول ذلك في علي ويوجه ذلك بأن يقول: كان يحسد ابن عمه وأنه كان يريد إفساد دينه فلم يتمكن من ذلك في حياته وحياة الخلفاء الثلاثة حتى سعى في قتل الخليفة الثالث، وأوقد الفتنة، حتى غلى في قتل أصحاب محمد، وأمته بغضا له وعداوة، وأنه كان مباطنا للمنافقين الذين ادعوا فيه الإلهية والنبوة، وكان يظهر خلاف ما يبطن، لأن دينه التقية، فلما أحرقهم بالنار، أظهر إنكار ذلك، وإلا فكان في الباطن معهم.
ولهذا كانت الباطنية من أتباعه، وعندهم سره، وهم ينقلون عنه الباطن الذي ينتحلونه، ويقول الخارجي مثل هذا الكلام الذي يروج على كثير من الناس أعظم، مما يروج كلام الرافضة في الخلفاء الثلاثة، لأن شبهة الرافضة أظهر فسادا من شبهة الخوارج، وهم أصح (١) يعني في علي.

منهم عقلا، ومقصدا.
والرافضة أكذب وأفسد دينا، وإن أرادوا إثبات إيمانه وعدالته بنص القرآن عليه، قيل القرآن عام وتناوله له ليس بأعظم من تناوله لغيره، وما من آية يدعون اختصاصها به إلا أمكن أن يدعى اختصاصها أو اختصاص مثلها أو أعظم منها بأبي بكر وعمر.
فباب الدعوى بلا حجة ممكنة، والدعوى في فضل الشيخين أمكن منها في فضل غيرهما، وإن قالوا ثبت ذلك بالنقل والرواية، فالنقل والرواية في أولئك أكثر وأشهد، فإن ادعوا تواترا، فالتواتر هناك أصح، وإن اعتمدوا على نقل الصحابة فنقلهم لفضائل أبي بكر وعمر أكثر، ثم هم يقولون: إن الصحابة ارتدوا إلا نفرا قليلا فكيف تقبل رواية هؤلاء في فضيلة أحد، ولم يكن في الصحابة رافضة كثيرون، يتواتر نقلهم، فطريق النقل مقطوعا عليهم، إن لم يسلكوا طريق أهل السنة، كما هو مقطوع على النصارى في إثبات نبوة المسيح إن لم يسلكوا طريق المسلمين.
وهذا كمن أراد أن يثبت فقه ابن عباس دون علي، أو فقه علقمة والأسود دون ابن مسعود، ونحو ذلك من الأمور التي يثبت فيها للشيء حكم دون ما هو أولى بذلك الحكم منه، فإن هذا تناقض ممتنع عند من سلك طريق العلم والعدل.
ولهذا كانت الرافضة من أجهل الناس وأضلهم، كما أن النصارى من أجهل الناس، والرافضة من أخبث الناس، كما أن اليهود من أخبث الناس، ففيهم نوع من ضلال النصارى، ونوع من خبث اليهود.
(الوجه الخامس): أن يقال: تمثيل هذا بقصة عمر بن سعد طالبا للرياسة والمال مقدما على المحرم لأحل ذلك فيلزم أن يكون السابقون الأولون بهذه الحال، وهذا أبوه سعد بن أبي وقاص، كان من أزهد الناس في الإمارة والولاية، ولما وقعت الفتنة اعتزل الناس في قصره بالعقيق، وجاءه عمر ابنه هذا فلامه على ذلك، وقال له الناس في المدينة يتنازعون الملك وأنت ههنا؟ فقال: «اذهب فإني سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول إن الله يحب العبد التقي

الغني الخفي» (١). هذا ولم يكن قد بقي أحد من أهل الشورى غيره وغير علي رضي الله عنهما، وهو الذي فتح العراق، وأذل جنود كسرى وهو آخر العشرة موتا.
فإذا لم يحسن أن يشبه بابنه عمر أيشبه به أبو بكر وعمر وعثمان، هذا وهم لا يجعلون محمد بن أبي بكر بمنزلة أبيه، بل يفضلون محمدا ويعظمونه، ويتولونه لكونه آذى عثمان وكان من خواص أصحاب علي لأنه كان ربيبه، ويسبون أباه أبا بكر ويلعنونه، فلو أن النواصب فعلوا بعمر بن سعد مثل ذلك فمدحوه على قتل الحسين، لكونه كان من شيعة عثمان، ومن المنتصرين له، وسبوا أباه سعد لكونه تخلف عن القتال مع معاوية والانتصار لعثمان، هل كانت النواصب لو فعلت ذلك إلا من جنس الرافضة.
بل الرافضة شر منهم، فإن أبا بكر أفضل من سعد، وعثمان كان أبعد عن استحقاق القتل من الحسين، وكلاهما مظلوم وشهيد رضي الله تعالى عنهما، ولهذا كان الفساد الذي حصل في الأمة بقتل عثمان أعظم من الفساد الذي حصل في الأمة بقتل الحسين.
وعثمان من السابقين الأولين وهو خليفة مظلوم طلب منه أن ينعزل بغير حق فلم ينعزل ولم يقاتل عن نفسه حتى قتل، والحسين - رضي الله عنه - لم يكن متوليا وإنما كان طالبا للولاية، حتى رأى أنها متعذرة وطلب منه ليستأسر ليحمل إلى يزيد مأسورا، فلم يجب إلى ذلك وقاتل حتى قتل مظلوما، شهيدا، فظلم عثمان كان أعظم وصبره وحلمه كان أكمل، وكلاهما مظلوم شهيد، ولو مثل ممثل طلب علي والحسين للأمر بطلب الإسماعيلية كالحاكم وأمثاله وقال إن علي والحسين كانا ظالمين طالبين للرياسة من غير حق، بمنزلة الحاكم وأمثاله من ملوك بني عبيد، أما كان يكون كاذبا مفتريا في ذلك لصحة إيمان الحسن والحسين، ودينهما وفضلهما، ولنفاق هؤلاء وإلحادهم.
وكذلك من شبه عليا والحسين ببعض من قام من الطالبيين أو غيرهم بالحجاز، أو الشرق أو الغرب يطلب الولاية بغير حق، ويظلم الناس في أموالهم وأنفسهم، أما كان يكون ظالما كاذبا؟ فالمشبه بأبي بكر وعمر بعمر بن سعد أولى بالكذب والظلم، ثم غاية (١) انظر المسند ج٣ ص٢٦ تحقيق أحمد شاكر، وانظر صحيح مسلم ج٤ ص٢٢٧٧.

عمر بن سعد وأمثاله، أن يعترف بأنه طلب الدنيا بمعصية يعترف أنها معصية، وهذا ذنب كثير وقوعه من المسلمين.
وأما الشيعة فكثيرمنهم يعترفون بأنهم إنما قصدوا بالملك إفساد دين الإسلام، ومعاداة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما يعرف ذلك من خطاب الباطنية وأمثالهم، من الداخلين في الشيعة، فإنهم يعترفون بأنهم في الحقيقة لا يعتقدون دين الإسلام، وإنما يتظاهرون بالتشيع لقلة عقل الشيعة وجهلهم ليتوصلوا بهم إلى أغراضهم.
وأول هؤلاء، بل خيارهم هو المختار بن أبي عبيد الكذاب، فإنه كان أمير الشيعة، وقتل عبيد الله بن زياد، وأظهر الانتصار للحسين، حتى قتل قاتله وتقرب بذلك إلى محمد بن الحنفية وأهل البيت، ثم ادعى النبوة وأن جبريل يأتيه، وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: «سيكون في ثقيف كذاب ومبير» (١). فكان الكذاب هو المختار بن أبي عبيد، وكان المبير هو الحجاج بن يوسف الثقفي، ومن المعلوم أن عمر بن سعد أمير السرية التي قتلت الحسين، مع ظلمه وتقديمه الدنيا على الدين، لم يصل في المعصية إلى فعل المختار بن أبي عبيد، الذي أظهر الانتصار للحسين، وقتل قاتله بل كان هذا أكذب وأعظم ذنبا من عمر بن سعد.
فهذا الشيعي شر من ذلك الناصبي، بل والحجاج بن يوسف خير من المختار بن أبي عبيد، فإن الحجاج كان مبيرا كما سماه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم -يسفك الدماء بغير حق، والمختار كان كذابا يدعى الوحي وإتيان جبريل إليه، وهذا الذنب أعظم من قتل النفوس، فإن هذا كفر وإن لم يتب منه كان مرتدا، والفتنة أعظم من القتل.
وهذا باب مطرد لا تجد أحدا ممن تذمه الشيعة بحق أو باطل إلا وفيهم من هو شر منه، ولا تجد أحدا ممن تمدحه الشيعة إلا وفيمن تمدحه الخوارج من هو خير منه، فإن الروافض شر من النواصب، والذين تكفرهم أو تفسقهم الروافض، هم أفضل من الذين تكفرهم أو تفسقهم النواصب.
وأما أهل السنة فيتولون جمع لمؤمنين، ويتكلمون بعلم وعدل ليسوا من أهل الجهل، (١) مسلم ج٤ ص ١٩٧١.

ولا من أهل الأهواء، ويتبرءون من طريقة الروافض والنواصب جميعا، ويتولون السابقين الأولين كلهم، ويعرفون قدر الصحابة، وفضلهم، ومناقبهم، ويرعون حقوق أهل البيت التي شرعها الله لهم، ولا يرضون بما فعله المختار ونحو من الكذابين، ولا ما فعل الحجاج ونحوه من الظالمين.
ويعلمون مع هذا مراتب السابقين الأولين، فيعلمون أن لأبي بكر وعمر من التقدم والفضائل ما لم يشاركهما فيهما أحد، من الصحابة لا عثمان ولا علي ولا غيرهما، وهذا كان متفقا عليه في الصدر الأول، إلا أن يكون خلاف شاذ لا يعبأ به.
حتى أن الشيعة الأولى أصحاب علي لم يكونوا يرتابون في تقديم أبي بكر وعمر عليه، فكيف وقد ثبت عنه من وجوه متواترة أنه كان يقول: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، ولكن كان طائفة من شيعة علي، تقدمه على عثمان، وهذه المسألة أخفى من تلك، ولهذا كان أئمة أهل السنة متفقين على تقديم أبي بكر وعمر كما في مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ومالك، وأحمد بن حنبل، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وسائر أئمة المسلمين، من أهل الفقه والحديث والزهد والتفسير من المتقدمين والمتأخرين.
وأما عثمان وعلي فكان طائفة من أهل المدينة يتوقفون فيهما، وهي إحدى الروايتين عن سفيان الثوري، ثم قيل إنه رجع عن ذلك لما اجتمع به أيوب السختياني، وقال من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وسائر أئمة السنة على تقديم عثمان وهو مذهب جماهير أهل الحديث وعليه يدل النص، والإجماع والاعتبار.
وأما ما يحكى عن بعض المتقدمين من تقديم جعفر أو تقديم طلحة أو نحو ذلك فذلك في أمور مخصوصة لا تقديما عاما، وكذلك ما ينقل عن بعضهم في علي.
وأما قوله: فبعضهم اشتبه الأمرعليه ورأى لطالب الدنيا مبايعا فقلده، وبايعه وقصر في نظره فخفي عليه الحق فاستحق المؤاخذة من الله تعالى، بإعطاء الحق لغير مستحقه، قال: وبعضهم قلد لقصور فطنته، ورأى الجم الغفير فتابعهم، وتوهم أن الكثرة تستلزم الصواب، وغفل عن قوله تعالى: ﴿وقليل ما هم﴾ (١)، ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ (٢). (١) الآية ٢٤ من سورة ص. (٢) الآية ٢٤ من سورة ص.

فيقال لهذا المفتري: الذي جعل الصحابة الذين بايعوا أبا بكر ثلاثة أصناف أكثرهم طلبوا الدنيا وصنف قصروا في النظر، وصنف عجزوا عنه، لأن الشر إما أن يكون لفساد القصد.
وإما أن يكون للجهل، والجهل إما أن يكون لتفريط في النظر، وإما أن يكون لعجز عنه.
وذكر أنه كان في الصحابة وغيرهم من قصر في النظر حين بايع أبا بكر، ولو نظر لعرف الحق، وهذا يؤاخذ على تفريطه، بترك النظر الواجب، وفيهم من عجز عن النظر، فقلد الجم الغفير، يشير بذلك إلى سبب مبايعة أبي بكر.
فيقال له هذا من الكذب الذي لا يعجز عنه أحد، والرافضة قوم بهت فلو طلب من هذا المفتري دليل على ذلك لم يكن له على ذلك دليل، والله تعال قد حرم القول بغير علم، فكيف إذا كان المعروف ضد ما قاله فلو لم نكن نحن عالمين بأحوال الصحابة لم يجز أن نشهد عليهم بما لا نعلم من فساد القصد، والجهل بالمستحق.
قال تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾ (٢) فكيف إذا كنا نعلم أنهم كانوا أكمل هذه الأمة عقلا، وعلما، ودينا، كما قال فيهم عبد الله بن مسعود: «من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد كانوا والله أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوبا، وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم، في آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم، ودينهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم» (٣). رواه غير واحد منهم ابن بطة، عن قتادة.
وروى هو وغيره بالأسانيد المعروفة إلى زر بنت حبيش، قال: قال عبد الله بن مسعود: «إن الله تبارك وتعالى نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فوجد قلوب (١) الآية ٣٦ من سورة الإسراء.
(٢) الآية ٦٦ من سورة آل عمران.
(٣) انظر المسند ج٥ ص٢١١ تحقيق أحمد شاكر، وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار، والطبراني في الكبير.
مجمع الزوائد ج١ ص١٧٧

أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيء» (١). وفي رواية قال أبو بكر بن عياش الراوي لهذا الأثر، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، وقد رأى أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جميعا أن يستخلفوا أبا بكر.
فقول عبد الله بن مسعود كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، كلام جامع بين فيه حسن قصدهم ونياتهم، ببر القلوب وبين فيه كمال المعرفة ودقتها بعمق العلم، وبين فيه تيسر ذلك عليهم وامتناعهم من القول بلا علم، بقلة التكلف وهذا خلاف ما قاله هذا المفتري الذي وصف أكثرهم بطلب الدنيا، وبعضهم بالجهل، إما عجزا وإما تفريطا والذي قاله عبد الله حق فإنهم خير هذه الأمة، كما تواترت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حيث قال: «خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٢). وهم أفضل الأمة الوسط الشهداء على الناس، الذين هداهم الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فليسوا من المغضوب عليهم الذين يتبعون أهواءهم، ولا من الضالين الجاهلين، كما قسمهم هؤلاء المفترون، إلى ضلال وغواة، بل لهم كمال العلم، وكمال القصد.
إذ لو لم يكن كذلك للزم أن لا تكون هذه الأمة خير الأمم، وأن لا يكونوا خير الأمة وكلاهما خلاف الكتاب والسنة، وأيضا فالاعتبار العقلي يدل على ذلك، فإن من تأمل أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وتأمل أحوال اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين، تبين له من فضيلة هذه الأمة على سائر الأمم في العلم النافع، والعمل الصالح، ما يضيق هذا الموضع عن بسطه.
والصحابة أكمل الأمة في ذلك بدلالة الكتاب والستة والإجماع، والاعتبار ولهذا لا تجد أحدا من أعيان الأمة إلا وهو معترف بفضل الصحابة عليه، وعلى أمثاله، وتجد من (١) انظر المرجع السابق.
(٢) تقدمت الإشارة إلى مواضعه انظر ص.

ينازع في ذلك كالرافضة من أجهل الناس، ولهذا لا يوجد في أئمة الفقه الذين يرجع إليهم رافضي، ولا في أئمة الحديث ولا في أئمة الزهد والعبادة، ولا في أئمة الجيوش المؤيدة المنصورة رافضي، ولا في الملوك الذين نصروا الإسلام وأقاموه وجاهدوا عدوه من هو رافضي، ولا في الوزراء الذين لهم سيرة محمودة من هو رافضي.
وأكثر ما تجد الرافضة إما في الزنادقة المنافقين الملحدين، وإما في جهال ليس لهم علم بالمنقولات ولا بالمعقولات، قد نشأ بالبوادي والجبال، وتجبروا على المسلمين، فلم يجالسوا أهل العلم والدين، وإما في ذوي الأهواء ممن قد حصل له بذلك رياسة ومال، أوله نسب يتعصب به كفعل أهل الجاهلية، وأما من هو عند المسلمين من أهل العلم والدين، فليس في هؤلاء رافضي، لظهور الجهل والظلم في قولهم، وتجد ظهور الرفض في شر الطوائف كالنصيرية والاسماعيلية، والملاحدة الطرقية، وفيهم من الكذب والخيانة وإخلاف الوعد ما يدل على نفاقهم، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: «آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان» (١) - زاد مسلم - «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم» وأكثر ما توجد هذه الثلاث في طوائف أهل القبلة في الرافضة.
وأيضا فيقال لهذا المفتري: هب أن الذين بايعوا الصديق كانوا كما ذكرت إما طالب دنيا وإما جاهل، فقد جاء بعد أولئك في قرون الأمة، من يعرف كل أحد زكاءهم، وذكاءهم.
مثل سعيد بن المسيب، الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، وعلقمة، والأسود، وعبيدة السلماني، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء جابر بن زيد، وعلي بن زيد، وعلي بن الحسين، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، ومطرف بن الشخير، ومحمد بن واسع، وحبيب العجمي، ومالك بن دينار، ومكحول، والحكم بن عتبة، ويزيد بن أبي حبيب، ومن لا يحصي عددهم إلا الله.
ثم بعدهم أيوب السختياني، وعبد الله بن عون، ويونس بن عبيد، وجعفر بن محمد، (١) انظر البخاري ج١ ص ١٢ وغيره، ومسلم ج١ ص٧٨.

والزهري، وعمرو بن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأبو الزناد، ويحيى بن أبي كثير، وقتادة، ومنصور بن المعتمر، والأعمش، وحماد بن أبي سليمان، وهشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة.
ومن بعد هؤلاء مثل، مالك بن أنس، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، والليث بن سعد، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وشريك، وابن أبي ذئب، وابن الماجشون.
ومن بعدهم، مثل يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن القاسم، وأشهب بن عبد العزيز، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحق بن راهويه، وأبي عبيد، وأبي ثور، ومن لا يحصى عدده إلا الله تعالى، ممن ليس لهم غرض في تقديم غير الفاضل لا لأجل رياسة، ولا مال.
وممن هم أعظم الناس نظرا في العلم وكشفا لحقائقه، وهم كلهم متفقون على تفضيل أبي بكر وعمر.
بل الشيعة الأولى الذين كانوا على عهد علي كانوا يفضلون أبا بكر وعمر، قال أبي القاسم سألت مالكا عن أبي بكر وعمر، فقال: مارأيت أحدا ممن أقتدي به يشك في تقديمهما.
يعني على علي وعثمان فحكى إجماع أهل المدينة على تقديمهما.
وأهل المدينة لم يكونوا مائلين إلى بني أمية كما كان أهل الشام، بل قد خلعوا بيعة يزيد، وحاربهم عام الحرة وجرى بالمدينة ما جرى.
ولم يكن أيضا قتل علي منهم أحدا كما قتل من أهل البصرة ومن أهل الشام، بل كانوا يعدونه من علماء المدينة، إلى أن خرج منها، وهم متفقون على تقديم أبي بكر وعمر.
وروى البيهقي بإسناده عن الشافعي.
قال: لم يختلف الصحابة والتابعون في تقديم أبي بكر وعمر، وقال شريك بن أبي نمر: وقال له قائل أيما أفضل أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو بكر.
فقال له السائل: تقول هذا وأنت من الشيعة؟ فقال: نعم إنما الشيعي من يقول هذا، والله لقد رقى علي هذه الأعواد، فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر أفكنا نرد قوله، أفكنا نكذبه، والله ما كان كذابا (١). (١) تقدمت الإشارة إليه ص٥٥ وص٩.

وذكر هذا القاضي عبد الجبار في كتاب تثبت النبوة له، وعزاه إلى كتاب أبي القاسم البلخي، الذي صنفه في النقض على ابن الرواندي اعتراضه على الجاحظ (١). فكيف يقال مع هذا إن الذين بايعوه كانوا طلاب الدنيا، أو جهالا، ولكن هذا وصف الطاعن فيهم، فإنك لا تجد في طوائف القبلة أعظم جهلا من الرافضة، ولا أكثر حرصا على الدنيا، وقد تدبرتهم فوجدتهم لا يضيفون إلى الصحابة عيبا إلا وهم أعظم الناس اتصافا به، والصحابة ابعد عنه، فهم أكذب الناس بلا ريب كمسيلمة الكذاب، إذ قال: أنا نبي صادق، ولهذايصفون أنفسهم بالإيمان، ويصفون الصحابة بالنفاق، وهم أعظم الطوائف نفاقا، والصحابة أعظم الخلق إيمانا.
وأما قوله: وبعضهم طلب الأمر لنفسه بحق وبايعه الأقلون الذين أعرضوا عن الدنيا وزينتها، ولم تأخذهم بالله لومة لائم، بل أخلصوا لله واتبعوا ما أمروا به من طاعة من يستحق التقديم، وحيث حصل للمسلمين هذه البلية، وجب على كل أحد النظر في الحق واعتماد الإنصاف، وأن يقر الحق مقره، ولا يظلم مستحقه، فقد قال تعالى: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ (٢). فيقال له أولا: قد كان الواجب أن يقال لما ذهب طائفة إلى كذا، وطائفة إلى كذا، وجب أن ينظر أي القولين أصح، فأما إذا رضيت إحدى الطائفتين باتباع الحق، والأخرى باتباع الباطل، فإن كان هذا قد تبين فلا حاجة إلى النظر، وإن لم يتبين بعد لم يذكر حتى يتبين.
ويقال له ثانيا: قولك: إنه طلب الأمر لنفسه بحق، وبايعه الأقلون كذب على علي - رضي الله عنه -، فإنه لم يطلب الأمر لنفسه في خلافة أبي بكر، وعمر وعثمان، وإنما طلبه لما قتل عثمان وبويع وحينئذ فأكثر الناس كانوا معه، لم يكن معه الأقلون وقد اتفق أهل السنة والشيعة على أن عليا لم يدع إلى مبايعته في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، ولا بايعه على ذلك أحد.
ولكن الرافضة تدعي أنه كان يريد ذلك، وتعتقد أنه الإمام المستحق للإمامة، دون (١) انظر في تثبيت دلائل النبوة ج ٢ ص ٥٤٩. (٢) الآية ١٨ من سورة هود عليه السلام

غيره، لكن كان عاجزا عنه وهذا لو كان حقا لم يفدهم، فإنه لم يطلب الأمر لنفسه، ولا تابعه أحد على ذلك، فكيف إذا كان باطلا.
وكذلك قوله بايعه الأقلون، كذب على الصحابة فإنه لم يبايع منهم أحد لعلي على عهد الخلفاء الثلاثة، ولا يمكن أحد أن يدعي هذا، ولكن غاية ما يقول القائل إنه كان فيهم من يختار مبايعته، ونحن نعلم أن عليا لما تولى كان كثير من الناس يختار ولاية معاوية، وولاية غيرهما، ولما بويع عثمان كان في نفوس بعض الناس ميل إلى غيره، فمثل هذا لا يخلو من الوجود.
وقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالمدينة وبها وما حولها منافقون، كما قال تعالى: ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾ (١) وقد قال تعالى عن المشركين: ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ (٢) فأحبوا أن ينزل القرآن على من يعظمونه من أهل مكة والطائف، قال تعالى: ﴿أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات﴾ (٣). وأما ما وصفه لهؤلاء بأنهم الذين أعرضوا عن الدنيا وزينتها، وأنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم، فهذا من أبين الكذب، فإنه لم ير الزهد والجهاد في طائفة أقل منه في الشيعة، والخوارج المارقون كانوا أزهد منهم وأعظم قتالا، حتى يقال في المثل حملة خارجية وحروبهم مع جيوش بني أمية وبني العباس وغيرهما بالعراق والجزيرة وخراسان والمغرب وغيرهما معروفة، وكانت لهم ديار يتحيزون فيها لا يقدر عليهم أحد.
وأما الشيعة فهم دائما مغلوبون، مقهورون منهزمون، وحبهم للدنيا وحرصهم عليها ظاهر، ولهذا كاتبوا الحسين - رضي الله عنه -، فلما أرسل إليهم ابن عمه، ثم قدم بنفسه غدروا به، وباعوا الآخرة بالدنيا، وأسلموه إلى عدوه، وقاتلوه مع عدوه، فأي زهد عند هؤلاء، وأي جهاد عندهم.
وقد ذاق منهم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - من الكاسات المرة ما لا يعلمه إلا الله، حتى (١) الآية ١٠١ من سورة التوبة.
(٢) الآية ٣١ من سورة الزخرف.
(٣) الآية ٣٢ من سورة الزخرف.

فصول الكتاب · 197 فصل · 535 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كتاب مختصر منهاج السنة · 535 صفحة
مقدمة الكتابالمقدمة(فصل)(فصل)متى سموا رافضة وكذا الزيديةذكر بعض حماقات الرافضة(فصل)شرك بعض الصوفية حتى في الربوبيةلا وجود لإلياس والخضرأصول الدين عند الإماميةتناقض الرافضة في الإمامة بين القول والتطبيقلا يحصل بمعرفة الإمام خير إن لم يعمل صالحاليست الإمامة من واجبات الدين(فصل)
(فصل)
(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)فصل(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)فصل(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)(فصل)
جارٍ التحميل