قال الرافضي: الثاني: الخبر المتواتر عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ (٣) خطب الناس في غدير خم وقال للجمع كله: يا أيها الناس ألست أولى منكم بأنفسكم؟ قالوا: بلى.
قال: من كنت مولاه فعلي مولاه.
اللهم وال من ولاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله.
فقال عمر: بخ بخ، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
والمراد بالمولى هنا الأولى بالتصرف لتقدم التقرير منه - صلى الله عليه وآله وسلم - بقوله: ألست أولى منكم بأنفسكم؟ والجواب: عن هذه الآية والحديث المذكور قد تقدم، وبينا أن هذا كذب، وأن قوله: ﴿بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ (٤) نزل قبل حجة الوداع بمدة طويلة.
ويوم الغدير إنما كان ثامن عشر ذي الحجة بعد رجوعه من الحج، وعاش بعد ذلك شهرين وبعض الثالث.
فعلم أنه لم يكن في غدير خم أمر يشرع نزل إذ ذاك، لا في حق علي ولا في غيره، لا إمامته ولا غيرها.
(١) الآية ٢١٤ من سورة الشعراء.
(٢) انظر البخاري ج٦ ص ١١١- ١١٢ ومسلم ج١ ص ١٩٢. (٣) الآية ٦٧ من سورة المائدة.
(٤) الآية ٦٧ من سورة المائدة.
لكن حديث الموالاة قد رواه الترمذي وأحمد في مسنده عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه» (١). وأما الزيادة وهي قوله: «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه...» الخ، فلاريب أنه كذب.
وكذلك قوله: أنت أولى بكل مؤمن ومؤمنة، كذب أيضا.
وأما قوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه» فليس في الصحاح، لكن هو مما رواه العلماء، وتنازع الناس في صحته، فنقل عن البخاري وإبراهيم الحربي وطائفة من أهل العلم بالحديث إنهم طعنوا فيه وضعفوه، ونقل عن أحمد بن حنبل أنه حسنه كما حسنه الترمذي.
وقد صنف أبو العباس بن عقدة مصنفا في جمع طرقه.
ونحن نجيب بالجواب المركب فنقول: إن لم يكن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قاله فلا كلام، وإن كان قاله فلم يرد به قطعا الخلافة بعده، إذ ليس في اللفظ ما يدل عليه.
ومثل هذا الأمر العظيم يجب أن يبلغ بلاغا مبينا.
وليس في الكلام ما يدل دلالة بينة على أن المراد به الخلافة.
وذلك أن المولى كالولي.
والله تعالى قال: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾ (٢)، وقال: ﴿فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير﴾ (٣) فبين أن الرسول ولي المؤمنين، وأنهم مواليه أيضا، كما بين أن الله ولي المؤمنين، وأنهم أولياؤه، وأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض.
فالموالاة ضد المعاداة، وهي تثبت من الطرفين، وإن كان أحد المتواليين أعظم قدرا، وولايته إحسان وتفضل، وولاية الآخر طاعة وعبادة، كما أن الله يحب المؤمنين، والمؤمنون يحبونه.
وهو ولي المؤمنين وهو مولاهم يخرجهم من الظلمات إلى النور.
وإذا كان كذلك فمعنى كون الله ولي المؤمنين ومولاهم، وكون الرسول وليهم ومولاهم، وكون علي مولاهم، هي الموالاة التي هي ضد المعاداة.
والمؤمنون يتولون الله ورسوله الموالاة المضادة للمعاداة، وهذا حكم ثابت لكل مؤمن.
(١) انظر سنن الترمذي ج٥ ص ٢٩٧ والمسند ج٤ ص ٢٨١ وأماكن أخرى منه.
(٢) الآية ٥٥ من سورة المائدة.
(٣) الآية ٤ من سورة التحريم.
فعلي رضي الله عنه من المؤمنين الذين يتولون المؤمنين ويتولونه.
وفي الجملة فرق بين الولي والمولى ونحو ذلك وبين الوالي.
فباب الولاية - التي هي ضد العداوة - شيء، وباب الولاية - التي هي الإمارة - شيء.
والحديث إنما هو في الأولى دون الثانية.
والنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يقل: من كنت واليه فعلي واليه.
وإنما اللفظ «من كنت مولاه فعلي مولاه».
وأما كون المولى بمعنى الوالي، فهذا باطل.
فإن الولاية تثبت من الطرفين؛ فإن المؤمنين أولياء الله، وهو مولاهم.
وأما كونه أولى بهم من أنفسهم، فلا يثبت إلا من طرفه - صلى الله عليه وآله وسلم -. وكونه أولى بكل مؤمن من نفسه من خصائص نبوته.