وقو له: «وإن كان الحزن طاعة استحال نهي النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عنه، وإن كان معصية كان ما ادعوه فضيلة رذيلة».
والجواب: أولا: أنه لم يدع أحد أن مجرد الحزن كان هو الفضيلة، بل الفضيلة ما دل عليه قوله تعالى: ﴿(إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا (﴾ (٤). فالفضيلة كونه هو الذي خرج مع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في هذه الحال، واختص بصحبته، وكان له كمال الصحبة مطلقا، وقول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - له: «أن الله معنا» وما يتضمنه ذلك من كمال موافقته للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، ومحبته وطمأنينته، وكمال معونته للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وموالاته، ففي هذه الحال من كمال إيمانه وتقواه ما هو الفضيلة.
وكمال محبته ونصره للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - هو الموجب لحزنه، إن كان حزن، مع أن القرآن لم يدل (١) انظر البخاري ج٢ ص ٨٤ ومسلم ج٢ ص ٦٣٦. (٢) انظر البخاري ج٢ ص ٨٣ - ٨٤ ومسلم ج٤ ص ١٨٠٧ - ١٨٠٨. (٣) الآية ١٢٧ من سورة النحل.
(٤) الآية٤٠ من سورة التوبة.
على أنه حزن كما تقدم.
ويقال: ثانيا: هذا بعينه موجود في قوله عز وجل لنبيه: (ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون﴾ «١)، وقوله: (﴿لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم (﴾ (٢) ونحو ذلك، بل في قوله تعالى لموسى: (﴿خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى﴾ «٣). فيقال: إنه أثمر أن يطمئن ويثبت، لأن الخوف يحصل بغير اختيار العبد، إذا لم يكن له ما يوجب الأمن، فإذا حصل ما يوجب الأمن زال الخوف.
وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لصديقه: (﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ نهي عن الحزن مقرون بما يوجب زواله، وهو قوله: ﴿إن الله معنا﴾ وإذا حصل الخبر بما يوجب زوال الحزن والخوف زال، وإلا فهو يهجم على الإنسان بغير اختياره.
ويقال: ثالثا: ليس في نهيه عن الحزن ما يدل على وجوده كما تقدم، بل قد ينهى عنه لئلا يوجد إذا وجد مقتضيه، وحينئذ فلا يضرنا كونه معصية لو وجد، وإن وجد، فالنهي.
قد يكون نهي تسلية وتعزية وتثبيت وإن لم يكن المنهي عنه معصية بل قد يكون مما يحصل بغير اختيار المنهى، وقد يكون الحزن من هذا الباب.
ويقال: رابعا: عامة عقلاء بني آدم إذا عاشر أحدهم الآخر مدة يتبين له صداقته من عداوته، فالرسول يصحب أبا بكر بمكة بضع عشرة سنة، ولا يتبين له هل هو صديقه أو عدوه، وهو يجتمع معه في دار الخوف؟! وهل هذا إلا قدح في الرسول؟ ثم يقال: جميع الناس كانوا يعرفون أنه أعظم أوليائه من حسن المبعث إلى الموت فإنه أول من آمن به من الرجال الأحرار، ودعا غيره إلى الإيمان به حتى آمنوا، وبذل أمواله في تخليص من كان آمن به من المستضعفين، مثل بلال وغيره، وكان يخرج معه إلى الموسم فيدعو القبائل إلى الإيمان به، ويأتي النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كل يوم إلى بيته: إما غدوة وإما عشية، وقد آذاه الكفار على إيمانه، حتى خرج من مكة فلقيه ابن الدغنة أمير من أمراء العرب - سيد القارة - وقال إلى أين؟ وقد تقدم حديثه، (١) الآية ١٢٧ من سورة النحل.
(٢) الآية ٨٨ من سورة الحجر.
(٣) الآية ٢١ من سورة طه.
فهل يشك من له أدنى مسكة من عقل أن مثل هذا لا يفعله إلا من هو في غاية الموالاة والمحبة للرسول ولما جاء به وأن موالاته ومحبته بلغت به إلى أن يعادي قومه، ويصبر على أذاهم، وينفق أمواله على من يحتاج إليه من إخوانه المؤمنين.
ولم يكن يحصل للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أذى قط من أبى بكر مع خلوته به واجتماعه به ليلا ونهارا، وتمكنه مما يريد المخادع من إطعام سم، أو قتل أو غير ذلك.
وأيضا فكان حفظ الله لرسوله وحمايته له يوجب أن يطلعه على ضميره السيئ، لو كان مضمرا له سوءا، وهو قد أطلعه الله على ما في نفس أبي عزة لما جاء مظهرا للإيمان بنية الفتك به، وكان ذلك في قعدة واحدة، وكذلك أطلعه على ما في نفس عمير بن وهب لما جاء من مكة مظهرا للإسلام يريد الفتك به، وأطلعه الله على المنافقين في غزوة تبوك، لما أرادوا أن يحلوا حزام ناقته.
وأبو بكر معه دائما ليلا ونهارا، حضرا وسفرا، في خلوته وظهوره.
ويوم بدر يكون معه وحده في العريش، ويكون في قلبه ضمير سيئ، والنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لا يعلم ضمير ذلك قط، ومن له أدنى نوع فطنة يعلم ذلك في أقل من هذا الاجتماع، فهل يظن ذلك بالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وصديقه إلا من هو - مع فرط جهله وكمال نقص عقله - من أعظم الناس تنقصا للرسول، وطعنا فيه، وقدحا في معرفته؟ فإن كان هذا الجاهل - مع ذلك - محبا للرسول، فمن له أدنى خبرة بدين الإسلام يعلم أن مذهب الرافضة مناقض له (١).